مقامات وأحوال

الخوف والانكسار

د. محمد الهاطي

أستاذ باحث بمركز الإمام الجنيد

في القرآن الكريم:

    ورد لفظ الخوف في القرآن في نحو خمسة وستين موضعاً، وجاء بصيغ مختلفة؛ فمرة يرد بصيغة الاسم كقوله تعالى:﴿ فمن تبع هداي فلا خوف عليهم﴾[1] ومرة يرد بصيغة فعل أمر كقوله تعالى: ﴿ وخافون إن كنتم مؤمنين﴾[2]  كما يأتي بصيغة الفعل المضارع  كقوله تعالى: ﴿ ليعلم الله من يخافه بالغيب ﴾[3] وقد يرد هذا اللفظ مضادا للأمن في مثل قوله سبحانه: ﴿ ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾[4].

في الحديث النبوي: 

     ورد لفظ الخوف في العديد من الأحاديث النبوية وبعدة معاني؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم « من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة »[5]. وقوله صلى الله عليه وسلم :« لا يدخل النار من بكى من خشية الله»[6] وقوله كذلك : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»[7] .

أقوال العلماء في الخوف:

- محمد بن عبد الجبار النفري " الوجل والفزع والهلع والخشية والهيبة والإشفاق والحزن وما يجري مجراها: أسماء للخوف على حكم ما تتخصص به معانيه التي يتعلق بها، وإنما يرق الخوف في معرفة من المعارف فيسمى خشية مما يشبه أسماء الرقة، ويجفو الخوف في معرفة من المعارف فيسمى خوفا روعا هلعا أو غير ذلك مما يشبه أسماء الخوف"[8]

- الحارث المحاسبي : " الخوف هو انكسار في الباطن يكسر الظاهر عن الانبساط، وأوله قلق وثانيه كمد" [9].

- أبو علي الدقاق: الخوف على ثلاث مراتب : فالخوف من شرط الإيمان قال تعالى: ﴿ وخافون إن كنت مؤمنين﴾ (آل عمران 175)، والخشية من شرط العلم قال تعالى: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر 28)، والهيبة من شرط المعرفة قال تعالى: ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ (آل عمران 28) [10].

- الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني : الخوف على قسمين : خوف العوام وخوف الخواص؛ خوف العوام من العقاب والعذاب، وخوف الخواص من القطيعة والحجاب[11] .

- أبو القاسم الحكيم : "من خاف من شيء هرب منه، ومن خاف من الله عز وجل هرب إليه" [12]

- الحسين بن منصور: "من خاف من شيء سوى الله عز وجل أو رجا سواه أغلق عليه أبواب كل شيء، وسلط عليه المخافة، وحجبه بسبعين حجابا أيسرها الشك، وإن مما أوجب شدة خوفهم فكرهم في العواقب، وخشية تغير أحوالهم، قال تعالى :﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ (الزمر 47)، وقال كذلك: ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون إنهم يحسنون صنعا﴾ (الكهف 104) فكم من مغبوط في أحواله انعكست عليه الحال ومني بمقارنة قبيح الأفعال فبدل بالأنس وحشة، وبالحضور غيبة ".[13]

- الإمام أبو حامد الغزالي: "الخوف من المعصية خوف الصالحين، والخوف من الله خوف الموحدين والصديقين وهو ثمرة المعرفة بالله تعالى"[14].

- أبو علي الدقاق : " دخلت على الإمام أبي بكر بن فورك عائدا فلما رآني دمعت عيناه، فقلت له :إن شاء الله يعافيك ويشفيك . فقال لي:  تراني خائف من الموت ؟ إنما أخاف مما وراء الموت !!  "[15].

- الشيخ إبراهيم القرميسيني : الخوف إذا سكن القلب أحرق الشهوات فيه، وطرد عنه رغبة الدنيا وبعد عنها [16].

- الحارث المحاسبي: "التخويف ينال بالفكر في المعاد، والفكر ينال بالذكر، والذكر بالتيقظ من الغفلة ... وقد يخطر الله عز وجل بقلب العبد المؤمن من غير تكلف، إذا أراد أن يتفضل عليه بذلك وإن لم يخطر بباله  لم يكن العبد عنده معذورا بتركه التكلف للتخويف، كما أمره أن يخوف نفسه، لأنه أمره بالفكرة في المعاد"[17].

 


[1] البقرة:38

[2] آل عمران، الآية  175

[3] المائدة:94

[4] الإسراء :57

[5] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة، باب 18، 4/633 رقم الحديث 2450

[6] أخرجه الترمذي في سننه، 4/171 رقم 1633

[7] رواه البخاري ، كتاب التفسير ، باب قوله : ( لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم ) رقم ( 4621 ) ، ومسلم ، كتاب الفضائل ، باب توقيره صلى الله عليه وسلم . . . ، رقم ( 2359 ).

[8] نصوص صوفية غير منشورة لشفيق البلخي –ابن عطاء الادامي –النفري تحقيق بولس نويا اليسوعي ص: 282

[9] حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحبوب للشيخ عماد الدين الأموي (بهامش كتاب قوت القلوب لإبي طالب المكي  ج 2 ص 197

[10] الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري الطبعة 1 ، 2008م ، شركة القدس للتجارة القاهرة  ص 415.

[11] إيقاظ الهمم في شرح الحكم لاحمد بن عجيبة الحسني ج 2ص: 281

[12] نفسه ص416

[13] نفسه ص 420

[14] إحياء علوم الدين للأمام الغزالي، ج 4/ 150

[15] نفسه ص 318

[16] لوامع أنوار القلوب وجوامع أسرار المحب والمحبوب للقاضي عزيزي بن عبد الملك ص78

[17] أستاذ السائرين الحارث بن أسد المحاسبي لعبد الحليم محمود ص:125



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد مقامات وأحوال

جديد مقامات وأحوال

القرب         الصدق       الإيمان      الرجاء

المعرفة       الصبر        الأنس         الغفلة

الشكر         الذكر        الحياء         الخوف

الإخلاص      التوبة        التواضع

اليقين         الفتوة       المروءة

الرجاء والاستبشار

جاء في لسان العرب: "الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجَحْد، تقول ما رجوتك أي ما خفتك، ولا تقول رجوتك في معنى خفتك؛ وأنشد أبو دؤيب:

إذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها **** وخالفها في بيت نوب عواسل".

الغفلة والسهو

     يقال غفل عنه يغفل غفولا وغفلة وأغفله؛ أي تركه وسها عنه، وأغفلت الرجل؛ أي أصبته غافلا.

    وقال ابن فارِس في مُعْجَمِه: "الغين والفاء واللام أصلٌ صحيح يَدُلُّ على تَرْكِ الشَّيْءِ سَهْوَاً وربما كان عن عَمْد، من ذلك غفلتُ عن الشَّيْءِ غَفْلَةً وغُفُوْلاً، وذلك إذا تَرَكْتَه ساهياً، وأغْفَلْتَه إذا تَرَكْتَه على ذُكرٍ منك له".