مقامات وأحوال

القناعة

دة. ربيعة سحنون                                              

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة، وجدة                                                                     

عُنوان الغِنى، وكنز لا يفنى، وثوب لا يبلى، بلغ بها العارفون لله عز وجل الدرجات العلى، والمقامات الأسنى، عرفوا ربهم فقنعوا به عن سواه، واقتربوا منه فأغناهم عمن سواه، ما تحلّى بها أحد إلا زادته يقينا واطمئنانا وسرورا وراحة بال، وصار أغنى الناس، وما دخل الطمع والحرص قلبا إلا أفسداه، وصرفاه عن الطريق السوي المُوصّل لرب العزة جل وعلا، فأصبح أفقر المخلوقات.

فالقانع بالكفاف أسعد حياة، وأرخى بالا، وأكثر دعة واستقرارا من الحريص المتفاني في سبيل أطماعه وحرصه، والذي لا ينفك عن القلق والمتاعب والهموم.

قيل للجنيد: ما القناعة؟ قال: "ألاّ تتجاوز إرادتك ما هو لك في وقتك".[1] 

من أجل ذلك كان القانع أغنى الناس، لأن حقيقة الغنى هي عدم الحاجة إلى العباد، والاكتفاء بما رزقه الله تعالى، لا يحتاج ولا يسأل أحدا سواه، ولا يتطلع إلى ما عند الله عز وجل من رزق، ليقينه وإيمانه بأنه تعالى كاتبه وقاضيه ومقرره، ولا يحسد الناس على ما في أيديهم مما قسّمه الله تبارك وتعالى لهم.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيمانا ويقينا، وأقواهم ثقة بالله تعالى، وأصلحهم قلبا، وأكثرهم قناعة ورضاً بالقليل، وأنداهم يدا، وأسخاهم نفسا، وكان الرجل يُسلِمُ من أجل عطائه صلى الله عليه وسلم، ثم يحسن إسلامه، قال صفوان بن أمية: "لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي".[2]  

وقال أنس:"ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه. قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا. فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة".[3]

وربّى النبي صلى الله عليه وسلم أهله على القناعة، بعد أن اختار أزواجه البقاء معه، والصبر على القلة والزهد في الدنيا، حينما خيرهن بين الإمساك على ذلك أو الفراق، والتمتع بالدنيا، ولم يكن هذا المسلك من القناعة إلا اختيارا منه صلى الله عليه وسلم وزهدا في الدنيا، وإيثارا للآخرة، كما قال عز وجل: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾.[4]

وسار على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام، والتابعون لهم بإحسان من العلماء والصالحين والعارفين بالله عز وجل والصوفية، ممن عاشوا على القناعة والكفاف والتعفف والزهد في الدنيا، فأمدّهم ذلك بيقظة روحية، وبصيرة نافذة، حفّزتهم على التأهب للآخرة بالأعمال الصالحة، فامتلأت قلوبهم إيمانا ويقينا وثقة بالله عز وجل، لأن من قنع برزقه فإنما هو مؤمن ومتيقن بأن الله تعالى قد ضمن أرزاق العباد وقسمها بينهم.[5]

قيل لأبي يزيد البسطامي: بماذا وصلت إلى ما وصلت؟ فقال: "جمعتُ أسباب الدنيا فربطتُها بحبل القناعة، ووضعتُها في منجنيق الصدق، ورميتُ بها في بحر اليأس فاسترحت".[6]

وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك، ثم نقر بيده، فقال: عُجِّلت منيته، قلّت بواكيه، قلّ تراثه).[7]

فمن رغب في هذه المنزلة، فعليه بالقناعة مع حسن العبادة، والكفاف مع الطاعة والصبر، إخلاصا لله عز وجل، وطمعا في ثوابه تعالى، لأن من قنع وزهد في الدنيا وطلب الآخرة "تجيئه الصحة، يجيئه الملك والسلطنة والإمارة، تجيئه تُصيِّر ذرته جبلا، قطرته بحرا، كوكبه قمرا، قليله كثيرا، محوه وجودا، فناؤه بقاءً، تحرُكه ثباتا، تعلو شجرته وتشمخ إلى العرش، وأصلها إلى الثرى.. تصير الدنيا عنده كحلقة الخاتم، لا دنيا تملكه، ولا أخرى تُقيِّده...".[8]

ومن حقّق خُلُق القناعة فقد كمُل إيمانه وإسلامه، وعزفت نفسه عن حطام الدنيا، رغبة فيما عند الله تعالى، فيحبه جل وعلا جزاء شكره للمنعم عليه، ومعرفته لحكمة الله سبحانه وتعالى في تفاوت الأرزاق والمراتب.

غير أن التزام القناعة عسير على الإنسان، إلا من وفقه الله تعالى للهدى، وكفاه شر نفسه وشحها وطمعها، لأن بني آدم مفطورون على حب التملك، لكن مجاهدة النفس مطلوبة لتخفيف طمعها، وتقريبها من الزهد والقناعة والعفاف والكفاف والغنى عن الناس، ولن يتم ذلك إلا بالسير في طريق التصوف، والتدرج في مقاماته، والاقتداء بأهله الذين روّضوا نفوسهم على الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، وقنعوا بالقليل اليسير، دون طمع فيما عند الغير.

الهوامش

 

[1] سعاد الحكيم: تاج العارفين، ص:192 .

[2] النووي: شرح صحيح مسلم،  كتاب الفضائل،  باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال: لا، رقم  2313.

[3] المصدر السابق ، رقم 2312.

[4] الأحزاب، آية 28-29  .

[5] ينظر: أخبار الصوفية والزهاد من تاريخ بغداد، جمعته وحققته: بلسم بصري عزت، راجعه: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 2004م.

[6] القشيري: الرسالة القشيرية، ص: 162.

[7] الترمذي: السنن، كتاب الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه، رقم 2347،  وابن ماجة: السنن، كتاب الزهد ، باب من لا يؤبه له، رقم 4117.

[8] عبد القادر الجيلاني (470-561هـ): الفتح الرباني والفيض الرحماني، اعتنى به وحققه: أبو سهل نجاح عوض صيام، المقطم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، د.ط، د.ت، ص: 39.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد مقامات وأحوال

جديد مقامات وأحوال

القرب         الصدق       الإيمان      الرجاء

المعرفة       الصبر        الأنس         الغفلة

الشكر         الذكر        الحياء         الخوف

الإخلاص      التوبة        التواضع

اليقين         الفتوة       المروءة

الرجاء والاستبشار

جاء في لسان العرب: "الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجَحْد، تقول ما رجوتك أي ما خفتك، ولا تقول رجوتك في معنى خفتك؛ وأنشد أبو دؤيب:

إذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها **** وخالفها في بيت نوب عواسل".

الخوف والانكسار

    ورد لفظ الخوف في القرآن في نحو خمسة وستين موضعاً، وجاء بصيغ مختلفة؛ فمرة يرد بصيغة الاسم كقوله تعالى: ﴿فمن تبع هداي فلا خوف عليهم﴾ ومرة يرد بصيغة فعل أمر كقوله تعالى: ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾  كما يأتي بصيغة الفعل المضارع  كقوله تعالى: ﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾ وقد يرد هذا اللفظ مضادا للأمن في مثل قوله سبحانه: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾.