معارف وأذواق

الفرق بين الصدق والإخلاص عند الإمام الجنيد

دة. ربيعة سحنون 

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

    سأله أحدهم عن الفرق بين الصدق والإخلاص، فكان جوابه: "... فمعنى الصدق القيام على النفس بالحراسة والرعاية لها، بعد الوفاء منك بما عليك، مما دلّك العلم عليه، في إقامة حدود الأحوال في الظاهر، مع حسن القصد إلى الله عز وجل في أول الفعل؛ فالصدق موجود في حقيقة صفات الإرادة، عند بداية الإرادة بالقيام بما دُعيت إليه في حقيقة إرادتك، مما طرق الحق لك إليه، والمبادرة فيه بالخروج عن موافقة النفس لطلب الراحة، مع انتصاب العلم لك، وموافقتك له، بخروجك من التأويل. فالصدق موجود قبل وجود حقيقة الإخلاص، وقد قال الله عز وجل: ﴿ليسأل الصادقين﴾، [سورة الأحزاب، آية 8]، ثم سألهم بعدما أتوا بالصدق: ما أرادوا بصدقهم. وقد سمى الله تعالى الصادقين في موضع آخر على غير هذا المعنى، فقال الله عز وجل: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾، [سورة المائدة، آية 119]، فكان الصدق في الأول علما للخلق، وفصْلاً بينهم وبين الإخلاص، لأن الإخلاص موجود في صفة الخلق عند حالين: حال الاعتقاد والنية، وحال الفعل والعمل. فالإخلاص في صفة الصادق موجود في العقد غير منسوب إلى الصدق إلا بوجود [أوائل الإخلاص في باطنه]، وباق عليه علم موارد الأشياء عند ممارسة الفعل بالجوارح عن عوارض أضداد الإخلاص والتخلص لفعله، حتى سمي مخلصا.

    فأول الإخلاص أن يفرد الله تعالى بالإرادة، والثاني أن يخلص الفعل من الآفة. فالصدق الذي هو عند الخلق صدق، فرق بينه وبين الإخلاص، والصدق الذي عند الله تعالى هو الصدق مع الإخلاص. وقد يقال فلان صادق لما يرى عليه من صفات العلم وبذل المجهود منه، ولا يقال فلان مخلص لغيبة الخلق عن علم إخلاصه، فالصدق مشهود في صفة الصادق، والإخلاص معدوم من مشهده. فالصادق موصوف بحسن صفات شاهده، منسوب إلى الصدق بدلائل ظاهره، مع وجود أوائل الإخلاص في باطنه، باقٍ عليه علم موارد الأشياء عند وروده، يقبل ما وافق الأول من معنى قصده، ويرُدّ ما خالف علم ظاهره. فالإخلاص يعلو الصدق لوجود زيادة العلم، مع وجود قوة الردّ لما عارض من وسواس العدو، لوجود صفاء القلب، ولا يعلو الإخلاص شيء، لأنه لا غاية في العبودية من حيث العبد فوق الإخلاص، ولا يقال إخلاص المخلص، لأنه لا غاية بعد الإخلاص، وقد قال الله تعالى: ﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾، لم يقل ليسأل المخلصين عن إخلاصهم، لأن غايته من الخلق فيما استعبدهم به، فالإخلاص يعلو الصدق، والصدق دونه.

    والصدق على ثلاثة أشياء: صادق بلسانه، وهو القائل بالحق له كان أم عليه، بخروجه عن التأويل والتدليس. وصادق في فعله، وهو الباذل للمجهود من نفسه بإخراج وجود راحته. وصادق بقلبه وهو القصد إليه في فعله. فعند وجود هذه الخصال يكون صادقا، مع أن الصدق موجود من الصادق في كل حال، لا يستغنى عنه في حال من الأحوال.

    فالصدق في التورّع والتزهّد والزهد والتوكل والرضا والمحبة والشوق والتوحيد لأهل الصلاة، في صفات المريد والمراد، والذاكر والمذكور، وكل ذلك لا بد من أن يُتولّد له شاهد ظاهر يشهد له بالصدق. ومعنى الإخلاص إفراد النية لله عز وجل، وحسن القصد إليه، بحضور العقل عند موارد الأشياء، وبيان تلوين الأمور عليه، بما وافق الأول في معنى صحة قصده، وردّ ما خالف ذلك من موارد النفس والعدو، مع ذهاب رؤية النفس بوجود رؤية المنة، مع وجود حسن العزاء عند المذمة من الخلق، لوجود حسن المعرفة بالفضل، ووجود الكراهة عند المحمدة، لخوف فساد المعرفة بذهاب رؤية الخلق عند مصادفة الأحوال، فهذا علم مشهود عند شاهد المخلص، معدوم عند شاهد الخلق.

    فالصدق والإخلاص يتفقان في حال المخلص، وينفرد الصدق بالصادق، مع أول وجود الإخلاص، فغاية وصف الموصوفين بالعبودية في الاستعباد هو الإخلاص، والصادق في حقيقة صدقه يتولى بالإخلاص، والمخلص في حقيقة إخلاصه يتولى بالكفاية، لوجود نفاذ البصيرة، وذو البصيرة في حقيقة نفاذ بصيرته يتولى بالحياطة من جميع ما يخشى فساده، ثم وقع الاستيلاء بالتولي بعد ذلك، فقهر العقل فأفناه عن مقاومة الواجد. فعند وجود حقيقة التولي بالخصوصية، خرج عن عبادته لله بالنفوسية، ودخل في عبادته عز وجل بالوحدانية، فكان ذلك أول وجوده حقيقة توحيد الخصوص، بذهاب رؤية الأشياء لقيام رؤية الحق. فجرت الأحوال عليه في مجاري صفاتها، (لمراد مليكه فيها، بسقوط صفاتها) منها، فعند وصول العبد إلى هذا، خرج عن صفة وجود ما يوصف بالعقل، فصارت عوارض العقل عند وجود حقيقة التوحيد، وساوس تحتاج إلى أن يرُدّها، لأن العقل كان قيّم العبد عند قيام العبد بالعبودية، من حيث العبد، فعند وقوع حقائق الملكية من الله عز وجل له، ذهب العبد في العبودية من غير المعدن الأول، فكان موجودا في الصفة، معدوما من المشرب، فصار عند ذلك موجودا مفقودا"[1].

 

 

[1] تاج العارفين، الجنيد البغدادي، الأعمال الكاملة، دراسة وجمع وتحقيق: سعاد الحكيم، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط3، 2007م، ص ص:  256-258.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مفهوم العقل عند سيِّد الطائفة

ميّز الحق سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل والقدرة على الإدراك والتفكير، فبدونه لا يستقيم له شيء، وبدونه لا فرق بينه وبين غيره من المخلوقات، فالعقل هو سبب استخلاف الله تعالى للإنسان في الأرض، وهو الذي يميز به بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين الخطأ والصواب، وهو أيضا مناط التكليف، فالكثير من العبادات لا تقبل إلا من عاقل مُدرك لأفعاله، وعلى نفس النهج كان الصوفية، فهم لم ينكروا العقل ولم يغيبوه، بل جعلوا له مكانة خاصة في...

الطريق إلى الله

سئل الجنيد رحمه الله: كيف الطريق إلى الله؟ فقال: "توبة تحل الإصرار، وخوف يزيل الغرة، ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات، ومراقبة الله في خواطر القلوب".

قال الجنيد رضي الله عنه: "طريق الحبيب إما بالعلم أو بالسلوك، والسلوك بلا علم وإن يكن حسنا، فهو جهل ونقص، وإذا كان العلم مع السلوك فهو عز وشرف".

وقال أيضا: "بني الطريق على أربع: لا تتكلم إلا عن وجود، ولا تأكل إلا عن فاقة، ولا تنم إلا عن غلبة، ولا تسكت إلا عن خشية".

من كلام الإمام الجنيد

• قال الإمام الجنيد للشبلي: "لا تُفش سرّ الله تعالى بين المحجوبين. وكان رضي الله عنه يقول: لا ينبغي للفقير قراءة كتب التوحيد الخاص، إلا بين المُصدِّقين لأهل الطريق، أو المُسلِّمين لهم، وإلا يخاف حصول المقْت لمن كذّبهم". [1]

•  ويقول الجنيد في موضع آخر مؤاخذا له على إشاعته علوم القوم بين عامة الناس: "نحن حبّرنا هذا العلم تحْبيرا، ثم خبّأناه في السّراديب، فجئتَ أنتَ فأظهرته على رؤوس الملأ...". [2]