مرحلة ما بعد تشكل المدارس

العربي ابن السايح دفين الرباط (ت1309ھ-1892م)

حورية بن قادة باحثة مساعدة بمركز الإمام الجُنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة.

هو العارف الذي جرت ينابيع المعارف من صدره، البحر المتلاطمة أمواج علمه وسره، الولي الشهير، القدوة الكبير، العارف بالله والدال عليه في سره ونجواه، أبو المكارم الشيخ محمد العربي بن السايح الشرقي العمري نسبة، التجاني مشربا....[1]

ولادته ونشأته

ولد بمكناس سنة 1229ھ/1814م، وانتقل إلى الرباط، حيث سطع نجمه وفشا سره، وأصبح قبلة الطلاب والعلماء، يبهرهم بعلمه ويدل على الله بحاله ومقاله...، نشأ نشأة صالحة في جو مفعم بالإيمان والعلم والصلاح، ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل بيته الطاهرين، ومحبة الأولياء والصالحين...[2]

شيوخه وتلامذته:

أخذ عن الشيخ عبد القادر الكوهن الفاسي دفين المدينة المنورة، والشيخ عبد القادر العلمي المكناسي، ومحمد الهاشمي السرغيني دفين عين ماضي الذي أخذ عنه الطريقة التجانية التي كان ابن السائح من كبار رجالها.

ومن أشهر تلامذته الرباطيين: الأديب أحمد جسوس، والفقيه بلامينو، والقاضي أحمد بناني، ومن السلويين: المحدث أحمد بن موسى، والأديب الحاج الطيب عواد وغيرهم كثير...[3]

أخذه للطريقة التجانية

في سنة 1256ھ، تمسك سيدي أبو المواهب السائحي بالطريقة التجانية، وقد بلغ من العمر سبعة وعشرين سنة، ولتمسكه بها حكاية لطيفة، و ذلك أنه في تلك السن تشوق تشوقا قويا إلى رؤية سيد الوجود صلى الله عليه وسلم، فصار يستعمل لهذا الغرض الشريف صيغا من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذات ليلة رأى أباه الشيخ محمد في المنام وهو يقول له : "أتطلب رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟" فأجابه: "نعم يا سيدي!" ، فقال له وهو يشير إلى جماعة من الفقراء يذكرون في المسجد : "إذا أردته فاطلبه عند هؤلاء السادات فإنه يحضر معهم".

فلما استيقظ علم أن السادة الذين أشار إليهم أبوه هم أصحاب الشيخ سيدنا أحمد التجاني- رضي الله عنه- الذين كانوا يجتمعون لذكر الوظيفة والهيللة بالمسجد الأعظم قبل بناء الزاوية بمكناس، ففهم الإشارة وعلم أن ذلك إذن له في أخذ الطريقة، فطلبها ممن كان يلقنها آنذاك، و الغالب على الظن أنه المقدم سيدي محمد بلقاسم بصرى- رضي الله عنه-.

وبعد أن تمسك بالطريقة، انكب على مجالسة علماء الطريقة وخواصها، وعلى مطالعة الكتب المؤلفة فيها وتقاييدها الخاصة، وصار يبحث عن كل ما يتعلق بصاحبها وبأصحابه وبفقهها وأذواقها وأسرارها ومعارفها وأنوارها وكل شؤونها، فرحل لأجل ذلك إلى كل من فاس ومراكش والرباط للاتصال بأكابر تلاميذ الشيخ أحمد التجاني- رضي الله عنه- الذين أخذوا عنه مشافهة، ولم يكتف بذلك بل كان يكاتب من كان منهم خارج المغرب، وكان من سعد طالعه ويمن حظه أن أدرك عددا وافرا منهم على قيد الحياة، فانتفع بهم انتفاعا بالغا.

فاجتمع لديه من المعلومات ما جعله دائرة للمعارف في كل ما يتعلق بالطريقة وبصاحبها وبرجالها، حتى صار كل من أتى بعده يستشهد به، ويستند عليه وعلى كتابه: "بغية المستفيد"،  وعلى إجازاته ورسائله.

و لنستمع له- رضي الله عنه- وهو يحدثنا بأسلوبه البديع الرائق عن هذا الموضوع كما في طالعة كتابه "البغية"، حيث يقول:

"و قد كنت حين قادني رائد العناية الأزلية، وجذبني جاذب الدائرة الفضيلة التي هي من وراء دوائر العقول والأفكار، فألهمت من فضل الله تعالى الانتماء لجناب هذا الشيخ العظيم، والالتجاء إلى حمى طريقته الشريفة وحزبه الكريم، بإلقاء القياد له وسلب الإرادة إليه على طريق الاستسلام والتحكيم، لقيت من أصحابه الذين أخذوا عنه علومه وأسراره، واقتبسوا منه بحسن الصحبة وكمال المتابعة معارفه وأنواره، ولازموه إلى أن فارقوه وهو عنهم راض جماعة وافرة، فانتفعت بحمد الله على أيديهم بما أرجو عود بركته علي وعلى أولادي وسائر الأحبة والإخوان في الدنيا والآخرة.

فتلقيت ممن تأهل منهم للتلقين ورده المحمدي الشريف، و أخذت عنهم عهده المصطفوي الحنيف  و رويت عنهم من طريق الإجازة العامة جميع ما اشتمل عليه كتاب: "جواهر المعاني"، من الأوراد والأذكار، وتلقيت منهم سماعا شرح الكثير من مسائله الجليلة القدر وفوائده العظيمة المقدار، وذاكرتهم بطريق الاستفادة منهم والأخذ عنهم في كثير مما لم يشتمل عليه هذا الكتاب، مما يوجد زائدا على ما فيه بغيره من المؤلفات والتقاييد التي بأيدي الأصحاب، فاجتمع عندي بحمد الله من ذلك نبذة كافية وجملة شافية مما يحتاج إليه المسترشد المستفيد، ولا يستغني عن مراجعته المرشد المفيد".[4]

ثناء العلماء عليه

قال في حقه مؤلف إتحاف أعلام الناس: "علاّمة مشارك نبيه، مدرس نفاع، ناظم ناثر، بارع فاضل، ماجد ليّن هين، مهاب صالح، مرشد ناصح، له إشراف على التاريخ، مستحضر لتراجم المتأخرين، معتن بقراءة صحيح البخاري، إذا تكلم في حديث أتى بما يبهر العقول، مما لا يظفر به في ديوان منقول، من أهل الرسوخ في السنة والتمكين، عارف بربه، دال عليه، مرشد إليه، قدوة...".[5]

وقال فيه العلامة أحمد بن الحاج العياشي سكيرج: "كان من العلماء العاملين، والأولياء الكاملين، والعارفين الواصلين، والهادين المهتدين، والراشدين المرشدين، جعله الله من الذين جمع فيهم العلوم اللدنية واللطائف السنية، والكرامات الظاهرة، والمناقب الفاخرة، من خلفاء الشيخ أحمد التجاني- رضي الله عنه- الذين ربح على يدهم خلق كثير في الطريقة التجانية، وفتح بهم كنوز الأسرار والحقيقة، وكان- رضي الله عنه- متيما بحب الطريقة التجانية ذات المواهب العرفانية".[6]

مصنفاته:

لصاحب الترجمة- رضي الله عنه- تآليف عديدة، وتقاييد مقيدة، وقصائد تسحر الألباب، نذكر من مصنفاته:

-      بغية المستفيد لشرح منية المريد (ط: القاهرة، 1304/1886).

-      ختم صحيح البخاري، قيّده تلميذه أحمد بن محمد بن موسى السلوي (مخطوط 1746د).

-      جواب على سؤال أحد أهل سوس التجانيين في موضوع تخفيف المكث بين السجدتين وبين              الركوع والسجود (مخطوط خ.ع 2462د).

-      كناشة (مخطوط خ.ع 133.ج).

-      إفادات وإنشادات (مخطوط خ.ع).

-      ديوان شعر في الأمداح النبوية. كان بيد تلميذه العلامة عبد القادر لبريس الرباطي.

-      ديوان صغير في المناجاة والتوسلات، وفيه إخوانيات وسلطانيات وغزليات وفكاهات.[7]

ومن غرر شعره قصيدة مطلعها:

                     يا رحمة للعالمين وخير من

 

تجلى به عنا المصائب والكرب

وأخرى مرتبة على حروف الصحابي عمران بن حصين، مطلعها:

                   عودتني منك إحسانا وثقت به

 

وحاشا فضلك أن أراه ممنوعا

وأخرى مطلعها:

                   الله أكبر لا كبير سواه

 

جلت محامده وعزّ ثناه

وهي قصيدة أنشدها توسلا عند شبوب الحرب بين روسيا وتركيا، فانجلى الهم الذي أصاب المسلمين آنذاك بانتصار الأتراك، وكان قد انعزل في خلوته أسبوعين يدعو الله حتى استجيب له.[8]

وفاته

توفي أبو المواهب محمد العربي ابن السايح بالرباط منسلخ رجب عام 1309ھ-1892م، وضريحه برباط الفتح مقصود للزيارة من كل بلاد، وكل من حلّ بساحته نال غاية المراد، وكان ضريحه مسرحا لدروس دينية عالية حيث كان يلقي الشيخ أحمد بن المامون البلغيثي دروسا في صحيح مسلم، كما درّس الشيخ محمد المدني ابن الحسني القوانين الفقهية لابن جزي بين العشاءين.[9]

 الهوامش:

[1]- كشف الحجاب عمن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب، أحمد بن الحاج العياشي سكيرج، ط: 1381ھ-1961م، 4/ 24.

[2] معلمة المغرب، 14/ 4832.

[3] المصدر السابق، 14/ 4833.

[4] الموقع الرسمي للطريقة التجانية، http://www.tidjaniya.com، ملفات خاصة، pdf، ص: 2-3.

[5] معلمة المغرب، 14/ 4833.

[6] كشف الحجاب، أحمد بن الحاج العياشي سكيرج، 4/ 24.

[7] معلمة المغرب، 14/ 4833.

[8] المصدر السابق، 14/ 4833.

[9] نفسه، 14/ 4833.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

سيدي سعيد أويوسف الحنصالي

هو سعيد بن يوسف بن محمد بن لحسن الحنصالي الملقب بأبي عثمان، عاش خلال القرن السابع عشر، المصادر التاريخية لا تعطينا سنة ولادته.

هو من سلالة دادا سعيد أحنصال مؤسس الزاوية الحنصالية الأم الموجودة مقرها اليوم بزاوية أحنصال، يقول في هذا الإطار صاحب نشر المثاني في الترجمة له: "ومنهم الشيخ المرابط...

أبو العباس أحمد بن محمد أحزي (ت 1127هـ)

هو الشيخ الإمام العلامة أحمد بن محمد بن يعزى بن يوسف الجزولي التملي، نسبة إلى بلد بدرعة يدعى انتملت، أحُزي (بفتح الهمزة وضم الحاء المهملة وكسر الزاي) لقبا، المنصوري مولدا، الهشتوكي شُهرة، الدرعي دارا.

أحمد بن حمدان الجرجاني (ت 1092هـ)

   أحمد بن حمدان بن محمد بن علي بن سالم التلمساني الجرجاني، ينتمي إلى الأسرة الدلائية أسرة العلم والفضل والصلاح والولاية، التي أبعدت إلى تلمسان في مستهل عام 1082ه/1671م، إلى أن سمح لها السلطان المولى إسماعيل بالعودة إلى فاس سنة 1085هـ/1674م.