مقامات وأحوال

الغفلة والسهو

 د. محمد الهاطي

أستاذ باحث بمركز الإمام الجنيد

    يقال غفل عنه يغفل غفولا وغفلة وأغفله؛ أي تركه وسها عنه، وأغفلت الرجل؛ أي أصبته غافلا [1].

    وقال ابن فارِس في مُعْجَمِه: "الغين والفاء واللام أصلٌ صحيح يَدُلُّ على تَرْكِ الشَّيْءِ سَهْوَاً وربما كان عن عَمْد، من ذلك غفلتُ عن الشَّيْءِ غَفْلَةً وغُفُوْلاً، وذلك إذا تَرَكْتَه ساهياً، وأغْفَلْتَه إذا تَرَكْتَه على ذُكرٍ منك له"[2].

    وفي الاصطلاح: فقد عَرَّفَها أهل اللغة والتفسير بتعاريف منها:

    قول الرَّاغِب الأصفهاني: "هي سَهْوٌ يَعْتَرِي الإنسان من قِلَّةِ التَّحَفُّظِ والتَّيَقُّظِ"[3].

    وقال البَغَوِي:"هي معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور"[4].

    وأَوْرَدَ الشَّوْكَانِي تعريفاً لها في تفسيره فقال: "الغَفْلَةُ: ذهابُ الشَّيْء عنك لانشغالك بغيره"[5].

    وإجمالا يمكن القول بأن الغفلة سهو وشرود  يعتري الإنسان، فإن هو تيقظ أدبرت، وإن هو سها أقبلت، ومنشؤها قلة التحفظ والتيقظ.

  والفرق بين النِّسيان والغفلة أن الغفلة عامة تشمل السهو و النسيان؛ فغفلتك عما أنت عليه سهو، وغفلتك عمَّا أنت عليه لتفقد غيره نِسْيان. وقيل: إنَّ الغفلة عبارة عن عدم التفطن للشِّيء وعدم تعقله بالفعل سواء بقيت صورته أو معناه في الخيال أو الذكر، أو انمحت عنه إحداهما.

لفظ الغفلة في القرآن

    ورد لفظ الغفلة في القرآن الكريم بعدة صيغ، ومن ذلك وروده كمصدر في مثل قوله تعالى: ﴿ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾[6]. كما ورد بصيغة اسم الفاعل في مثل قوله تعالى: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ﴾[7] .  وورد أيضا بصيغة الفعل المضارع في قوله سبحانه: ﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾[8] .  كما ورد أيضا بصيغة الفعل الماضي في قوله تعالى: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ﴾[9].

لفظ الغفلة في الحديث النبوي:

    ورد لفظ الغفلة في الأحاديث النبوية بعدة معاني منها اشتغال القلب بأمر دنيوي؛  فعن عبد اللّه بن عمرو- رضي اللّه عنهما- أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتم اللّه- عزّ وجلّ- أيّها النّاس، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة فإن اللّه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل»[10].

    وعن ابن عمر- رضي اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين » [11].

    وعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما اجتمع قوم فتفرّقوا عن غير ذكر اللّه إلّا كأنّما تفرّقوا عن جيفة حمار وكان ذلك المجلس عليهم حسرة»[12]

أقوال العلماء في الغفلة

    - الشيخ ابن عطاء الله السكندري: « الغفلة: جناية الباطن المانعة من دخول حضرة الله وفهم كلامه» [13].

    - وقال أيضا في الحكم : «إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده، اجعله لك عدوا ليوحشك به إليه».

   - الشيخ أحمد زروق: «إهمال الحقوق المندوبة أو الواجبة بالاسترسال مع دعوى الهوى» [14].

    - الإمام القشيري: «الغفلة على قسمين: غافل عن حسابه باستغراقه في دنياه وهواه، وغافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه؛ فالغفلة الأولى سمة الهجر والغفلة الثانية صفة الوصل»[15].

    - الشيخ القاسم السياري: «الغفلة غفلتان: غفلة نعمة وغفلة عقوبة؛ فغفلة النعمة وهي النعمة التي فيها البقاء ولو لا هي ما سكنت القلوب، ولا نامت العيون، ولا هدأت الجوارح، ولذابت الأرواح، وبطلت الأجساد وانقلب الزمان. والغفلة التي هي عقوبة؛ فهي غفلة الإنسان عن ذكر ربه وترك مراعاة أحواله مع الله [16] .

    - أبو الحسين النوري : «الغفلة سكون القلب إلى شيء سوى الله[17]»

 


[1] لسان العرب، لابن منظور مادة غَفل ج 6 ص: 650.

[2] معجم مقاييس اللغة ،لأحمد بن فارس، 4/386، مادَّةُ "غَفَلَ"، طبع دار الجيل، بيروت ـ لبنان

[3] مفردات ألفاظ القرآن؛ للرَّاغِب الأصفهاني ص:609،مادَّةُ " غَفَلَ "، تحقيق: صفوان عدنان داوودي،طبْع دار القلم ، دمشق/ الدار الشامية،بيروت، الطبعة الثانية 1418هـ 1997م.

[4] تفسير البغوي معالم التنزيل ؛للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي ،4/358، حقَّقَه وخرَّج أحاديثه : محمد عبدالله النِّمْر، وعثمان جمعة ضميرية،وسليمان مسلم الحرش ،دار طيبة للنَّشر والتوزيع،الرياض ـ المملكة العربية السعودية ،الطبعة الثانية 1414هـ  1993م.

[5] فتح القدير الجامع بين فَنَّي الرِّوَاية والدِّرَاية من علم التفسير؛لمحمد بن علي بن محمد الشَّوكاني،المتوفَّى سنة 1250هـ، 238/2، وثَّق أُصُوْلَه وعَلَّق عليه سعيد محمد اللحَّام، طبع دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1412هـ = 1992م

[6] مريم الآية 39

[7] الأعراف الآية 179.

[8] النساء الآية 102

[9] سورة الكهف الآية 28

[10] رواه أحمد في مسنده (2/ 177) .

[11] رواه الحاكم في المستدرك (1/ 556).

[12] سنن أبي داود (3/ 920).

[13] تاج العروس، ابن عطاء الله السكندري ص 59

[14] شرح الحكم العطائية لشيخ زروق ص: 77

[15] لطائف الإشارات للإمام القشيري ، ج 4 ص163 

[16] حقائق التفسير لأبي عبد الرحمان السلمي ص763.

[17] نفسه ص:763



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد مقامات وأحوال

جديد مقامات وأحوال

القرب         الصدق       الإيمان      الرجاء

المعرفة       الصبر        الأنس         الغفلة

الشكر         الذكر        الحياء         الخوف

الإخلاص      التوبة        التواضع

اليقين         الفتوة       المروءة

الرجاء والاستبشار

جاء في لسان العرب: "الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجَحْد، تقول ما رجوتك أي ما خفتك، ولا تقول رجوتك في معنى خفتك؛ وأنشد أبو دؤيب:

إذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها **** وخالفها في بيت نوب عواسل".

الخوف والانكسار

    ورد لفظ الخوف في القرآن في نحو خمسة وستين موضعاً، وجاء بصيغ مختلفة؛ فمرة يرد بصيغة الاسم كقوله تعالى: ﴿فمن تبع هداي فلا خوف عليهم﴾ ومرة يرد بصيغة فعل أمر كقوله تعالى: ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾  كما يأتي بصيغة الفعل المضارع  كقوله تعالى: ﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾ وقد يرد هذا اللفظ مضادا للأمن في مثل قوله سبحانه: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾.