دراسات وأبحاث

قبسات من درر العارفين (8)

دة. ربيعة سحنون        

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

    كانت أحوالهم وأقوالهم وكراماتهم ومقاماتهم دررا ولآلئ ونجوما يهتدي السائرون إلى طريق الحق بنورها، تكلموا في آداب السلوك، وبينوا كيفية الدخول إلى حضرة ملك الملوك، جلّ في علاه، غاصوا في خبايا النفس البشرية، فخبروا داءها ودواءها، عالجوها بالفكر وبالذكر، فترقّتِ الأرواح وارْتقت، متخلقة بالأخلاق المحمدية، ومتأسية بأحسن الفضائل وأرقاها وأحبّها إلى الباري جلت قدرته.

    ولضرورة الاقتداء والاهتداء بسِيرَ الصالحين وأقوالهم، ستضم هذه السلسلة قبسات من درر العارفين، والأولياء والصالحين، حتى نقف على كلامهم، ونُحَصِّل الإفادة المرجوة من سَيْرِهم وبلوغهم أرقى المقامات وأسماها.

 8) الولي الصالح والكوكب الواضح: فتح الله البناني (ت1353)

    اقتفى أثر والده أبو بكر البناني رحمة الله عليه، ناهلا من حياضه، سائرا على نهجه، وسالكا دربه، فنظم دررا وجواهر نفيسة، كانت نتاج السير والسلوك الروحي في طريق الولاية والصلاح، من ذلك قوله رحمه الله تعالى:   

-   اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه أن محبة الله ورسوله والصالحين من عباد الله، المشايخ الدالين على الله بالله أصل جميع الخيرات، وبها يقطع المريد سائر العقبات، بل هي أصل في الإيمان...، فمحبة المشايخ سفينة المريدين، بها يعبرون بحور نفوسهم، إذ السير بالمحبة كالسير بالخطوة، يصل صاحبها إلى مقامات في الزمن اليسير، ما لم يصله غيره في المدة الطويلة[1].

-  فاعمل يا فقير على الإخلاص في ودك، صادقا في محبتك، واجتهد في الأحوال التي توجب لك ذلك، من بذلك لمالك وروحك، وترك المألوفات، وخرق العادات، فإن هذه الأمور جبلت النفوس على حب الأولين منها وبغض الآخرين، والشيء المحبوب لا يبذل  إلا فيما هو أحب منه، كما يشهد لذلك الحس، فافهم[2].

- وقد نص غير واحد من الأكابر على وجوب توقير المشايخ وبرهم، وتوقير تلامذتهم ومريديهم، وذكروا أنه ينال بمحبتهم وزيارتهم وخدمتهم، والأدب معهم، والإحسان إليهم، من الفضل ما لا ينال بكثير من الطاعات وأنواع المجاهدات، كما هو مشاهد في سائر الأقطار في جميع الأعصار، وفي ذلك امتثال أمر الله وأمر رسوله عليه وعلى آله سلام الله[3].

- وبالجملة، فاعلم يا فقير أن هذا الطريق مبني أساسه على الأدب مع المشايخ والفقراء، والنبي صلى الله عليه وسلم، والحق جل جلاله، وجميع المظاهر بداية ونهاية، في البداية شريعة، وفي النهاية حقيقة، في البداية مجاهدة، وفي الوسط مكابدة، وفي النهاية مشاهدة، وإن رأيت فقيرا تعطل فتحه ووصوله، فاعلم أنه قد أخل بالآداب[4].

-  فعلى المريد أن يلزم نفسه الأدب، لينال من أسرار القرب العجب، وبالأدب الظاهر يحصل الأدب الباطن، أعني التعظيم، إذ سوء الأدب ينشأ عن عدم التعظيم، وعدم التعظيم من ضعف المحبة، وضعف المحبة من التفات القلب إلى الغير، فلو حصلت المحبة لحصل التعظيم، ولو حصل التعظيم لحصل الأدب، ولو حصل الأدب لحصل التحقيق[5].

-  فالكرامة التي هي حقيقة باسم الكرامة هي استقامة الجوارح الحسية والمعنوية، هي تشتاق إليه بنعت الظهور، وعلى يديه تشريفا لها بالبروز منه، ومن كانت الكرامة تشتاق إليه كيف يجد من نفسه ميلا عن الأعلى إلى الأدنى، هذا لا يكون أبدا، إذ ما رضي بسرح الدواب من كانت رعيته كل ماش وداب، ودليل اشتياق المقامات والأحوال إلى صاحب الاستقامة، ما ورد في الخبر من قوله صلى الله عليه وسلم: (اشتاقت الجنة إلى ثلاث)، إلى آخر الحديث؛ فما اشتاقت الجنة إلى بلال ومن معه إلا لكونهم ريحان الحضرة الإلهية، لما هم عليه من كمال المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالجنة والأكوان كلها تشتاق إلى العارف، وهو لا يشتاق إلى شيء، ومن كمال اشتياقها وجود الطاعة منها عند أمرك، امتثالا لأمر الله بذلك[6].

-  فشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي النجاة لكل طالب وراغب، وهي معراج الترقي لكل قسيس وحبر وعالم وراهب، ولو أن كل أمة أنصفت كإنصاف نبيها وأصحابه، ما تركوا الأصل وتمسكوا بالفرع، ولكنهم عموا وصموا عن إدراك مراتب التفصيل في عين الإجمال، قياسا على ما هم فيه، فحكموا بتصحيح الفرع وإبطال الأصل، وهذا غاية الجهل بالله وأحكامه، نعوذ بالله من الخذلان[7].

-  واعلم أن شعائر الله في الحقيقة هي مناسك الوصول إلى الله، وهي معالم الدين والشريعة، ومراسم آداب الطريقة، بإشارة أرباب الحقيقة، فإن حقيقة البر هو التفرد للحق، وحقيقة التقوى هو الخروج عن ما سوى الله تعالى، فالوصول لا يمكن إلا بهما، لكنهما خطوتان لا يمكن للمريد الصادق أن يتخطى بهما إلا بمعاونة شيخ كامل مكمل، واصل موصل، فإنه دليل هذا الطريق...، وقد فضل سبحانه الأشهر والأيام والأوقات بعضها على بعض، كما فضل الرسل والأمم بعضها على بعض، لتتسارع القلوب إلى احترامها، وتتشوق الأرواح إلى إحيائها بالتعبد فيها، ويرغب الخلق في فضائلها، وفضل الأمكنة بعضها على بعض ليعظم الأجر بالإقامة فيها، وخلق الله الناس سعيدا وشقيا والعبرة بالخاتمة[8].

- وكان بعض الصالحين رضي الله عنهم يقول: إن الطمع يأتي الإنسان من جهة الحرص، والحرص يأتيه من حب الدنيا، وحب الدنيا يأتيه من طول الأمل، وطول الأمل يأتيه من الغفلة، والغفلة تأتيه من قلة الذكر، وقلة الذكر تأتيه من ظلمة القلب، وظلمة القلب تأتيه من صحبة أهل الهوى. وفي بعض الحكم: من استغنى بالله عن الناس أمن من عوارض الإفلاس، ومن اكتفى باليسير استغنى عن الكثير، وأحلى النوال ما وصل قبل السؤال[9].

الهوامش

 

[1] إتحاف أهل العناية الربانية في اتحاد طرق أهل الله وإن تعددت مظاهرها الحقانية وبعض فضائل الشاذلية الدرقاوية الدباغية البنانية ذوي الهمم والأحوال النورانية، فتح الله بن أبي بكر البناني، المطبعة العامرة الشرقية، ط1، 1906م، ص ص: 5-6.

[2] المصدر السابق، ص: 6.

[3] نفسه، ص: 7.

[4] نفسه، ص: 11.

[5] نفسه، ص: 12.

[6] نفسه، ص: 19. 

[7] نفسه، ص: 20.

[8] نفسه، ص: 22.

[9] نفسه، ص: 35.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

قبسات من درر العارفين (10)

قبسات من درر العارفين (9)

الطوائف الصوفية وأسانيدها

من شيوخ العلم والتصوف بالمغرب: العلامة امحمد الحضيكِي (1)

من شيوخ العلم والتصوف بالمغرب: العلامة امحمد الحضيكِي (2)

 

 

 

 

 

 

 

 









قبسات من درر العارفين (10)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة سيدي يوسف بن علي الصابر الذي نَصب نفسه غرضا لسهام القضاء

     هو يوسف بن علي الصنهاجي، ولد بمراكش وقضى بها معظم حياته، أصيب بالجذام حتى لقب بالمبتلى، وأصبح يضرب به المثل في الصبر، إلى حد تشبيهه بالنبي أيوب -عليه السلام-، حلاه العلامة سيدي الحسن اليوسي في القصيدة "العَيْنِية"، التي...