دراسات وأبحاث

أبو العباس السبتي ومذهبه في الإحسان

د. طارق العلمي

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

    أبو العباس أحمد بن جعفر الخزرجي السبتي، أكبر أولياء المدينة وأشهر رجالاتها السبعة، عربي الأصل، ولد بمدينة سبتة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وتوفي بمراكش في اليوم الثالث من جمادى الأخيرة سنة واحد وستمائة[1].

    وينتسب إلى أسرة فقيرة، إذ بوفاة والده اضطرت أمه إلى دفعه لحائك لتعلم الحرفة مقابل أجر، إلا أنه كان يفضل التردد على الشيخ أبي عبد الله محمد الفخار (دفين تطوان) لأخذ العلم.

    ولعل رغبته في التعلم، والرعاية الخاصة التي كان يلقاها من شيخه بسبب ذلك، كانت وراء سرعة تعلمه، فلم تكد تمضي ست سنوات حتى حفظ القرآن والرسالة وفنونا من العربية وآدابها، وتسجل له الروايات مواقف وأخبارا مع شيخه: (كثرة سؤاله عن معنى آيات، كقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾[2].

    وأبدى أبو العباس الرغبة في السفر برسم طلب العلم ولقاء المشايخ، ووقع اختياره على مراكش، لأنها كما قال لشيخه: (مدينة العلم والخير والصلاح)[3].

    ولأنها كذلك، عاصمة الدولة الجديدة، فقد كان خروج أبي العباس من سبتة سنة أربعين وخمسمائة (وعمره ست عشرة سنة) وهي السنة التي تأكد فيها انتصار الموحدين على المرابطين، خصوصا بعد مقتل تاشفين سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.

    وفي طريقه من سبتة إلى مراكش بمعية وصيفه مسعود الحاج (دفين حومة الموقف)[4]، صدرت عنه كرامات[5]، تبرز مشاغل المجتمعات القروية التي مر بها وهمومها، وتعطي صورة عن المتاعب التي لقياها في رحلتهما[6].

    وجد أبو العباس مدينة مراكش في حالة حصار (استمر من محرم إلى شوال سنة واحد وأربعين وخمسمائة)، فصعد إلى جبل جليز مع وصيفه، وفي تعطير الأنفاس: (أن الله أنبع عينا من ماء وجعل يتعبد في ذلك الجبل والفقير معه يخدمه)[7].

    وتكتنف سيرته ثغرات ونقط استفهام، ابتداء من تاريخ حلوله بمراكش، فبدل أن تقدم المصادر تفاصيل عن حياته، تكتفي بسرد مجموعة من الكرامات المنسوبة إليه. فغلبت بذلك جانب الأسطورة على جانب الواقع، فلا يبقى إلا استخلاص ما يمكن استخلاصه مما يلقي بعض الأضواء على سيرة الشيخ أبي العباس، مع العلم أنها –سواء صحت نسبتها إليه أو لا- تعبر عن هموم البيئة التي عاش فيها وتطلعاتها وآمالها.

    لقد بقي بخلوته أربعين سنة (من سنة أربعين إلى ثمانين وخمسمائة)، وهي السنة التي تولى فيها يعقوب المنصور الحكم، ونعرف ميل هذا الأخير إلى مجالسة الصلحاء واستدعائه لهم بخلاف جده عبد المومن.

    ومع تسليمنا بوجود بعض الزهاد في جبل جليز، فإننا لا نعرف نوعية الحياة التي كانوا يحيونها على ظهره، ولم تصلنا أسماء الشيوخ والعلماء الذين أخذ عنهم أبو العباس بالجبل، ذلك لأن حضوره إلى مراكش كان بقصد طلب العلم كما أسلفنا، ونفهم من بعض الكرامات أنه كان ينزل وحده إليها لأداء صلاة الجمعة[8].

    وإلى هذه الفترة من حياته تنسب الكرامة التي ذكرها الزموري، نقلا عن صاحب «أنس العارفين»، وكان يزور فيها الشيخ أبا يعقوب بن أمغار بتيط. يتحدثان في فنون العلم، وتقول الرواية أن الخادمة التي أحضرت لهما الطعام تعجبت من حسن الشاب وجماله (أبي العباس) وأساءت الظن بالشيخ، فجعلا يأكلان وهي جالسة، فلما استوفيا من الأكل سأل الشاب الشيخ في الدعاء فدعا له وودعه، فجعل الشاب يمشي على ماء البحر والخادمة تنظر إليه...، فالتفت إليها الشيخ قائلا: (لا تسيئي الظن بأولياء الله تعالى يا خبيثة النفس...، واعلمي أن ذلك الشاب هو الولي المتبرك به شرقا وغربا، برا وبحرا، أبو العباس السبتي أتى اليوم لزيارتنا...، على عادته)[9].

    يمكننا هذا الخبر من اعتبار الشيخ أبي يعقوب بن أمغار من شيوخ السبتي،  إذ كان يجالسه ويتحدث معه في فنون العلم، ويطلب دعاءه متحملا في سبيل ذلك قطع خلوته بجليز.

    وظروف دخول أبي العباس لمراكش، وقطع خلوته الطويلة يكتنفها الغموض، فإذا كنا متأكدين من تمام ذلك على عهد المنصور، فإن الاختلاف واقع في التاريخ والسبب:

    - فعند البعض أن وصول أخبار كرامات أبي العباس بعد حلوله بجبل جليز جعل المنصور وأعيان المدينة يطلعون إليه للتبرك، ودعاه الخليفة إلى الإقامة بالمدينة، وحبس عليه مدرسة للعلم والتدريس ودارا للسكنى[10]، ولعل ذلك قد تم في بداية حكم المنصور، فيكون السبتي قد قضى –كما في المصادر- أربعين سنة في الخلوة (من أربعين إلى ثمانين وخمسمائة).

    -إلا أن الشائع والمعروف أن المنصور كان يعاني من عذاب نفسي بعد قتله لأخيه وعمه سليمان، فاقترح عليه مريد (أو مريدة) أن يتصل بأبي مدين، فأرسل في طلبه من بجاية، إلا أن الشيخ عاجلته منيته عند حلوله بتلمسان، فأوصى رسل الخليفة بإخباره أن دواءه عند أبي العباس السبتي، وعند ذلك استدعى المنصور الشيخ إلى قصره[11].

وهذا الرأي الأخير لا يتفق وتواريخ الأحداث:

أ-فالثابت أن أبا مدين توفي سنة أربع وتسعين وخمسمائة.

    ب- تاريخ مقتل عمر وسليمان هو سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وبالفعل شعر المنصور إثره بعذاب نفسي عبر عنه صاحب المعجب بقوله: (وأظهر بعد ذلك زهدا وتقشفا وخشونة ملبس ومأكل)[12]، فلا يعقل أن ينتظر المنصور كل هذه السنوات بحثا عن وسيلة لمعالجة ما يعانيه. ثم إن تاريخ أربع وتسعين وخمسمائة غير مقبول، إذ أنه سيجعل من مدة خلوة أبي العباس أربعا وخمسين سنة بدل أربعين سنة المتفق عليها في كل المصادر، ولن يبقى إلا سبع سنوات لسنة واحدة وستمائة تاريخ وفاته، في حين أن الروايات والمصادر تتحدث عن بناته اللائي تزوجن وهو بقيد الحياة. وبالطبع فإنه لم يتزوج وينجب إلا بعد انتهاء الخلوة واتصاله بالمنصور.

    وبهذا فتاريخ ثمانين وخمسمائة أكثر ملاءمة للأحداث وتوافقا مع الوقائع، وقد يكون ما روي على لسان أبي مدين مجرد وضع أراد به أصحابه الرفع من شأن أبي العباس عندما يجعله أبو مدين (قطب المغرب، وشيخ مشايخ الإسلام، وسيد الطائفة في زمانه) –كما تقول الرواية- في مستواه ويقوم مقامه.

    وأبو مدين كما بينا هو الذي انتهت إليه مدارس الغزالي والجيلاني وأبي يعزى؛ أي أقطاب الشرق والغرب، وهذه المرحلة من أخصب مراحل حياة أبي العباس، ففيها تم نشر مذهبه على نطاق واسع، إذ كان يطوف بنفسه في الأسواق ويحث الناس على الصدقة وعلى المتاجرة مع الله، (درهم يساوي عشرة)، كما كان يقول.

    ويبدو من خلال الكرامات المنسوبة له أنه كان  كثير الحركة والعمل يساعد المحتاج، ويطعم الجائع، وينصر المظلوم، ويستسقي به الناس أثناء القحط والجفاف، وكان ذلك حلما من الشيخ إذ أن الروايات تجعل أهل مراكش (الأولياء الفقهاء على السواء) يسيئون إليه، ويعتبرونه ملامتيا، أو كافرا أو ساحرا، وقليلون هم الذين أحسنوا الظن به[13].

    وفي هذه الفترة كذلك...، فقد أعطاه المنصور دارا بأحواز جامع الكتبيين (فندق مقبل بحي اكدير)، فتزوج وأنجب عدة أولاد ذكورا وإناثا[14] ورد ذكرهم في عدد من كراماته[15].

    وكان السبتي يدرس اللغة والحساب بالمدرسة التي حبسها عليه المنصور بحي أكادير، إلا أننا لا نعرف شيئا عن الكتب المدروسة وطريقة التدريس. ولا أسماء تلامذته، كل ما وصلنا هو اجتماعهم في الليل وارتفاع أصواتهم بالمذاكرة، الشيء الذي جر عليهم أحيانا غضب حراس الليل[16]. وتوزيع أجرته على المحتاجين من الطلبة، وتحضير الطعام لهم[17].          

الهوامـش

 

[1] التشوف، ص ص: 195-205.

[2] إظهار الكمال، ص: 157. 

[3] المصدر السابق، ص:  160. 

[4] السعادة الأبدية، 1 /116. 

[5] وردت في أخبار أبي العباس لابن الزيات وتعطير الأنفاس... 

[6] تعطير الأنفاس، ص ص:  12-30-31. 

[7] المصدر السابق، ص: 32. 

[8] نفسه، ص ص:  23-24.  

[9] بهجة الناظرين للزموري، ص: 119. مخطوطة خاصة، وتعطير الأنفاس، ص ص: 7-8.

[10] نفس المصدرين السابقين بنفس الصفحات. 

[11] إظهار الكمال، ص ص: 155-156. رواها عن روض الرياحين في حكايات الصالحين. 

[12] المعجب، ص: 278. 

[13] إظهار الكمال، ص: 18. 

[14] تعطير الأنفاس، ص ص: 26-36. 

[15] تعطير الأنفاس، 35-36-45-46-73. والإعلام،  4/ 330. ذكرت له الأخبار حفيدا هو أبو  زكرياء،  كان حاضرا يوم احتضار الشيخ: أخبار أبي العباس، ص: 8.

[16] أخبار أبي العباس، ص: 3. وتعطير الأنفاس، ص: 26. 

[17] بحوث في التصوف المغربي، حسن جلاب، ص ص:  36-41.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الملتقى العالمي الثالث عشر للتصوف

قبسات من درر العارفين (12)

سيدي عبد العزيز التباع.. الشيخ العالم العامل

أبو العباس السبتي ومذهبه في الإحسان

نفحات روحية من السيرة النبوية (8)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









قبسات من درر العارفين (12)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة: سيدي عبد العزيز التباع.. الشيخ العالم العامل

     هو أبو فارس عبد العزيز بن عبد الحق الحرار، والحرار نسبة إلى صناعة الحرير، إذ كانت حرفته في أول أمره. ولد بمراكش أواسط القرن التاسع الهجري، وهو العالم العامل والشيخ الكامل، بحر العرفان ومجمع المآثر الحسان، شيخ المشايخ، وأستاذ الأكابر وجبل الفضل الشامخ، تخرج عليه من أكابر المشايخ ما لا يكاد يحصيه عد أو يحصره حد. سافر إلى فاس ودرس بها، ولقي من أهلها مظاهر الحفاوة والإجلال، وكان مقيما بمدرسة العطارين بعدما كان شيخه الجزولي -من قبل- يقيم بمدرسة الصفارين، وبقي بها إلى أن لقي الشيخ علي بن محمد صالح الأندلسي فعاد إلى بلده مراكش.