معارف وأذواق

من كلام الإمام الجنيد



 •  قال الإمام الجنيد للشبلي: "لا تُفش سرّ الله تعالى بين المحجوبين. وكان رضي الله عنه يقول: لا ينبغي للفقير قراءة كتب التوحيد الخاص، إلا بين المُصدِّقين لأهل الطريق، أو المُسلِّمين لهم، وإلا يخاف حصول المقْت لمن كذّبهم".[1]

 •  ويقول الجنيد في موضع آخر مؤاخذا له على إشاعته علوم القوم بين عامة الناس: "نحن حبّرنا هذا العلم تحْبيرا، ثم خبّأناه في السّراديب، فجئتَ أنتَ فأظهرته على رؤوس الملأ...". [2]

•  وقال الجنيد عن الشبلي: "الشبلي سكران، ولو أفاق لجاء منه إمام ينتفع به". [3]

 • وكان رحمه الله ينشد:
            سأكتمُ من عِلمي به ما يصونه       وأبذلُ منه ما أَرى الحقَّ يُبـــــــــذَل
            وأُعطي عبادَ اللهِ منه حُقوقَهـم        وأمنعُ منه ما أرى المنـعَ أفضــــــل
            أَلاَ إنَّ للرحمـن سـرّاً يســــــره       إلى أهله في السرِّ والسترُ أجمـل. [4]

•  قال الجنيد: أنا تكلمت بهذا العلم في السراديب والبيوت خفية، ولما جاء الشبلي تكلم بهذا العلم على المنابر وأظهره بين الخلائق". [5]

•  قيل للجنيد: أبو يزيد البسطامي يقول: سبحاني أنا ربي الأعلى. فقال: الرجل استهلك فنطق ما هلك به، لذهوله في الحق عن رؤيته إياه، فلم يشهد في الحق إلا الحق". [6]

•  وقال الجنيد: "لو أن أبا يزيد –رحمه الله- علم عظم إشارته خرج من البداية والتوسط، ولم أسمع له نطقا يدل على المعنى الذي ينبيء عن الغاية، وذلك ذكره للجسم، والجناح، والهواء، والميدان". [7]

•  قال الجنيد: "رأيت حكايات أبي يزيد رحمه الله على ما نعته ينبىء عنه: أنه قد غرق فيما وجد منها وذهب عن حقيقة الحق، إذا لم يرد عليها، وهي معان غرّقته على تارات من الغرق، كل واحد منها غير صاحبتها...، أما ما وصف من بدايات حاله فهو قوي محكم، قد بلغ منه الغاية، وقد وصف أشياء من علم التوحيد صحيحة، إلا أنها بدايات، فيما يطلب منها المرادون لذلك". [8] 

•  روى الهجويري في كشف المحجوب: "قرأت في الحكايات: أن الحسين بن منصور الحلاج في حال غلبته ترك صحبة عمرو بن عثمان المكي، وأتى إلى الجنيد، فسأله: ما الذي أتى بك إلي؟ فقال الحسين: طمعا في صحبة الشيخ، فقال له الجنيد: أنا لا أجتمع بالمجانين، والصحبة تتطلب كمال العقل، فإذا لم يتوفر ذلك تصرفت معي كما تصرفت مع سهل بن عبد الله التستري وعمرا، فقال له الحسين: يا شيخ، الصحو والسكر صفتان للعبد، وما دام العبد محجوبا عن ربه تفنى صفاته، فقال له الجنيد: يا ابن منصور، أخطأت في الصحو والسكر، لأن الصحو بلا خلاف عبارة عن صحة حال العبد في الحق، وذلك لا يدخل تحت صفة العبد واكتساب الخلق، وأنا أرى يا ابن منصور في كلامك فضولا كثيرا، وعبارات لا طائل تحتها". [9]

 

الهوامش

[1]- الطبقات الكبرى المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار، عبد الوهاب بن أحمد بن علي الأنصاري الشافعي المصري المعروف بالشعراني (ت973ھ)، ضبطه وصححه: عبد الغني محمد علي الفاسي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1427ھ/2006م،ص: 19.

[2]- التعرف لمذهب أهل التصوف، أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي (ت380ھ)، تحقيق وتعليق: عبد الحليم محمود، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 1424ھ/2004م، ص: 145.

[3]- تاج العارفين، الجنيد البغدادي، الأعمال الكاملة، دراسة وجمع وتحقيق: سعاد الحكيم، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط3، 2007م، ص: 145.

[4]- قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، أبو طالب المكي محمد بن علي بن عطية (ت386ھ): حققه وقدم له وعلق حواشيه: محمود إبراهيم محمد الرضواني، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1422ھ/2011م، 2/1074-1075.

[5] - تاج العارفين، ص: 176.

[6] - المرجع السابق، ص: 108.

[7] - نفسه، ص: 213.

[8] - اللمع، أبو نصر السراج الطوسي (ت378هـ)، تحقيق: عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، د.ط، 1423هـ/2002م، ص ص: 459-460.

[9] - كشف المحجوب، أبو الحسن علي بن عثمان بن أبي علي الجلابي الهجويري (ت465هـ)، ترجمة: محمود أحمد ماضي أبو العزائم، ضبط وتحقيق: أحمد عبد الرحيم السايح، وتوفيق علي وهبة، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 1428هـ/2007م، ص: 218.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مفهوم العقل عند سيِّد الطائفة

ميّز الحق سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل والقدرة على الإدراك والتفكير، فبدونه لا يستقيم له شيء، وبدونه لا فرق بينه وبين غيره من المخلوقات، فالعقل هو سبب استخلاف الله تعالى للإنسان في الأرض، وهو الذي يميز به بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين الخطأ والصواب، وهو أيضا مناط التكليف، فالكثير من العبادات لا تقبل إلا من عاقل مُدرك لأفعاله، وعلى نفس النهج كان الصوفية، فهم لم ينكروا العقل ولم يغيبوه، بل جعلوا له مكانة خاصة في...

الفرق بين الصدق والإخلاص عند الإمام الجنيد

    سأله أحدهم عن الفرق بين الصدق والإخلاص، فكان جوابه: "... فمعنى الصدق القيام على النفس بالحراسة والرعاية لها، بعد الوفاء منك بما عليك، مما دلّك العلم عليه، في إقامة حدود الأحوال في الظاهر، مع حسن القصد إلى الله عز وجل في أول الفعل؛ فالصدق موجود في حقيقة صفات الإرادة، عند بداية الإرادة بالقيام بما دُعيت إليه في حقيقة إرادتك، مما طرق الحق لك إليه، والمبادرة فيه بالخروج عن موافقة النفس لطلب الراحة، مع انتصاب العلم لك، وموافقتك له، بخروجك من التأويل.

الطريق إلى الله

سئل الجنيد رحمه الله: كيف الطريق إلى الله؟ فقال: "توبة تحل الإصرار، وخوف يزيل الغرة، ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات، ومراقبة الله في خواطر القلوب".

قال الجنيد رضي الله عنه: "طريق الحبيب إما بالعلم أو بالسلوك، والسلوك بلا علم وإن يكن حسنا، فهو جهل ونقص، وإذا كان العلم مع السلوك فهو عز وشرف".

وقال أيضا: "بني الطريق على أربع: لا تتكلم إلا عن وجود، ولا تأكل إلا عن فاقة، ولا تنم إلا عن غلبة، ولا تسكت إلا عن خشية".