مرحلة ما بعد تشكل المدارس

الشيخ إبراهيم بن عبد الله الصنهاجي (المشهور بأزناڴ)

د. محمد الهاطي

أستاذ باحث بمركز الإمام الجنيد

اسمه ونسبه

   اعتمادا على ما ورد من نتف في مصادر تاريخية ترجمة الشيخ أزناڴ[1]، والتي تُجْمِع في مجملها على أن اسم المترجم هو: إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن علي الصنهاجي نسبا المشهور بالأزناڴي أو أزناڴ. وهنا يجب التنبيه إلى اللبس الذي وقع فيه أحد الباحثين[2] الذي اختلط عليه الأمر بسبب تشابه في اسم المترجم واسم عالم  آخر يحمل نفس الاسم والنسب وهو الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن علي ابن الشيخ القاطن بقرية " تڴموت" والذي عاش في بداية القرن الثالث عشر الهجري، وعاصر محمد بن يحيى أغناج الحاحي الوارد إلى منطقة سوس خليفة للقائد عبد المالك  أُوبيهي الحاحي سنة 1225هـ[3].

ولادته ونشأته

   إذا كانت المصادر التاريخية لا تسعف في الاهتداء إلى معرفة سنة ولادة الشيخ إبراهيم بن عبد الله أزناڴ، فإننا ندرك من خلال بعض الأخبار العابرة أن ولادته من المُرجح أن تكون في النصف الأول من القرن العاشر الهجري، خاصة إذا علمنا أن أزناڴ ينتمي إلى الطبقة الأولى من العلماء الذين لازموا الشيخ  محمد بن ويسعدن السكتاني (تـ 987هـ) وابنه الشيخ علي بن محمد بن ويسعدن (تـ1005هـ)، كما عاصر أثناء  تواجده بالزاوية الويسَعْدنِية أحد أقرانه وهو الشيخ محمد بن أحمد التمنارتي (تـ1007هـ) والد الشيخ عبد الرحمن التمنارتي (تـ1070هـ) صاحب كتاب "الفوائد الجمة". أما عن المراحل الأولى من نشأته وتعلمه فلم يصلنا منها شيء يذكر، وهذا ما صرح به المختار السوسي نفسه حين قال: «لا ندري عمن تعلم العلم»[4]، وكل ما نعرفه هو أنه نشأ  بقبيلة "إيزناڴن" الأمازيغية وتُعرب فتنطق: "زناڴة" نسبة إلى قبائل صنهاجة[5]،  لينتقل بعد ذلك إلى سكتانة[6] للأخذ على يد شيوخها.

تلقيه المعارف بالمدرسة الويسَعْدنِية السُكْتَانِية

   تُجْمِع جل المصادر التاريخية التي ترجمة الشيخ إبراهيم بن عبد الله أزناڴ على أنه تلقى المعارف وخاصة التربية الصوفية بالمدرسة الويسَعْدنِية السُكْتَانِية، الواقعة شمال شرقي مدينة تارودانت، وتبعد عن هذه المدينة بحوالي أربعة وأربعين ومائة كيلو متر، مرورا بمركزي "أولوز" و"تالوين". تأسست هذه المدرسة على يد الشيخ محمد بن ويسعدن السكتاني (تـ 987هـ)[7]، وحسب بعض المصادر التاريخية فإن عدد الطلبة بهذه المدرسة قد وصل في عهد الشيخ المؤسس إلى سبعمائة طالب، و كان يتكلف بإطعامهم وكسوتهم على أتم وجه وأكمل حال[8]، " حتى ظن  بعض من جهل فضل الله أن ذلك من سحر أوتِيه، وأنه يقلب عين الرماد دقيقا"[9]. وكان من جملة الطلبة المقيمين بزاوية ابن ويسعدن، محمد بن أحمد التمنارتي (تـ 1007) والد  الشيخ عبد الرحمن التمنارتي صاحب كتاب "الفوائد الجمة" السالف الذكر، الذي اختاره ابن ويسعدن ليقوم بشؤون زملائه الطلبة الذين كان من بينهم بالطبع مترجمنا الشيخ إبراهيم بن عبد الله أزناڴ.           

شيوخه في التصوف

   اختلف أصحاب التراجم حول اسم الشيخ الذي تلقى عنه أزناڴ مبادئ التربية الصوفية؛ فالحضيكي يذهب إلى أنه أخذ عن العارف الشيخ محمد بن ويسعدن، بينما يصرح المختار السوسي إلى أنه تهذب على يد الشيخ علي بن محمد ويسعدن ابن مؤسسة الزاوية الويسـَعْدنِية السُكْتَانِية، والذي أرجحه هو أنه أخذ بداية عن الشيخ محمد بن ويسعدن وبعد وفاته سنة 987هـ استكمل التربية الصوفية على يد ابن شيخه علي بن محمد بن ويسعدن الذي تصدر للتربية بالزاوية الويسـَعْدنِية، وكان والده شديد الاغتباط بعلمه وصلاحه، وهذا ما جعله يقول في حقه: «لو اجتمع علما المشرق والمغرب ما قدروا على علمه الذي رزقه الله له»[10]. وقد وافته المنية  في "تيوالت" من قبيلة "إيزناڴن" أو "زناڴة" وله مشهد يقصده الناس إلى الآن[11].

مؤلفاته العلمية

   يُعد الشيخ إبراهيم بن عبد الله أزناڴ من بين أوائل العلماء الذين ألفوا في  الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني بالأمازيغية بالمغرب بعد كل من ابن تومرت (تـ524هـ) و سعيد بن عبد المنعم الحاحي (تـ953هـ)، بل يمكن القول إن معظم من أتى بعد أزناڴ من المؤلفين المغاربة الأمازيغ  قد تأثروا بكتاباته، ومنهم على الخصوص محمد بن علي أوزال (تـ 1162هـ) صاحب منظومة "بحر الدموع" المشهورة، والتي تتداخل كثيرا مع منظومة عقيدة السلوك سواء على مستوى البنية التركيبية أو الإيقاعية. كما أن هذا السبق الزمني في التأليف بالأمازيغية جعل أزناڴ يواجه معارضة قوية من طرف بعض معاصره الذين يرفضون تَبْين الدين بلغة أخرى غير اللغة العربية.

وفاته

    إذا كان الحضيكي في الطبقات، والسوسي في المعسول قد ذكرا تاريخ وفاة الشيخ أزناڴ والذي هو الاثنين السادس من رمضان سنة خمس وألف للهجرة، فإننا لا نعرف بالتحديد مكان وفاته، ولا حتى مكان تواجد قبره، وقد سبق للأستاذ المختار السوسي -رحمه الله- أن  زار المدرسة الويسَعْدنِية بسكتانة ووصف مرافقها بدقة كبيرة، وذكر أسماء من أقبر فيها من العلماء والصلحاء ومنهم الشيخ المؤسس محمد بن ويسعدن السكتاني، غير أنه لم يذكر اسم الشيخ إبراهيم بن عبد الله أزناڴ ضمن من دفنوا بهذه الزاوية. من هنا أُرجح أن  يكون مكان وفاة الشيخ أزناڴ قد تم خارج الزواية الويسَعْدنِية السكتانية، كما يُرَجَح أن يكون قد دفن  بجوار شيخه الثاني علي بن محمد بن ويسعدن ببلدة "تيوالت" في قبيلة "إيزناڴن" التي يوجد بها ضريح ابن ويسعدن الابن[12]، والذي لا زال الناس يقصدونه إلى الآن.

الهوامش: 

 

[1] من بين المصادر التاريخية القليلة التي ترجمة للشيخ إبراهيم بن عبد الله أزناڴ: طبقات الحضيڴي، لمحمد بن أحمد الحضيڴي، تحقيق: أحمد بومزڴو، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2006، ج 1 ص 131 . المعسول ج 19 ص 15. الحركة الفكرية بالمغرب في العهد السعدي، ج 2 ص567.

[2] ينظر التعليق الورد بهامش ترجمة الشيخ إبراهيم بن عبد الله الصنهاجي بكتاب طبقات الحضيڴي، تحقيق أحمد بومزكو، ج 1ص 131.

[3] تنظر ترجمته كاملة في المعسول ج 16 ص 97.

[4] المعسول ج 19 ص 15

[5] تصنف قبيلة إزناكن ضمن قبائل حوض درعة، الغربي، وتحدها شمالا قبيلة أيت عامر، ومن ورائها اتحادية قبائل أيت واوزكيط وغربا قبيلة إيسكتان السوسية، وجنوبا قبيلة الفائجة، وتقع في أقصى شمالها مدينة (تازناخت)، ومن قرى قبيلة زناكة.

[6] قبيلة سكتانة قبيلة سوسية من القبائل الحدودية لمنطقة سوس الشرقية، وتحدها شرقا قبيلة زناڴة الواقعة خارج المجال السوسي، وشمالا اتحادية قبائل أيت واوزكيط الواقعة أيضا خارج المجال السوسي، وقبيلة إيوزيون السوسية، وغربا قبيلة إينداوزال، وجنوبا قبيلة الفائجة الواقعة خارج المجال السوسي أيضا.

[7] خلافا لما ذهب إليه الأستاذ أحمد أبو زيد الكنساني الذي أشار أنه توفي سنة 978هـ (ينظر مقاله: التأليف بالأمازيغية بيبليوغرافية انتقائية لمؤلفات أمازيغية، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، العدد الخامس والخمسون، سنة 2005م، ص 220) 

[8] عبد الرحمن التمنارتي، الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثانية 2006، ص 79. وطبقات الحضيكي ج 1 ص 261.

[9] التمنارتي، الفوائد الجمة، ص 79.

[10] المعسول ج 19 ص 234 .

[11] نفسه ج 19 ص 232 .

[12] وهذا ما استنتجته من خلال بعض التحريات التي قمت بها خلال زيارتي لهذه المنطقة . 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

العربي ابن السايح دفين الرباط (ت1309ھ-1892م)

هو العارف الذي جرت ينابيع المعارف من صدره، البحر المتلاطمة أمواج علمه وسره، الولي الشهير، القدوة الكبير، العارف بالله والدال عليه في سره ونجواه، أبو المكارم الشيخ محمد العربي بن السايح الشرقي العمري نسبة، التجاني مشربا...

سيدي سعيد أويوسف الحنصالي

هو سعيد بن يوسف بن محمد بن لحسن الحنصالي الملقب بأبي عثمان، عاش خلال القرن السابع عشر، المصادر التاريخية لا تعطينا سنة ولادته.

هو من سلالة دادا سعيد أحنصال مؤسس الزاوية الحنصالية الأم الموجودة مقرها اليوم بزاوية أحنصال، يقول في هذا الإطار صاحب نشر المثاني في الترجمة له: "ومنهم الشيخ المرابط...

أبو العباس أحمد بن محمد أحزي (ت 1127هـ)

هو الشيخ الإمام العلامة أحمد بن محمد بن يعزى بن يوسف الجزولي التملي، نسبة إلى بلد بدرعة يدعى انتملت، أحُزي (بفتح الهمزة وضم الحاء المهملة وكسر الزاي) لقبا، المنصوري مولدا، الهشتوكي شُهرة، الدرعي دارا.