مقامات وأحوال

الوقت

محمد الهاطي

باحث بمركز الإمام الجنيد

    الوقت في اللغة مقدار من الزمان، وكل ما قدرت له غاية أو حينا فهو مُوقَّتٌ[1] .

  وقد وردت مادة الزمان في القرآن الكريم جامعة بين معاني دقيقة وأساليب واضحة، وبين دلالات علمية وتعابير أدبية فلا يمكن البتة الفصل بينها. فالزمان يسري في جميع سور القرآن وآياته وحروفه، تتذوقه أبسط العقول فهما، وما ذلك إلا لوجود انسجام بين القرآن باعتباره كتابا مسطورا والكون باعتباره كتابا منظورا، فهما من تأليف مؤلف واحد هو الخالق عز وجل.

   فحينما تستمع إلى قول الحق سبحانه: ﴿والليل إذا يسري﴾[2]، تحس وكأن الليل كائن حي يسري ويجول في هذا الكون الفسيح، أو كأنه مسافر يجوب الصحاري والبحار. و يأتي الليل ومعه النهار في القرآن الكريم مصحوبين بصورة فنية غاية في الجمال  يقول سبحانه:﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله﴾[3].  فقد جيء في هذه الآية بالضدين الليل والنهار في مقابل ضدين آخرين وهما السكون والحركة.

   أما ليل النبي صلي الله عليه وسلم ونهاره فقد كان يقضيهما في طاعة الله عز وجل، روي عنه أنه يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فتقول له أمنا عائشة: « لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟» فيقول: «أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً»[4]، ومما يروى عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى منزله جزّأ وقته إلى ثلاثة أجزاء، جزءاً لربه، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزأ جُزأه بينه وبين الناس.

  وعلى هذا المنوال سار علماء هذه الأمة وخاصة منهم أرباب القلوب من الصوفية الذين كانوا يحرصون كل الحرص على الاشتغال بكل ما يرضي الله عز وجل وعنهم أثر: "الوقت كالسيف فمن لاينه سلم، ومن خاشنه قُصم " وملاينته كما قال الشيخ بن عجيبة تكون بالقيام بآدابه، فوقت القهرية آدابه الرضا والتسليم تحت مجاري الأقدار، ووقت النعمة آدابه الشكر، ووقت الطاعة آدابه شهود المنة من الله، ووقت المعصية آدابه التوبة الإنابة"[5] .

كما أنشد أحد الصوفية قائلا:

 وكالسيف إن لاينته لان مسه***وحداه إن خاشنته خشنان[6] 

   كما للوقت عندهم دلالات متعددة، فتارة يقصدون به الحال الذي يكون عليه العبد؛ يقول أبو علي الدقاق: " الوقت ما أنت عليه في الحال، فإن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن "[7]، وتارة يرد بمعنى "ما يصادف العبد من تصريف الحق له دون ما يختاره لنفسه"[8]. وخير الأوقات وقت تشهد فيه وجود فاقتك، وترد إلى وجود ذلتك كما قال ابن عطاء الله السكندري.

  وللوقت عند القوم حقوق يقول الشيخ ابن عطاء الله السكندري في إحدى حكمه: "حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها، وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها، إذ ما من وقت يرد إلا ولله عليك فيه حق جديد وأمر أكيد، فكيف تقضي فيه حق غيره وأنت لم تقض حق الله فيه!؟
ومن بين الآثار الواردة كذلك في حقوق الأوقات قولهم: " اجعل لكل وقت شغلا وعملا ينفعك، وإلا فقد يشغلك بما لا ينفعك".‏

   أما قولهم: "الصوفي ابن وقته"؛  فالمراد به أنه " مشتغل بما هو أولى به من العبادات في الحال، قائم بما هو مطلوب منه في الحين "[9]، ولن يتحقق المريد بهذا المعنى حتى يدور مع الوقت كيف ما كان، فلا ينظر إلى ما مضى ولا إلى ما يستقبل، لأن نظره إلى الماضي والمستقبل يضيع عليه الوقت، وربما ضيع أوقاتاً كثيرة.  


[1] كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهدي تحقيق عبد الحميد هندواي، دار الكتب العلمية- بيروت ج 4 ، ص 389

[2] سورة الفجر الآية 4

[3] سورة القصص الآية 73.

[4] صحيح البخاري،كتاب تفسير القرآن ، "باب ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته" رقم4460

[5] معراج التشوف إلى حقائق التصوف، لأحمد بن عجيبة تحقيق عبد المجيد خيالي،مركز التراث الثقافي المغربي الدار البيضاء،ط 1 ، 2004، ص 48

[6] الرسالة القشيرية ص: 301

[7] معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص 48

[8] ورد هذا التعريف عند الإمام القشيري في رسالته ص: 300.

[9] الرسالة القشيرية ص300.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد مقامات وأحوال

جديد مقامات وأحوال

القرب         الصدق       الإيمان      الرجاء

المعرفة       الصبر        الأنس         الغفلة

الشكر         الذكر        الحياء         الخوف

الإخلاص      التوبة        التواضع

اليقين         الفتوة       المروءة

الرجاء والاستبشار

جاء في لسان العرب: "الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجَحْد، تقول ما رجوتك أي ما خفتك، ولا تقول رجوتك في معنى خفتك؛ وأنشد أبو دؤيب:

إذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها **** وخالفها في بيت نوب عواسل".

الخوف والانكسار

    ورد لفظ الخوف في القرآن في نحو خمسة وستين موضعاً، وجاء بصيغ مختلفة؛ فمرة يرد بصيغة الاسم كقوله تعالى: ﴿فمن تبع هداي فلا خوف عليهم﴾ ومرة يرد بصيغة فعل أمر كقوله تعالى: ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾  كما يأتي بصيغة الفعل المضارع  كقوله تعالى: ﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾ وقد يرد هذا اللفظ مضادا للأمن في مثل قوله سبحانه: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾.