سلوك وأخلاق

من أدعية الجنيد رضي الله عنه

دة. ربيعة سحنون

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بوجدة.

     أهل الله تعالى وخاصته عرفوا الحق سبحانه وتعالى فدعوه موقنين بإجابته، وناجوه وهم يشعرون بقربه، ويجدون للمناجاة لذة، وللدعاء روعة، يدعونه سبحانه وتعالى اعترافا بفضله وجوده وكرمه، ويناجونه خاشعين خاضعين له سبحانه، متذللين متقربين متوسلين ضارعين، باسطين حوائجهم لديه سبحانه وتعالى، غير شاكين ولا مبدلين ولا مغيرين، منتهى أملهم وغاية مطلبهم التلذذ بمناجاته جل في علاه، وإحساسهم بالقرب والمعية...

     يقول الإمام الجنيد رضوان الله عليه في أحد أشهر أدعيته: "اللهم إني أسألك يا خير السامعين، وبجودك ومجدك يا أكرم الأكرمين، وبكرمك وفضلك يا أسمح السامحين، وبإحسانك ورأفتك يا خير المعطين.

     أسألك سؤال خاضع، خاشع، متذلل، متواضع، ضارع، اشتدت إليك فاقتُه، وأنزل بك على قدر الضرورة حاجتَه، وعظُمتْ فيما عندك رغبتُه، وعلم أن لا يكون شيء إلا بمشيئتك، ولا يشفع شافع إليك إلا من بعد إذنك، فكم من قبيح قد سترته، وكم من بلاء قد صرفته، وكم من عثرة قد أقلتها، وكم من زلة قد سَهَلْتَ بها، وكم من مكروه قد رفعته، وكم من ثناء قد نشرته.

    أسألك يا سامع أصوات المستغيثين، وعالم خفي إضمار الصامتين، ومطلع من الخلوات على أفعال المتحركين، وناظر إلى ما دق وجل من آثار الساعين.

    أسألك أن لا تحجب –بسوء فعلي- عنك صوتي، ولا تفضحني –بخفي ما اطلعت عليه من سري، ولا تعاجلني العقوبة على ما علمتَه من خلواتي، وكن بي في كل الأحوال رافقا، وعلي في كل الأحوال عاطفا.

    إلهي وسيدي وسندي أنا بك عائذ، لائذ، مستغيث، مستجير، من تكاثف مخاوف علل سرّي ومن لزوم ذلك ضميري وقلبي، حتى يكاد ذلك أن يملأ صدري، ويوقف على الانبساط إلى ذكرك عقلي ولساني، ويمنع من الحركة في الخدمة جسمي، فأنا في حبس ما يعارضني من ذلك من النقص والتقصير.

   أسألك أن تخرج ذلك عن ذكري، وتمنعه من قلبي، واجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة، وبخدمتك وعبادتك موصولة، حتى يكون الورود ورودا واحدا، والحال حالا واحدا لا سآمة فيه، ولا فتور، ولا ملل، ولا تقصير، حتى أسرع به إليك في حين المبادرة، وأسرح بذلك إليك في ميادين المسابقة، وارزقني من طعم ذلك اللذائذ السبعة يا أكرم الأكرمين.[1]

وفي دعاء آخر يقول رضي الله عنه: "إلهي وسيدي ومولاي من أحسن منك حكما لمن أيقن بك؟ ومن أوسع منك رحمة لمن اتقاك وقصدك؟ ومن أسرع منك عطفا ورأفة لمن أرادك وأقبل على طاعتك؟ فكلهم في نعمائك يتقلبون، ولك بفضلك عليهم يعبدون، سرت همومهم بك إليك، وانفردت إرادتهم لديك، وأقبلت قلوبهم بك عليك، وفنيت حظوظهم من دونك واجتعت لك وحدك، فهم إليك في الليل والنهار متوجهون، وعليك في كل الأحوال مقبلون، ولك على الأحوال مؤثرون، فأنا أسألك إلهي وسيدي ومولاي أن تكون لي بفضلك كالئا كافيا عاصما راحما، فإني إليك لاح، وبك مستغيث، وإليك راغب، ومنك راهب، وعليك في أمور الدنيا والآخرة متوكل، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.[2]

وفي حلية الأولياء: "سمعت علي بن هارون بن محمد يقول: سمعت الجنيد بن محمد يدعو بهذا الدعاء فجاءه رجل فشكا إليه الضيق فعلمه وقال قل: اللهم إني أسألك منك ما هو لك، وأستعيذك من كل أمر يسخطك. اللهم إني أسألك من صفاء الصفاء، صفاء أنال به منك شرف العطاء. اللهم ولا تشغلني شغل من شغله عنك ما أراد منك إلا أن يكون لك. اللهم اجعلني ممن يذكرك ذكر من لا يريد بذاكره منك إلا ما هو لك. اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما أطلبه منك، اللهم املأ قلبي بك فرحا، ولساني لك ذكرا، وجوارحي فيما يرضيك شغلا، اللهم امح عن قلبي كل ذكر إلا ذكرك، وكل حب إلا حبك، وكل ود إلا ودك، وكل إجلال إلا إجلالك، وكل تعظيم إلا تعظيمك، وكل رجاء إلا لك، وكل خوف إلا منك، وكل رغبة إلا إليك، وكل رهبة إلا لك، وكل سؤال إلا منك.

اللهم اجعلني ممن لك يعطي ولك يمنع، وبك يستعين وإليك يلجأ، وبك يتعزز ولك يصبر، وبحكمك يرضى. اللهم اجعلني ممن يقصد إليك قصد من لا رجوع له إلا إليك، اللهم اجعل رضائي بحكمك فيما ابتليتني في كل وقت متصلا غير منفصل، واجعل صبري لك على طاعتك صبر من ليس له عن الصبر صبر إلا القيام بالصبر، واجعل تصبري عما يسخطك فيما نهيتني عنه تصبر من استغنى عن الصبر بقوة العصمة منك له، اللهم واجعلني ممن يستعين بك استعانة من استغنى بقوتك عن جميع خلقك، اللهم واجعلني ممن يلجأ إليك لجأ من لا ملجأ له إلا إليك، واجعلني ممن يتعزى بعزائك ويصبر لقضائك أبدا ما أبقيتني.

 اللهم وكل سؤال سألته فعن أمر منك لي بالسؤال، فاجعل سؤالي لك سؤال محابّك، ولا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ بل يسأل القيام بواجب حقك.[3]

 


[1] اللمع، أبو نصر السراج الطوسي (ت378هـ)، تحقيق: عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، د.ط، 1423هـ/2002م، ص ص:  329-330.

[2] المصدر السابق، ص: 333.

[3] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني الشافعي (ت430هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 2007م، 10/300.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

ماذا قال الجنيد عن العلم؟

العلم بالله تعالى مذهب الصوفية الكرام، أخذوه عن مشايخهم، وعملوا بما علموا، فورّثهم الله عز وجل العلم به سبحانه، وعرفوه حق المعرفة، وما بلغوا تلك المراتب إلا بالمراقبة والمحاسبة والمجاهدة، فأشرقت عليهم أنواره، وبانت عليهم أسرارهم، لأنهم ضبطوه بميزان الشرع الحكيم، فكان لهم لا عليهم. 

من وصايا الإمام الجنيد لمريديه

دعا سيد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه إلى الشريعة الإسلامية الغراء، التي قوامها العدل والرحمة، وأساسها اتخاذ القدوة والاقتداء بالرسل والأنبياء، وبالصحابة والتابعين، وتابعيهم إلى يوم الجزاء والدين، اعتبارا بقصصهم واقتداء بها، في الثبات على الحق، والصبر على الأذى، ومواجهة الصعاب والأزمات، فالقدوة إذن منهج تربوي متكامل وعظيم ربى عليه رسولنا الكريم أصحابه رضوان الله عليهم، مقدما بذلك أروع المثل وأصدقها في الصبر والتوكل على الله، واليقين في عطاء الله وقضائه وقدره.

الإمام الجنيد وصفات الأولياء

لأولياء الله الصالحين صفات وسمات تختلف عن غيرهم من عامة الناس، سلكوا طريق الحق سبحانه وتعالى، عرفوه حق المعرفة، وقفوا ببابه عز وجل، ولزموا أعتابه جل في علاه، منيبين إليه، خاضعين، خاشعين، ذاكرين، متوسلين، ضارعين، فبلغوا غايتهم، ونالوا مقصودهم، تميزوا عند عامة الناس قبل خاصتهم، فسيماهم على وجوههم، وأفعالهم وأخلاقهم وأحوالهم شاهدة عليهم...