دراسات وأبحاث

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

د. محمد الهاطي

باحث بمركز الإمام الجنيد

هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان»[1]. وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش ينتظر «الإذن من الله تعالى في الدخول،  إذ على عادة الأكابر ألا يدخلوا في أمر إلا بإذن الله تعالى»[2]، سينزل بمراكش ويستوطنها إلى أن وافته المنية بها. اشتهر أبو العباس بمذهبه في الجود والعطاء والبذل، إلى حد أن ابن رشد الحفيد أرسل للاستخبار في شأنه شخصا عالما يعرف بابن الفرس، الذي يقول: «بعثني أبو الوليد بن رشد من قرطبة وقال لي: إذا رأيت أبا العباس بمراكش فانظر مذهبه وأعلمني به، قال: فجلست مع السبتي كثيرا إلى أن حصلت مذهبه، فأعلمته بذلك، فقال لي أبو الوليد: هذا رجل مذهبه أن "الوجود ينفعل بالجود"»[3].

 وهذا ابن الزيات يصف لنا حال السبتي فيقول: «حضرت مجلسه مرات فرأيت مذهبه يدور على الصدقة، وكان يرد سائر أصول الشرع إليها [...] وكان إذا أتاه أحد يطلب منه شيئا، يأمره بالصدقة ويقول له: تصدق ويتفق لك ما تريد»[4].

   توفي أبو العباس السبتي -رحمه الله- بمراكش عام 601هـ، ودفن خارج باب "تاغزوت" بحاضرة مراكش، وقبره سيصبح -بمرور الزمان- مزارا لعامة الناس وخاصتهم، كما أن سيرته وفصول حكايته ستبقى مفتوحة على توالي العصور؛ فهذا ابن الخطيب يزور قبر أبي العباس ليحدثنا عن اهتمام ذوي الحاجات بمزاره، وعن كيفية استفادة الفقراء من الصدقات المودعة بإزائه، يقول: «وروضته بباب تاغزوت، أحد أبواب مراكش [...] زرتها، وربما شاهدت في داخلها أشياخا من أهل التعفف والتصوف، يسارقون خفية الناظر إلى مساقط رحمات الله تعالى عليها لكثرة زائريها، فيقتحم ذو الحاجة بابها خالعا نعله مستحضرا نيته، ويقعد بإزاء القبر، ويخاطب بحاجته، ويعين بين يدي النجوى صدقة على قبره، ويدسها في أواني في القبر معدة لذلك، ومن عجز عن النقدين تصدق بالطعام ونحوه، فإذا خف الزائرون آخر النهار، عمد القائم إلى التربة إلى ما أودع هناك في تلك الأواني، وفرّقه على المحاويج الحافّين بالروضة، ويحصون كل عشية، ويعمهم الرزق المودع فيها، وإن قصر عنهم كملوه فــي غــده [...] فروضة هذا الولي ديوان الله تعالى في المغرب لا يحصى دخله ولا تحصر جبايته؛ فالتبر يسيل، واللجين يفيض، وذوو الحاجة كالطير تغدو خماصا وترجع بطانا، ﴿يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ (البقرة، الآية: 105).
قال: وأنا ممن جرب المنقول عن القبر، فاطّرد القياس، وتزيفت الشبهة، وتعرفت من بدء زيارته ما تحقّقت من بركته، وشهد على برهان دعوته»[5].

الهوامش

[1] الإعلام، عباس بن إبراهيم التعارجي المراكشي، (1/ 279-280).

[2] المصدر السابق، (1/ 281).

[3] نفسه، (1/ 237).

[4] التشوف، التادلي، (453-454).

[5] نفح الطيب، المقري التلمساني، 7/ 272.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة

نفحات روحية من السيرة النبوية (6)

قبسات من درر العارفين (8)

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

 

 

 

 

 

 









شذرات من سير رجالات مراكش السبعة الأنوار اللامعات في التعريف بصاحب دلائل الخيرات

   ولد سيدي امحمد بن سليمان الجزولي، الشريف النسيب سنة 807 هجرية،  وقضى طفولته بمسقط رأسه جزولة من إقليم سوس. ازداد شغف هذا الطالب السوسي إلى مزيد الارتشاف من ينابيع العلم الصافية، فتحمل المشاق، واسترخص الغالي والنفيس في سبيل ذلك، وانخرط في مواكب الرحلة إلى مظان العلم ومراكزه آنذاك. ليُلقي عصا التسيار بفاس، فالتحق بمدرسة الصفارين التي عاش بها حياة العزلة والتأمل، إذ لم يكن يُدخل أحدا إلى غرفته التي كان يخلو فيها بنفسه. بعدها سيشد الجزولي الرحال إلى المشرق، هناك سيمكث زهاء سبع سنوات باحثا عن الشيخ المربي،  ليقفل راجعا إلى فاس من جديد.

نفحات روحية من السيرة النبوية (6) إرهاصات قبل مولد سيد السادات صلى الله عليه وسلم

    هاجر اليهود إلى مكة والمدينة ينتظرون ولادة النبي الخاتم أحمد صلى الله عليه وسلم الموجودة أوصافه في التوراة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. [الصَّف/6]، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "يعني: التوراة قد بشرت بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي، وهو الرسول...