ببليوغرافيا الأبحاث

"التصوف الإسلامي في الدراسات الإسلامية في الغرب"

إعداد: مصطفى بوزغيبة

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة، وجدة.

ناقش الباحث حفيظ هروس أطروحة دكتوراه في موضوع: التصوف الإسلامي في الدراسات الإسلامية في الغرب، تحت إشراف الدكتور محمد عبد الواحد العسري يوم الثلاثاء 20 يناير 2015م بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي (المغرب). وقد تكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة:

الدكتور مصطفى حنفي رئيسا.

الدكتور عبد الواحد العسري مقررا.

الدكتورة مهدية أمنوح عضوا.

الدكتور سعيد مغناوي عضوا.

الدكتور صالح السنيدي عضوا.

الدكتور حسن عزرزي عضوا.

الدكتور مازن المطبقاني عضوا.

وبعد المناقشة والتداول، حصل الباحث على درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا.

تقرير الأطروحة:

بسم الله الرحمان الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: اتسمت العلاقةُ بين الإسلام والغربِ على امتداد قرون طويلة وآبادٍ مسترسلة بالتوتر والصراعات من جهة، وبالجهل بالآخرِ وسوء الفهم من جهة أخرى، وقد ازدادت هذه العلاقةُ توترا والتباسا في الوقت الحاضر على الجبهتين معا.

ولكن رغم ذلك فإن أحدا لا يمكنه أن ينكر بأنه على مرِّ هذا التاريخ الطويل من الصراعات وسوء الفهم قد حاول الكثير من الغربيين أن يؤسسوا معرفة عالمةً بالآخر المسلم من خلال تقعيد وتأثيل ما اصطلحتُ عليه في هذه الدراسة ب”الدراسات الإسلامية في الغرب” والتي ظهرت في أشكالٍ كثيرة لعل أبرزها هي الدراسات الاستشراقية الأكاديمية.

هذه الجهود لامست مختلف النشاطات الفكرية والجوانب العلمية في حياة المسلمين وتاريخهم، لهذا لم يكن التصوفُ الإسلامي –باعتباره مكونا أساسيا في الحضارة الإسلامية- بمنأى عن هذه الاهتمامات والجهود.
وإذا كانت العديدُ من الدراسات والبحوث التي تخصصت في دراسة وتفكيك الرؤى والمناهجِ التي حكمت الدراساتِ الإسلاميةَ في الغرب قد تناولت مختلف جوانب الفكر والإبداع في هذه الدراسات، فإن المقاربات التي اهتمت بالتصوف لم تنل بعد حظها من العناية والاهتمام، وهذا السببُ هو أول ما دفعني إلى أن أُوَلَّي في هذا البحث شطرَ هذا الجانب المغمور.

فإذا أضفنا إليه سببا آخر والمتمثل في دعوة العديد من الأصوات إلى الانفتاح على التصوف الإسلامي باعتباره القنطرةَ التي يمكن أن تشكلَ صلة الوصلِ بين الغربِ والشرقِ والتي تستطيع أن تقرِّبَ الشقةَ وترفعَ اللبس والإشكال، يصبح مشروعا بل ومطلوبا أيضا على جهة الندب والاستحباب أن نسائل المقاربات الغربية في هذا المجال لنتمكن من رصد المقاصد والأغراض الكامنة وراءها وسبر المناهج والأدوات المعرفية التي تسلحت بها إيمانا منا بأهمية المعرفة المتبادلة في بناء جسور التواصل والحوار بين الطرفين.
وليس قصد هذه الدراسة بأي حال من الأحوال أن تضع تراث الدراسات الإسلامية في الغرب موضع التبجيل والتقديس ولا أن تُبيِّت النية المسبقة بالإدانة والتبخيس، بل القصدُ والمرادُ هو تجريدُ النيةِ والعزمِ لدراسة وتفكيك المناهج والطرق التي تناولت بها هذه الدراساتُ التصوفَ الإسلامي: تاريخا وقضايا ورجال، بعيدا عن أي تحيز “دوغمائي” مضمر أو تواطؤٍ معرفي مسبق.

إشكالية البحث:

إن السؤال المركزي الذي حاولت هذه الدراسةُ المتواضعة قدر المستطاع أن تقدم إجابة مقنعة عنه هو: لماذا اهتم الغربيون –أقصد المهتمين بتراث الإسلام منهم- على مر تاريخهم الطويل في الاحتكاك بالإسلام بالتصوف الإسلامي وحاولوا الاطلاع على أدبياته وتفقُه تراثه ودراسةَ رجاله؟.
قد يقول قائل: إنه لا يعدو أن يكون جزءًا من الاهتمام العام الذي أبداه الغربيون بالحضارة الإسلامية والتي وقفت خلفها جملة من الأسباب التاريخية والعلمية مما أفاض الناس في الحديث عنه بحيث لم يعد هناك حاجة للمزيد من القول والتحليل.

لكنني أرى أن هذا الاعتراض قد يكون مبررا ووجيها من الناحية العلمية والبرجماتية إذا تعلق الأمر بدراسة الجوانب العلمية البحتة والفلسفية في الحضارة الإسلامية التي شكلت أحدَ العواملِ الرئيسة التي أسهمت بقوة في تشكيل أرضية خصبة لانبعاث الحضارة الغربية وسلوكها دروبَ التطور، كما أنه قد يبدو مفهوما الاهتمام بالحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين زمن الحروب والصراعات بقصد تحقيق المكاسب السياسية والاستعمارية.
لكنَّ الاهتمامَ بالجوانب الأدبية ومن ضمنها التراث الصوفي الإسلامي بَقيت دائما في منطقة الظل باعتبار أن المكاسبَ المادية وراءها ضئيلة، مما يدفعنا بقوة إلى طرح التساؤل الذي اعتبرناه الهمَّ المركزي لهذه الأطروحة وهو: لماذا اهتم الغربيون بدراسة التصوف الإسلامي واعتنوا برجاله وآدابه؟.
وعن هذا التساؤل المركزي تناسلت باقيةُ الأسئلة التي أطرت الكثير من العمليات الفكرية: الوصفية والتأريخية والتركيبية والتحليلية في هذه الدراسة، من قبيل:

ما هي أهم السياقات التاريخية والهموم الفكرية والظروف السياسية التي أطرت اهتمام الغربيين بالتصوف الإسلامي؟
كيف استطاع رواد الآداب الغربيين الكبار أن يستلهموا قيم التصوف الإسلامي ورؤاه الخلاقةِ في إبداعاتهم وتصوراتهم للكون والحياة؟

ما هي أهم المدارس الصوفية وأعلام المتصوفة الذين اهتمت بهم الدراسات الإسلامية في الغرب واحتفلت بمذاهبهم ورؤاهم الإنسانية؟

ما هي أهم المناهج العلمية التي توسل بها هؤلاء الغربيون في دراستهم للتصوف؟ وما مدى مصداقية النتائج المتمخضة عن تلك الدراسات في تقديم صورة حقيقية عن التصوف الإسلامي ونظريات المتصوفة المسلمين؟.
تلك هي بعض الأسئلة والهموم العلمية التي أقلقت صاحب هذه الدراسة وصاحبته على امتداد فصول هذا البحث المتواضع، وقد حاول قدرَ المستطاع أن يُقدم إجابات مقنعة عنها معترفا بالتقصير ومقرا بوجود الكثير من جوانب النقص التي تعتور أي عمل إنساني مهما حَرِصَ صاحبه على التماس الكمال.

أهمية البحث:

إذا كان من الضروري أن نتحدث عن أهمية هذا البحث مجاراة لعادات وتقاليد البحث الأكاديمي فإنني أعتقد أن أهميتَه تكمنُ فيما يلي:

أولا: بيانُ التأثيرات المهمة وأحيانا العميقة التي طبع بها التصوفُ الإسلامي الجوانبَ المختلفة للحضارة والدراسات الغربية: الدينية والفلسفية والأدبية. وإذا كنت قد مِلت إلى ترجيح القول بالتأثيرات العامة في العصور الوسطى فإن مما لا شك فيه أن التصوف قد تعاظمت تأثيراتُه في العصور الحديثة بعد أصبح بوابة مهمة لاهتداء العديد من الغربيين إلى الإسلام، وفَتَح آفاقا جديدة لاكتشاف جوانب مغمورة في الحضارة والتراث الإسلاميين. وهذا يَشرع الباب واسعا أمامه ليشكل جسرا حقيقيا يصل بين الإسلام والغرب لتخفيف وطأة خلافاتهما التاريخية وتحقيق المشترك الإنساني قدر المستطاع.

ثانيا: محاولةُ تحليلِ الخطاب الغربي وتفكيكِ مقارباته المتنوعة للتراث الصوفي وقضاياه، وإظهارِ مدى غنى هذه المقاربات، ومن ثمَّ إبرازِ المناهج العامة التي توسل بها هؤلاء الغربيون ومدى تعددها، انطلاقا من العصور الوسطى وانتهاء إلى رؤى ما بعد الاستشراق. وأول ما ينبغي الانتباه إليه خطل النظر إلى هذا الكم الهائل من الدراسات من زاوية بحث عقدية فقط ومن ثمَّ مصادرتُها جميعا بإصدار حكم واحد يجمعها كلَها في سلة واحدة هي العداء للإسلام وتراثه الفكري والحضاري، بل الأحرى بالصواب والأقربُ إلى العقل دراسةُ كل واحدة منها على حدة ومساءلةُ مناهجها وتفكيكُ أطروحاتها وفقا لسياقاتها التاريخية والمعرفية.

الصعوبات العلمية:

إن خوض غمار هذا البحث والإبحارَ في لجته قد اكتنفته صعوبات كثيرة وعقبات جمة، أجمل أهمها فيما يلي:
- أولى هذه الصعوبات تمثلت في شساعة الامتداد الزمني لحيز الدراسة، والتي امتدت من “العصور الوسطى” مع أبحاث كل من ريموندو مارتيني ورايموندو لوليو وصولا إلى دراسات مرحلة ما بعد الاستشراق1 مع كل من ارنست غلينّر وميشيل سودكيفتش، الشيء الذي تطلب مني ضرورة قراءة أبحاث كثيرة والاطلاع على مكتوبات متنوعة مما قد لا يتناسب والفترة الزمنية المخصصة لهذا البحث. ونظرا لهذه الصعوبة فقد هممت في فترات كثيرة أن أَعْدِل عن المشروع العام لهذا الدراسة واقتصر على بعض جوانبه فقط عن طريق تقييد البحث بحيز زمني معين أو حصره في فئة أو مجموعة دراسية محددة، لكن رغبتي الشديدةَ في محاولة تغطية الموضوع من كل جوانبه لكي تصبح زوايا نظرنا للموضوع أكثر سَعة وأحكامنا أقرب للصواب كان يشحذ عزمي ويشد من أزري رغم كل العقبات.
 -تمثلت العقبة الثانية في وجه هذا البحث في اتساع رقعة اللغات المكتوب بها دراساتُ الغربيين حول موضوع التصوف الإسلامي، ورغم كثرة وأهمية الدراسات والأبحاث التي تمت ترجمتها إلى اللغة العربية فإن أغلب هذه الدراسات لم تنله يد الترجمة بعد، الشيءَ الذي تطلب الرجوع إليها في لغاتها الأم. وقد حاولتُ جاهدا أن أتغلب على هذه الصعوبة معتمدا بعد الله على نفسي رغم بضاعتي المجزاة في الباب ومستعينا ببعض الأصدقاء المتخصصين في دراسة اللغات والترجمة وخصوصا ما كتب منها باللغة الإسبانية، فلهم خالص الشكر والدعاء.
-العقبة الثالثة تمثلت في صعوبة الوصول إلى المراجع الحديثة في هذا الميدان فمكتبات المدينة تكاد تخلو من هذا النوع من المراجع مما اضطرني إلى أن أشد الرحال مرارا إلى المكتبات الوطنية وخصوصا مكتبة ال سعود بمدينة الدار البيضاء التي تحفل بالمراجع الحديثة وبكل اللغات، ولا يسعني إلا أن أتقدم للقائمين عليها بخالص عبارات الشكر لما يبذلونه للطلبة والباحثين من التسهيلات.

خطة البحث:

عالجتُ قضايا هذا البحث من خلال خمسة فصول، يشتمل كل واحد منها على عدد من المباحث التي تضم بدورها عددا من المطالب.

الفصل الأول جعلته بمثابة المدخل التاريخي والمنهجي للبحث، حددت فيه السياجات العامة والصوى الهادية التي حكمت الخطوط العريضة للدراسة وجعلته في ثلاثة مباحث.

المبحث الأول عالجت فيه إشكالات العلاقة الملتبسة بين الإسلام والغرب، بداية بقراءة المفهوم “الإسلام والغرب” وما يطرحه من التباسات، مرورا بالسياقات التاريخية للعلاقة بين الجانبين، وانتهاء بأهم النظريات التي حاولت تفسير العلاقة المرتبكة بين الطرفين. أما المبحث الثاني فخصصته للدراسات الإسلامية في الغرب حيث بدأتُ بذكر أهم الضرورات الفنية والمنهجية التي دفعتني إلى اختيار مصطلح “الدراسات الإسلامية في الغرب” بدل مصطلح الاستشراق الشائع، ثم ثنَّيتُ بتحديد الموقف من هذه الدراسات وأنه ينبني أساسا على موقف المواجهة القائم على الاهتمام بالمقاربات والمناهج بدل الركون إلى موقف الإدانة المسبق أو الجنوح إلى موقف القبول المطلق، وختمت المبحث بالحديث عن أهم المراحل التاريخية التي مرت بها هذه الدراسات مع العناية الفائقة بربطها بموضوع البحث ليكون لهذا التأريخ فائدته المنهجية. أما المبحث الثالث فتعرضت فيه لأهم الدراسات التي حاولت أن تهتم بتفكيك الدراسات الغربية التي عالجت موضوع التصوف الإسلامي مع إبداء الملاحظات التي رأيت أنها مناسبة للمقام.

الفصل الثاني جعلته خاصا بحضور التصوف الإسلامي في الكتابات الغربية المبكرة، وقد لامست الموضوع من خلال معالجة قضيتين اثنتين: المبحث الأول تناولت فيه قضية المجادلات المسيحية الوسيطية للإسلام وكيف أنها عملت على توظيف التراث الصوفي في سبيل تحقيق المنافحة عن المسيحية وذلك من خلال أنموذجين بارزين في الباب هما الراهبان ريموندو مارتيني ورايموندو لوليو، حيث ركزت بالدرجة الأولى على الأخير منهما نظرا لامتلاكه مشروعا متكاملا مع وجود مؤشرات عديدة على استفادته من الأدبيات الصوفية في مشروعه. المبحث الثاني عالجت فيه قضية استلهام الآداب الصوفية وكيف برزت في الابداعات الغربية الوسيطية من خلال استحضار أنموذج الأديب الإيطالي الكبير دانتي أليجيري وتأثُّره بكتابات محي الدين بن عربي المرسي وذلك من خلال مناقشة أطروحتين في الباب هما أطروحتا السيدين خوليان ربيرا وأسين بلاسيوس.

الفصل الثالث توجهت فيه إلى محاولة استقصاء جهود الدراسات الإسلامية الغربية في خدمة التراث الصوفي سواء من حيث النشر والتحقيق أو من حيث الترجمة، وقد قسمته إلى مبحثين: المبحث الأول جعلته عبارة عن قائمة بيبليوغرافية بأهم ما نشره وحققه وترجمه الغربيون من الكتب والرسائل الصوفية منذ الولادة الحديثة للدراسات الإسلامية بالغرب إلى يومنا هذا. ورغم أني لم أستوعب في هذه القائمة كل ما قام به الغربيون من الجهود فإن القائمة اشتملت على أكثر من مائة عمل ما بين نشر وتحقيق وترجمة، وأحالت على أكثر من خمسين دارسا ومتخصصا في مجالات وحقول الدراسات الصوفية. المبحث الثاني حاولت من خلاله أن أسجل أهم الملاحظات العامة التي أثارت انتباهي، وأن أدرس المنهج العام الذي ارتضاه هؤلاء الدارسون في أعمالهم.
الفصل الرابع حاولت فيه تدقيق النظر في معالجة التصوف الإسلامي من خلال الرؤية الاستشراقية بالطريقة التي تبلورت فيها منذ “ميلاد الاستشراق” إلى الوقت الذي أصبحت فيه هذه المنظورات القائمة على التحليلات الفيلولوجية والتاريخية تعيش أزمتها بفعل موجات النقد الشديدة التي تعرضت لها، ونظرا لأهمية هذا الفصل فقد جعلته في أربعة مباحث منفصلة.

المبحث الأول خصصته لتفكيك الأطروحات الاستشراقية الخاصة بنشأة التصوف الإسلامي ومصادره، وناقشت الموضوع من جانبين: الجانب الأول تناولت فيه بمبضع التحليل الدراسات الاستشراقية العامة التي تناولت مسألة مصادر التصوف الإسلامي بالتحليل، والجانب الثاني بحثت فيه أراء المتخصصين في التصوف مستعرضا نماذج ثلاث هم: رينولد ألن نيكولسون ولويس ماسينون وأنماري شيمل.

أما المبحث الثاني فركزت فيه على دراسة وتحليل أطروحة السيد أسين بلاسيوس بخصوص تصوف محي الدين بن عربي وذلك في مطلبين اثنين هما: المطلب الأول استعرضت فيه عمل الرجل الذي حاول ما أمكن أن يثبت الصلة الوثقى بين مذهب ابن عربي في التصوف وبين الرهبنة المسيحية المشرقية، والمطلب الثاني قمت فيه بتعرية منهج التأثر والتأثير الذي توسل به السيد بلاسيوس في دراساته وأبحاثه.

المبحث الثالث تناولت فيه قراءة الأستاذ لويس ماسينيون لتراث الحلاج الصوفي من خلال مطلبين كذلك: مطلب أول خاص بمعالم تصوف الحلاج عند السيد ماسينيون، ومطلب ثان قمتُ فيه بدراسة المنهج الاستباطني الذي اعتمده صاحبنا في عمله.

المبحث الرابع والأخير في هذا الفصل رصدت فيه أطروحة المستشرقة الألمانية أنماري شيمل بخصوص نظرية الحب الإلهي عند جلال الدين الرومي وذلك من خلال مطلبين: الأول ركزت فيه على استنباط معالم هذه النظرية من خلال كتابات السيدة شيمل، والثاني درست فيه مقومات المنهج الوصفي الذي ارتضته باحثتنا في دراساتها لمكتوبات وآثار مولانا جلال الدين.

الفصل الخامس حاولت أن أدرس فيه بعض المدارس والاتجاهات التحليلية للتصوف الإسلامي في الغرب التي حاولت تجاوز سقطات المقاربات الاستشراقية، وقد تناولت أنموذجين اثنين:
المبحث الأول خصصته للدراسات الأنتروبولوجية التي حاولت دراسة التصوف الإسلامي على ضوء المعاينة المباشرة والدراسات الحقلية الميدانية، والأنموذج الذي قمت بتحليله هو أطروحة السيد ارنست غيلنّر الخاصة بالأدوار التي يمارسها الأولياء والصلحاء بالأطلس المتوسط في المغرب، وذلك من جهتين: الجهة الأولى إبراز المعالم النظرية لأطروحة الرجل، الجهة الثانية دراسة الاعتراضات التي أثارها خصوم نظريته.
المبحث الثاني انفتحت فيه على طريقة أخرى في دراسة التصوف الإسلامي والتي تتأسس على التعاطف الكامل مع موضوع البحث والانخراط الواعي في تقديم ما يعتقد أصحابه أنه الوجه الحقيقي للتصوف من خلال خوض غمار التجربة الصوفية ذاتها، وأنموذج هذه المقاربة هو السيد ميشيل سودكيفيتش أحد المهتدين إلى الإسلام من بوابة التصوف، وقد عالجتُ أطروحته الخاصة بنظرية الولاية عند الشيخ الأكبر في مطلبين: المطلب الأول اجتهدت فيه في استنباط معالم هذه النظرية من خلال كتابات السيد سودكيفيتش، والمطلب الثاني قمتُ فيه بقراءة المنهج التبسيطي Vulgarisation الذي ركن إليه الرجل في تحليله لتراث الشيخ محي الدين.
وأخيرا الخاتمة التي ضمنتُها أهم الخلاصات والاستنتاجات التي رسى عليها البحث.

النتائج والخلاصات:

لقد سلطنا الضوء في هذا البحث على مختلف المدارس ومعظم المناهج في الدراسات الإسلامية في الغرب التي اهتمت بدراسة التصوف الإسلامي وعملت على قراءة أدبياته المتنوعة وتحليل شخصياته المؤثرة: مذهبا وسلوكا، وتفكيك قضاياه العويصة ومشكلاته الفلسفية، ومن خلال هذا التتبع الدقيق لهذه الدراسات التي زواجنا في منهج تفحصها بين السرد التاريخي والتحليل الموضوعاتي القائم على تسليط الضوء على موضوع محدد ودراسته، قلت من خلال هذا التتبع أمكننا أن نصل إلى النتائج التالية:

أولا:مهما اختلفنا مع هذه الدراسات في بحثنا المتواضع هذا وأعملنا في جسدها مبضع التحليل والنقد للكشف عن الحقائق الثاوية فيها والعور الذي ابتليت به مناهجها انطلاقا من موقف المجابهة الذي انحزنا إليه والمبني أساسا على التبصر والتعقل لهذه الدراسات بعيدا عن القبول المطلق لنتائجها أو الإدانة المبدئية لها، قلت مهما اختلفنا مع هذه الدراسات في الرؤى والمناهج فإنه لا يسعنا إلا أن نقر بفضلها على دراسات التصوف الإسلامي من حيث الخدمات الجُلَّى التي قدمتها لتراثه، وقد استعرضنا جملة من هذه الخدمات في هذه الدراسة منها:
-التنقيب على مصادر التصوف وأمهات كتبه والعمل على نشرها وتحقيقها وترجمتها الشيء الذي وفر قاعدة بيانية عريضة لدارسي تاريخ التصوف الإسلامي وتطوراته الداخلية وسياقاته المختلفة وأدواره الاجتماعية والسياسية مما لم يكن متاحا قبل ذلك.

-دراسة قضايا التصوف الإسلامي والتعريف برجاله ومذهباهم، حيث أنفق العديد من الدراسيين الغربيين أثمن أوقاتهم وقضوا جل حياتهم في الكشف عن رجال طمرهم التاريخ وأقصتهم الذاكرة الجماعية الغالبة، فتم إعادة الاعتبار لهم على ضوء هذه الدراسات الحديثة.

-كشف النقاب عن الآثار المحتملة التي قد يكون التصوف الإسلامي طبع بها الكتابات الغربية وآدابها منذ “العصور الوسطى”، فقد تحمس العديد من الدارسين الغربيين لإثبات هذه الآثار وتكلفوا في سبيل ذلك وبالغوا أحيانا لحاجات مقصودة، وقد حاولت الاحتراس من المبالغة في القول بهذه التأثيرات المطلقة والتفصيلية وملت إلى ترجيح القول بالتأثيرات العامة2 .
ثانيا:اعترافنا بالخدمات التي قدمتها الدراسات الإسلامية في الغرب للتصوف الإسلامي لا يعني القبولَ التامَ بالمناهج التي توسلت بها أو التسليمَ المطلقَ بالنتائج التي آلت عموم هذه الأبحاث إليها، فقد اتضح جليا في كل مبحث من مباحث هذه الدراسة أن ثمة حقائق ثاوية في هذه الدراسات لم تستطع الفكاك منها وإن بدت متوارية خلف غابة كثيفة من المشاغل والهموم الفكرية والقلق الديني والفلسفي.

إن السؤال المركزي الذي حاولت هذه الدراسة المتواضعة أن تسلط عليه الضوء هو: لماذا اهتم الغربيون بدراسة التصوف الإسلامي؟، وهو سؤال موجِّه باعتبار البحث عن الحقيقة وليس حاجزا أمام الاشتغال الموضوعي على القراءات الغربية للتصوف الإسلامي كما أنه لا يستند بأي حال من الأحوال إلى المساءلات العقدية المبدئية.
وقد قادنا هذا التساؤل وما تناسل عنه من إشكالات عَرَضية إلى اكتشاف التماهي التام الذي حافظت عليه هذه الدراسات مع السياقات التاريخية والحاجيات المجتمعية التي عبَّرت عنها مختلف الدراسات التي اشتغلت على موضوع التصوف وإن اختلفت من حيث المنطلقات والمناهج والرؤى، وهذا ما اصطلحت عليه في مواضع كثيرة من هذه الدراسة بالقصدية.

وأعني بالقصدية في هذا البحث أمورا متداخلة ومترابطة تشكل لحمة هذا المفهوم وسداه، ولا أقصد البتة المعنى التبسيطي الذي يختزل المسألة برمتها في أهداف استعمارية تنصيرية بحتة، فالأمر أعقد من ذلك ويتشابك فيه مستويات من البحث والتحليل كما سيتضح لنا، والأمور التي أعنيها عند إطلاق هذا النعت هي:
-عدم قدرة المشتغلين بالتصوف الإسلامي في الدراسات الغربية على التحرر والانعتاق من أسر المسلمات الدينية والفكرية المغلوطة التي طبعت هذه الدراسات وبُنيت بشكل لا يقبل الشك عبر قرون مديدة، وعلى رأس هذه “المسلمات” التمييز الحاد والفصل التام بين المسيحية والإسلام على أساس أن الدين الأول روحي في أصله ومبناه بينما الثاني مجدب مقفر من هذه الناحية، وأن التصوف الإسلامي إنما يرجع في بناء ذاته وتكوينها إلى الأصول المسيحية التي اقتبس منها أسسه العامة.

وأوضح ما يظهر هذا الطرح في كتابات السيد أسين بلاسيوس الذي وإن كان يقر باستفادة الروحانية الغربية من التصوف الإسلامي فإنه يعتبر ذلك مجرد استرداد للنصرانية الثاوية فيه.

-التماهي مع الحاجات المجتمعية والمتطلبات الدينية والسياسية التي أرَّقت الغرب في فترات تاريخية معينة، ولهذا التماهي صور وأشكال مختلفة برزت أولا في الحاجة إلى الدفاع عن النصرانية وترميم حصونها الداخلية ضد الأخطار والتحديات التي رفعها الإسلام في وجهها، فظهرت المساجلات والمنافحات الدينية التي استندت إلى التراث الصوفي وأدبياته قصد بناء نسقها الحجاجي، ثم أطلت برأسها ثانية في الأبحاث المَسْحية الأولى للحركات الصوفية التي قام بها موظفو الحماية والإدارات الاستعمارية، كما أنها برزت كذلك في الأبحاث الروحية الغربية التي جاءت نتيجة هيمنة القيم المادية والفكر العقلاني وشيوع الفردانية بحيث كانت بمثابة “المرآة التصحيحة”3 التي عالج من خلالها الغرب علاته.

-تحقيق حاجات شخصية من خلال وصف شيء مغاير للذات بواسطة تضمين السيرة الذاتية في البحوث والدراسات المتعلقة بالتصوف الإسلامي، وأظهر ما يكون ذلك عند لويس ماسينيون الذي تماهت حياته واقتناعاته بشكل كبير مع حياة الصوفي الكبير الحسين بن منصور الحلاج.

كل هذا ينقض دعوى “الفضول المعرفي” عند الغرب من أساسه والذي اعتبره السيد برنارد لويس العامل الأهم في تطور الدراسات حول الإسلام في “العصور الوسطى” والذي يظل في نظره “فريدا من نوعه في التاريخ البشري”4 ، لكن الحقائق التي أثبتُها من خلال الدراسة المتأنية لمجموع المقاربات الغربية لموضوع التصوف أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أنها كانت محكومة بأغراض قصدية واضحة.

لكن الأكيد أيضا أن بعض هذه الدراسات استطاعت الانفكاك من قبضة “القصدية” والتعالي عنها، وظهر ذلك سواء في المجهودات الكبيرة لخدمة التراث الصوفي بعيدا عن النيات الاستعمارية، فالدراسات الألمانية قدمت جهودا مثمرة رغم أنه لم تكن للدولة مجالات كولونيالية تعبر عنها هذه الدراسات، وبرزت أيضا في الدراسات ما بعد الاستشراق التي حاولت التخلص من ركام التقاليد البحثية الاستشراقية.

ثالثا: فرَض الشيخ محي الدين بن عربي نفسه بقوة على الدراسات الغربية سواء في “العصور الوسطى” أو في العصور الحديثة، وذلك رغم البرود الشديد الذي قوبلت به كتاباته في البدايات الأولى لهذه الدراسات بعد الميلاد الرسمي لها بفعل الانصراف التام إلى الجمالية الشعرية التي كانت تتماهى مع الرومانسية التي كانت غالبة على الغرب أنذاك أو بفعل التعتيم الذي تعرض له من قِبل بعض الباحثين الذين استشكلوا نظرياته، لكن تراثه لقي رواجا كبيرا بعد ذلك بفعل التفاف نخبة من المفكرين الغربيين ممن اهتدوا إلى الإسلام على نشر ودراسة كتبه ومصنفاته الشيء الذي وسمه السيد ميشيل سودكيفيتش “بالنهضة الأكبرية” التي حققتها هذه المدرسة ابتداء من رينيه غينون.

وإن كان لي في الأخير أن أتحدث عن الاسهام العلمي الذي قدمه هذا البحث المتواضع إلى جانب هذا الركام الواسع من الدراسات والبحوث التي اشتغلت على تفكيك المقاربات الغربية للإسلام: تراثا وحضارة وكذا المقولات التي حكمتها، فإني أقول بكل تواضع أنه التفت إلى بحث حقل بكر لم تستوفِهِ الدراسات بعد بالتحليل والدرس، وحاول أن يستوعب معظم المراحل التاريخية التي مرت بها هذه الدراسات ومسح مختلف الجهود التي بذلت لخدمة تراثه وكشف عن أغلب المناهج التي تمَّ بها مقاربة موضوعات التصوف ورجاله وأشار إلى أهم المدارس في الباب.
ولا شك أن البحث قد شابته ثغرات تحتاج إلى سد واعتورته فتقات تحتاج إلى رتق، خصوصا وأن ثمة اتساع كبير في الدراسات الغربية المنجزة حول التصوف الإسلامي في الغرب الشيء لم يُتَح لصاحب هذه الدراسة الوقوف عليها ودراستها مما يتطلب مزيدا من الجهود لتسليط الضوء عليها بحثا عن مد جسور جديدة من التواصل والتفاهم بين الغرب والشرق بحيث يمكن أن يكون إحدى جسوره الأساس هو التصوف الإسلامي في صورته الحقيقية، وذلك في زمان أصبح الصراع هو سيد الميدان.

وفي ختام هذا البحث المتواضع لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر والعرفان إلى أستاذي العزيز السيد محمد عبد الواحد العسري الذي قَبِل الإشراف على هذه الدراسة برحابة صدر وكانت له الأيادي البيضاء على صاحب هذا البحث ليتمكن من إنجاز عمله. وأقر بالعرفان لوالدي العزيزين وأسرتي الصغيرة الذين كان لهم فضل التشجيع والصبر.كما أتوجه أيضا إلى كل من ساهم في هذا البحث من قريب أو بعيد بخالص الشكر والدعاء.
فإن أصبت في شيء في عملي هذا فبتوفيق من الله تعالى وسداده وإن أسأت فمن ضعفي وتقصيري، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الهوامش:

(1) لقد أوضحت في الفصل الأخير من هذه الدراسة ماذا أقصد بهذا الاصطلاح.

(2) من صور المبالغات غير المحمودة التي كشف عنها السيد ميشيل سودكيفيتش ما قاله إدريس شاه بخصوص تأثير ابن عربي على تييري دو شارتر Thierry de Chartres مع العلم أن هذا الأخير توفي قبل ولادة ابن عربي بأكثر من عشر سنوات، توفي تييري سنة 1150م وولد ابن عربي حوالي سنة 1165م.

Michel Chodkiewicz, La réception du soufisme par l’Occident: conjectures et certitudes. p.136.

(3) استعمل هذا المصطلح جي.جي. كلارك في كتابه التنوير الآتي من الشرق ص52.

(4) مجموعة مؤلفين، الاستشراق بين دعاته ومعارضيه. ص132.

 

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقرير حول مناقشة أطروحة: "بلاغة الخطاب الشعري في التائيات الصوفية: دراسة الظواهر والقضايا"

    نوقشت برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة سيدي محمد بن عبد الله  ظهر المهراز-فاس، أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه بعنوان: "بلاغة الخطاب الشعري في التائيات الصوفية: دراسة الظواهر والقضايا: تائيا ابن الفارض ومحمد الحراق نموذجان"، أعدها الطالب عبد الفتاح الإدريسي البوزيدي، وذلك يوم الثلاثاء 25 أبريل 2017 أمام لجنة علمية مكونة...

تقرير حول مناقشة أطروحة "ملامح الدرس العقدي عند صوفية الغرب الإسلامي: الشيخ أحمد زروق نموذجا"

تقرير حول مناقشة أطروحة "ملامح الدرس العقدي عند صوفية الغرب الإسلامي: الشيخ  أحمد زروق نموذجا"

نوقشت صبيحة يوم الثلاثاء 31 يناير 2017 أطروحة دكتوراه في موضوع: ملامح الدرس العقدي عند صوفية الغرب الإسلامي: الشيخ  أحمد زروق نموذجا"، والتي أعدها الطالب الباحث: هشام الحليمي تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد التمسماني، والأستاذ الدكتور محمد  الروكي ، وقد تكونت  لجنة المناقشة...

تقرير عن مناقشة دكتوراه بعنوان: شرح أبي مدين الفاسي (ت 1181هـ) لرائية الشريشي

   نوقشت برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة سيدي محمد بن عبد الله  ظهر المهراز-فاس ، أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه بعنوان: شرح أبي مدين الفاسي (ت 1181هـ) لرائية الشريشي المسماة: "أنوار السرائر وسرائر الأنوار" تحقيق ودراسة.