مرحلة ما قبل تشكل المدارس

وَڴاڭْ بن زُلُّو اللّمْطي350ﮪ- 445ﮪ

كريمة بن سعاد باحثة مساعدة بمركز الإمام الجُنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة.

الإمام الفاتح، الولي الصالح، الشيخ المربي والمصلح الراعي، ذو الخصال الكريمة، والكرامات الجليلة، اعتُبر من رجالات التصوف وأعلام التشوف، الذين وفقوا في الجمع بين العلم والدين، والحكمة واليقين، أسهم في نشاط الحركة العلمية للدولة المرابطية، فهو مؤسس الرباط المشهور، "برباط أكلو" بسوس، ذلك الصرح الكبير الذي هو عبارة عن مؤسسة تربوية، ومدرسة دينية، وزاوية صوفية؛ والذي تشكل عبر مراحل مختلفة، وشهد إشعاعا دينيا وصوفيا وعلميا كبيرا ومتميزا، ليس بمنطقة  سوس فحسب بل بكل ما يحيط بها من المناطق.

الشيخ "محمد وَڴاڭ بن زَلُّو بن أبي جمعة، وأصله من قبيلة "إداو سملالة" – من أهل سوس- بالأطلس الصغير"،[1] أو كما يسميه بعض المؤرخين بِوجّاج بقلب الكاف إلى جيم، ولَقَبُ وَڴاڭْ الذي اشتهر به، معناه: الفقيه العليم بالقرآن والفقه، أما قول البعض الآخر بكونه اللّمطي، فلعلها كما يقول محمد السوسي "نسبة المجاورة لقبيلة "لمطة" التي يُعنى بها إذ ذاك من يقطنون في محلات بعمرانة إلى وادي نون".[2]

امتاز في طريقته "بالعلم والتربية، والجهاد والمجاهدة، فكانت طريقته سُنِّية صوفية، تربوية زهدية، كما امتاز بالتركيز على محبة الرسول عليه الصلاة والسلام وآل بيته الطاهرين والإكثار من الصلاة عليه، وكان مشربه معاشرة الناس، والدعوة بينهم وطلب العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كطريقة صوفية إصلاحية".[3]

كانت رحلته علمية تربوية غنية بالتحصيل العلمي والمعرفي والمثابرة على تطهير النفس  وتزكيتها بحسن العبادة والأخلاق، والدعوة لطريق الصلاح، حيث بدأت رحلته بالقيروان كما ذكر التادلي "فأخذ عن أبي عمران ثم عاد إلى سوس فبنى دارا سماها بدار المرابطين لطلبة العلم وقراءة القرآن، وكان المصامدة يزورونه ويتبركون بدعائه"،[4] وورد في مصادر أخرى أنه "انتقل إلى مدينة فاس، وأدرك هناك ابن أبي زيد القيرواني، فأخذ عنه قبل رحيله إلى بلده القيروان، كما ذكر صاحب بيوتات فاس...وذكرتْ روايات أخرى أنه شدَّ الرحال إلي الأندلس أيضا، وأخذ عن علماء قرطبة، وأجمع العلماء على أن وجهة الطالب وَڴاڭ آنذاك كانت هي القيروان، حيث أدرك ابن أبي زيد المتوفي سنة 310ﮪ، ثم لازم بعد ذلك شيخه أبا عمران فترة طويلة حتى بلغ من العلم مبلغا عظيما...،كما انخرط ضمن مجموعة من زملائه في حلاقات الشيخ أبي محمد تيسييت...، ورجع -لأكلو- ليعطي الانطلاقة لمرحلة العطاء والتلقين في الرباط الذي أسسه لهذا الغرض".[5] 

كان حضور الشيخ وَڴاڭ ببلدة أكلو حضورا مشهودا لدى ساكنتها، حيث زكّاها باهتمامه ورعايته لأهل منطقته، وكذا تدريسه ونشره للعلم والمعرفة، إضافة إلى كراماته وبركاته التي عمت البلدة وأهلها، يقول صاحب كتاب أكلو: "إن بلدة أكلو مجالا وساكنة من هذا المنظور رهينة في كل أحوالها وحالاتها ماضيا وحاضرا ومستقبلا بالحضور الممتلئ للشيخ وَڴاڭْ في كنفها واكتنافها هي لضِلالِه، بمعنى أن ببركاته المتواترة تتيسر أمورهاّ".[6]

كانت شخصية الشيخ وَڴاڭ شخصية مفعمة بالحيوية والحركية في سبيل نشر العلم، مما مكّنه من استجلاب العلماء بعلمهم ومعارفهم إلى منطقته وباقي المدن التي كانت تشهد خصاصًا واضحا في نسبة العلماء، فكان هَمُّه الإصلاح والتنوير، وترسيخ مبادئ الدعوة، وتصحيح السلوك والمفاهيم الخاطئة عن الدين، وتحسين أداء العبادات التي كان يجهلها الكثير من أهل تلك المنطقة، إضافة إلى إرساء مقومات الهوية الدينية، خاصة المذهب المالكي والتصوف الجُتيدي، وقد تجلى ذلك وأثمر في تأسيسه لمؤسسته التي لا يمكننا أن نمر عليها دون التعريف بها و بمكانتها الكبيرة، كونها لصيقة بشخص الشيخ وَڴاڭ وإنجازاته.

زاوية أكلو أو رباط أكلو كما يسميها البعض؛ هي مؤسسة تعليمية تربوية، تعد الأولى من نوعها في البادية المغربية، حيث "...كانت وراء إرساء مبادئ الإسلام وشرائعه، من أقصى سوس إلى الصحراء، وقد وصلت إلى القيروان وتونس"،[7] واعتبر الرباط كذلك "مركزا تربويا ذو وظائف تشمل إلى جانب التعليم والتلقين مهام الإرشاد والتوجه الديني وكذلك المرابطة والجهاد الفكري منه والعسكري، مع ما يقترن بذلك من ممارسات تعبدية وأنماط سلوكية صوفية... وتسمى داره التي بناها بسوس للعلم والخير دار المرابطين لطلبة العلم وقراءة القرآن...، والتي تتوفر على عدة أجنحة منها جناح خاص بالتعليم الأولي وحفظ القرآن، ومتون بعض المنظومات الدينية والتعليمية، وجانب خاص بدراسة العلوم اللغوية والدينية وغرف لإيواء الطلبة الوافدين من خارج البلدة ومن مختلف جهات المنطقة، وكان بها كذلك مأوى للمريدين المقيمين".[8]

وكانت ليالي رباط أكلو أو زاوية أكلو منتظمة في حلقات الذكر وقراءة القرآن، يسهر على ذلك "علماء وفقهاء من البلدة والزوار، وتتخللها أمداح نبوية تنم كلماتها الأمازيغية، وشكل نظمها ومحتوياتها عن عراقتها وعراقة الاحتفال بالمناسبات التي تحل عليها إذ لكل لحظة أمداحها وأدعيتها، كما لكل طائفة أورادها الخاصة، ولأن الأوراد الناصرية هي السائدة لدى معظم القبائل المشاركة، فحلقاتها تعقد في قاعة الصلاة الفسيحة"،[9] فلقد كانت مقصد الزوار ومحطة استراحة الرحالة والمحبين لها، كما هو الشأن بالنسبة لمختار السوسي حيث يقول: "...ركبنا متوجهين إلى زاوية العلامة وَڴاڭْ بأكلو، وكان النسيم عليلا، وهواء البحر الطيب يتلقانا بلطفه مرحبا، أو هي نسمة من نسمات الروح الوكاكية هي التي ترحب بأحد عشاق تراثها في سوس...، وقد آنسنا من هذا المكان الذي نستحضر من أخبار دفينه وَڴاڭْ ما استحضرناه انشراحا عظيما...، ولا أكاد أنسى هذا الانشراح الذي خامرني في مسجد سيدي وَڴاڭْ رحمه الله".[10]

لقد كان لهذا الشيخ الفضل الكبير  في اختياره لتلميذه عبد الله بن ياسين الجزولي ليقوم بمهمة الإصلاح والإرشاد، وذلك حين لقي يحيى ابن إبراهيم الشيخ أبا عمران الفاسي وهو عائد من ديار المشرق، وقد مكث عنده لبضعة أيام، فانبهر بما لديه من علوم ومعرفة، واطلاع وضلوع في أمور الدين، فأحب أن يرتشف هو وقبيلته من كأس العلوم التي ارتشف منها الشيخ أبا عمران، وينال من ذلك منالا يصبو بأهل بلدته إلى مراتب المعرفة والرُّقي، خاصة وأن الأوضاع التي تعيشها بلاده أوضاع مزرية لكثرة الجهل بأمور الدين والعبادات، وقلة العلم والعلماء وتفشي الأمية في أمور شتى، مما دفعه لطلب يد المساعدة منه وذلك بأن يرسل معه عالما متمكنًا كي ينتشل أهل بلدته من أوحال الضلالة، فما كان من الشيخ أبو عمران إلا أن أشار عليه بالتوجه صوب نفيس حيث الشيخ وَڴاڭ الذي سيختار له بدوره أنجب تلامذته و أكيسهم حتى يرافقه إلى بلدته، قصد تأطير وتوجيه الناس، وتعليمهم أمرور دينهم، وكذا إصلاح أحوالهم ونشر العلم هناك، وقد أصاب في اختياره، يقول الشيخ أبا عمران: "...إني أعرف ببلد نفيس-قرب أغمات- من أرض المصامدة، فقيها حاذقا وَرِعًا أخذ عني علما كثيرا، اسمه وَڴاڭ بن زولو اللمطي...اكتب له كتابا لينظر في تلامذته من يبعثه معك، فسِر إليه لعلك تجد حاجتك"،[11] وهذا يدل على المكانة الكبيرة والثقة العالية اللتين حظيَ بهما الشيخ وَڴاڭ، سافر إبراهيم ابن يحيى إلى نفيس كما أشار عليه أبو عمران، فما لقي من الشيخ وَڴاڭْ إلا الترحيب والمساعدة، إذ اختار أفضل تلامذته الأخيار، ممن ساهموا في تشييد إحدى ركائز الدولة المرابطين وهو الفقيه "عبد الله بن ياسين الجزولي" حيث رافق يحيى بن إبراهيم مُلبِّيًا دعوة شيخه ليقوم بمهمة الدعوة، حيث وُفق بعونٍ من الله، لنشر الدين الإسلامي الصحيح، وتلقين العلوم وتعليم أهل تلك المنطقة وتزويدهم بالعلوم التي نشلتهم من الضلالة إلى النور والهداية، ثم بفضل مشورة الشيخ وَڴاڭْ الذي بحكمته ومعرفته وُفق في أن اختار الشخص المناسب ليتولّى شرف القيام بهذه المهمة، يقول الشيخ أبو عمران مادحًا تلميذه الشيخ وَڴاڭ "كان فقيها حاذقا لقيني وأخذ عني عِلما كثيرا، وعرفت ذلك منه وهو يُدّرس العلم ويتعبد ويدعو الناس إلى الخير في رباطه ببلاد نفيس"،[12] وقد استقر بها للتفرغ لتربية وتعليم أهلها والإسهام في محاربة البورغواطيين، وبعدها انتقل إلى أكلو واستقر هنالك  واشتغل بالتعليم والتربية والعبادة ونشر الخير حتى وافته المنية هناك.

 هكذا حضي وَڴاڭ بمكانة وحظوة عاليين لدى أهل بلدته وخاصة قبائل الجنوب، فلم يُوَرِّث دارًا ولا دينارًا بل رباطًا عتيقًا وسمعة عالية أعلت مقامه ورفعت شأنه في حياته وحتى بعد مماته، حيث كان له الفضل في نقل العلوم وترسيخها بالجنوب المغربي بل في غرب إفريقيا كلها، كما كان له دور عظيم في تثبيت حركة الإصلاح المالكي والتصوف في القرنين الرابع والخامس للهجرة إلى جانب الدور المهم الذي لعبه وذلك بمإسهامه في إصلاح الشأن الديني والروحي في العهد المرابطي عن طريق عبد الله بن ياسين، الذي سار على خطاه ونهج نهجه، إذ استلهم هذا الأخير مشروعه في بناء الدولة من أفكار شيخه الإصلاحية من جهة، واستفاد من حيوية وحركية الرباطات المشعة في عصره من جهة أخرى خاصة رباط وَڴاڭ الذي اعتبر مركزا روحيا نال ما نال من الحظوة والشهرة.

توفي رحمه الله عليه سنة 445 ﮪ/ 1054م ودفن برباطه، وقد اختلف في مكان دفنه، إلا أن العلامة المختار السوسي ذكر أنه دفن بأكلو، "التي تقع غرب تيزنيت بساحل ماسة"،[13] ومازال يقام موسم سنوي له في مختلف أنحاء سوس.

الهوامش:

 

[1] - معلمة المغرب، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة، مطابع سلا، 2002، 22/7609.

[2] - المعسول، محمد المختار السوسي، 11/38.

[3] - مقدمة مرآة المحاسن، أبي حامد الفاسي الفهري، تحقيق: الشريف علي الكتاني،ط1/2008م، دار بن حزم، لبنان، ص:32.

[4] - التشوف إلى رجال التصوف، ابن الزيات يوسف ابن يحيى التادلي، تحقيق: عمر علي، مكتبة الثقافة الدينية، ط1/2007، ص 73.

[5] - أكلو البحر والعين وسيدي وكاك، جامع بنيدير، مطبعة الأمنية- الرباط،ط1/2010م، ص:341-342.

[6] -أكلو، ص:333.

[7] - نفس المصدر السابق، ص: 375-376.

[8] - نفس المصدر السابق، ص: 342.

[9] - نفس المصدر السابق، ص: 386/387.

[10] - خلال جزولة، محمد المختار السوسي، تطوان-المغرب ص:1/75.

[11] - الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى،أحمد بن خالد الناصري، تحقيق:أحمد الناصري، منشورات وزارة الثقافة والاتصال، ط/2001، ص:2/164.

[12] - الأنيس المطرب، علي بن ابي زرع الفاسي، مراجعة: عبد الوهاب من منصورط3/199م، ص ص 155/156.

[13] - طبقات الحضيكي، محمد بن أحمد الحضيكي، تحقيق: أحمد بومزكو، ط1/2006م، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2/593.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الفقيه الصالح أبي محمد عبد الله بن محسود الهواري (ت401هـ)

     يعد الشيخ الفقيه الصالح أبو محمد عبد الله بن محسود الهواري المتوفى سنة 401 للهجرة ، من أهل مدينة فاس الوسيطية، أحد أبرز السير المنقبية في عالم الصلاح والولاية بالمدينة، كان ملازما لجامع عدوة الأندلس، تقلد بها خطة القضاء، فنبغ في الميدان الفقهي علما وعملا، سلوكا وعرفانا، فوصفه صاحب المستفاد بـتحلية "العدل والفضل، زاهدا في الدنيا، مقبلا على الله تعالى"، كما حلاه صاحب جنى زهرة الآس  "بالفقيه الصالح، والقاضي الأعدل الورع". 

القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي

هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي.

قال صاحب النجم الثاقب: كان أبو الفضل رحمه الله، عميد الأولياء بالبلاد المغربية، وممن أجمع على فضله وعلمه علماء الفقه وأكابر الصوفية.

شيخ الجبل القطب المبجل سيدي عبد السلام بن مشيش 622/559هـ

   تعددت ألقابه، لجلالة قدره، وعلو همته، فلقب بشيخ مشايخ الصوفية، وبإمام أئمة الطريقة الصوفية الشاذلية، وبالقطب الشهيد، والكنز المطمور، والغوث الأشهر وغيرها، هو من العلماء العارفين، والزهاد الورعين، وكبار المتصوفة المتحققين.