مرحلة ما قبل تشكل المدارس

القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي

د. طارق العلمي

   هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي.

   قال صاحب النجم الثاقب: كان أبو الفضل رحمه الله، عميد الأولياء بالبلاد المغربية، وممن أجمع على فضله وعلمه علماء الفقه وأكابر الصوفية.

   طلب العلم من صغره فقرأ ببلده سبتة على أبي عبد الله بن عيسى، وأجلسه أهل سبتة للمناظرة عليه في المدينة وهو ابن ثلاثين سنة ونيف، ثم اجلس للشورى، ثم ولي القضاء ببلده سبتة مدة حمدت سيرته بها، ثم نقل إلى قضاء غرناطة، ثم قضاء سبتة ثانيا، وارتحل لبلاد الأندلس فأخذ بها بقرطبة عن عدة من الشيوخ، كقاضيها الإمام أبي عبد الله بن حمدين، وأبي الحسن بن سراج، وأبي محمد بن عتاب، والإمام أبي الوليد بن رشد، والإمام بن الحاج، وغيرهم، والإمام علي الصدفي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأجاز له الإمام المازري، كتب له بالإجازة من المهدية ولم يلقه، وكذلك أجازه بن الطاهر السلفي من الاسكندرية ولم يلقه.

   ويقال أنه كتب للزمخشري يستجيزه فسأل عنه هل رحل في طلب العلم، قالوا إنما أخذ ببلده بسبتة والأندلس فلم يجزه، وقال: لا إجازة لمن لم يرحل في تحصيل العلم، فقيل: إن القاضي عياضا رحمه الله لما بلغه امتناع الزمخشري من إجازته قال: الحمد الله الذي لم يجعل علينا منة لفاسق. يعني فسق بدعة الاعتزال.[1]  

   وذهب أهل التعريف: كان القاضي أبو الفضل رحمه الله، عظيم القدر، ظاهر الفضل، معروف العدل، تُضرب بعلمه وسعة حفظه الأمثال، ويقف عند زهده وورعه أفاضل الرجال، فرع الأنام وفاق أهل زمانه، فهو الوحيد الفذ في إحسانه. ذكره الحافظ المعروف بابن الآبار، كان أبو الفضل جمال العصر، ومفخر الأفق، وينبوع الحكمة، ومعدن الإفادة، وكان معدودا في أهل الزهد والإيثار، معروفا بالورع والتقلل في هذه الدار.

   قالوا: وكان مع زهده وورعه وصحة دينه وتواضعه، يلبس الملابس الرفيعة المنبئة عن حال قضاة الوقت، ويركب المراكب الحسنة، وإذا جلس في مجلس حُكمِهِ للفصل بين الناس علته الهيبة والوقار، وجلله التقوى ملابس المجد والفخار:              

حلف الزمان ليأتين بمثله     حنثت يمينك يا زمان فكفر

   قال محمد الصغير الافراني: شاع على الألسنة أن يقولوا لولا عياض ما ذكر المغرب. ولم أقف عليها لأحد من الأقدمين، ولا يبعد ذلك من حاله رحمه الله، فقد كان مفخرة من مفاخر المغرب. [2]

لولا الشفا لما عرف المصطفى، ولولا عياض لما عرف المغرب.

   قال محمد ابن اسماعيل المعروف بالراعي: ولما قرؤوا على سراج الدين البلقيني كتاب الشفا للقاضي عياض، مدح الشيخ سراج الدين القاضي عياضا، وأثنى عليه غاية، وكان بحضرة جماعة من المالكية والشافعية، فقال لهم القاضي جلال الدين رحمه الله: ما لكم يا مالكية لا تكونوا مثل القاضي عياض، فقال له الشيخ سراج الدين..ومالك أنت لا تقول للشافعية، ما لكم يا شافعية لا تكونوا مثل القاضي عياض.

   وهذا من انصاف السراج البلقيني رحمه الله، وهو دليل على أنه ليس للمالكية ولا الشافعية مثله.

   وتكلم التعارجي في إظهار الكمال على أن أبا الفضل رضي الله تعالى عنه بين في شفاءه قدر النبي الأشرف العظيم على حسب ما يمكن للبشر، إذ لا يعرفه صلى الله عليه وسلم حقيقة غير ربه تعالى، بيانا شافيا هاديا كهداية الشمس والقمر، بحيث لا يمتري مطالعه في أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل المخلوقين، وهذا غاية ما يبلغ البشر من حقيقة قدره صلى الله عليه وسلم، فبسبب أنه رضي الله عنه بين قدره صلى الله عليه وسلم، كثير من الفضائل النبوية أتى بها فيه، وقررها بأدلتها أحسن تقرير، وأزال عن المومنين الحرارة الممضة من داء الجهل، بالمسائل المشكلات الظاهر إشكالها، الموهم خلاف خصائص النبوة، وعلى هذا لو كتبت بسواد العين ما كان ذلك وافيا بحقها، بل عشر معشاره، والمقصود تبيين عظم موقعها في الدين، وكتب هذا الإمام رضي الله عنه كلها مبنية على التحقيق معروفة بذلك، كما حازت عند أهل العلم تقديمها على غيرها مما هو في نمطها.[3]

   ويذكر أنه لما قدم الشيخ أبو علي اليوسي لزيارة ضريح أبي الفضل رحمه الله، قالوا له: يا سيدي أرنا حد حرم أبي الفضل، يعنون من ضريحه إلى باب حومته القريب، فقال لهم أبو علي: المغرب كله حرم لأبي الفضل رحمه الله.

   وقد ألف القاضي أبو الفضل رحمه الله تآليف عديدة كلها حسنة مفيدة، طارت كل مطار، واشتهرت بين الناس كل الاشتهار، قال ابن صعد: وذلك مما يدل على ما له من أسرار القرب والولاية، فمنها كتاب الشفا وهو واسطة القلادة، وبرنامج السعادة، قال ابن فرحون في الديباج: أبدع فيه كل الابداع، وسلم له الناس ولم ينازعه أحد ولا أنكر مزية سبقه إليه، بل تشوفوا للوقوف عليه والاستفادة منه.  

أبان عن قدره الأعلى العظيم لدى     شفائه إذ يضيئ مثـل أقمـار

فكم فضائل قـد أتى بها، وشفـى    من معضلات بدت غليل أبـرار

لو سُطرت بسواد العين أحرفهـا     لكان من حقها عشير معشـار

وكتبـه كلهـا تحقيقهـا عـرَفا     لدى البرية حازت سبق مضمار

توفي القاضي عياض في جمادى الأخير، وقيل: في شهر رمضان سنة 544هـ، دفن رحمه الله بباب إيلان داخل مدينة مراكش.   

هوامــش

 

[1] محمد الصغير الافراني: درر الحجال في مناقب سبعة رجال، دراسة وتحقيق: حسن جلاب، 156-157. 

[2] المصدر نفسه، ص 161 

[3] عباس التعارجي: إظهار الكمال في تتميم مناقب سبعة رجال،  166/1.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الفقيه الصالح أبي محمد عبد الله بن محسود الهواري (ت401هـ)

     يعد الشيخ الفقيه الصالح أبو محمد عبد الله بن محسود الهواري المتوفى سنة 401 للهجرة ، من أهل مدينة فاس الوسيطية، أحد أبرز السير المنقبية في عالم الصلاح والولاية بالمدينة، كان ملازما لجامع عدوة الأندلس، تقلد بها خطة القضاء، فنبغ في الميدان الفقهي علما وعملا، سلوكا وعرفانا، فوصفه صاحب المستفاد بـتحلية "العدل والفضل، زاهدا في الدنيا، مقبلا على الله تعالى"، كما حلاه صاحب جنى زهرة الآس  "بالفقيه الصالح، والقاضي الأعدل الورع". 

شيخ الجبل القطب المبجل سيدي عبد السلام بن مشيش 622/559هـ

   تعددت ألقابه، لجلالة قدره، وعلو همته، فلقب بشيخ مشايخ الصوفية، وبإمام أئمة الطريقة الصوفية الشاذلية، وبالقطب الشهيد، والكنز المطمور، والغوث الأشهر وغيرها، هو من العلماء العارفين، والزهاد الورعين، وكبار المتصوفة المتحققين.

ابن العريف أَحْمَدُ بنِ عَطَاءِ اللهِ الصِّنْهَاجِيُّ (481ﮪ-536ﮪ)

هو عَلمٌ شامخ في سجل أعلام المغرب والأندلس، ونجم ساطع في سماء أهل الزهد والتصوف، يُعد من مشاهير أولياء المغرب المتشبعين بالعلم والعمل، والمعروفين بالتقوى والورع، أسال حِبرَ الكَثيرِ من المترجمين والمؤلفين في مناقبه وحُسن سيرته، وفاضت في وصفه ومدحه قَريحةُ العديد من العلماء والشيوخ والشعراء...