مرحلة ما بعد تشكل المدارس

التجربة الصوفية للشيخ زروق

د.طارق العلمي.

وصف زروق سياحته الصوفية ورحلة المعاناة في طلب الحقيقة والانتصار للشريعة[1] قائلا:[2]

«...طفت مشارق الأرض ومغاربها في طلب الحق، واستعملت جميع الأسباب المذكورة في معالجة النفس، وتحليت بقدر الإمكان في مرضاة الحق، فما طلبت قرب الحق بشيء إلا كان مبعدي، ولا عملت في معالجة النفس بشيء إلا  كان لها معينا، ولا توجهت لرضاء الحق إلا كان غير موف بالمقصود، ففزعت إلى اللجإ إلى الله عز وجل في الجميع، فخرجت لي في أصل ذلك علة رؤية الأسباب، ففزعت إلى الاستسلام، فخرج لي منه رؤية وجوده وهو رأس العلل، فطرحت نفسي بين يدي الله سبحانه طرحا لا يصحبه حول ولا قوة، فصح عندي أن السلامة من كل شيء بالتبري من كل شيء، والغنيمة من كل شيء، بالرجوع إلى الله في كل شيء، اعتبارا بالحكمة والقدرة، وقياما مع الطباع بشواهد الانطباع، ولما يرد من الله تعالى أمرا ونهيا وخيرا وقهرا وعبودية لا تصحبها رؤية، ورؤية لا يصحبها اعتماد، واتساعا لا يصحبه ضيق، وضيقا لا يصحبه اتساع، إلا كنت متمثلا في ذلك بقول القائل:[3]

قد كنت أحسب أن وصلك يشترى      بنفائس الأموال والأرباح

وظننت جهلا أن حــبك هيــــــــــن      تفنى عليه كــــــرائم الأرواح

حتى رأيتك تجتبى وتخص مـــن      تختاره بلطــــــــــــــائف الأمناح

فعلمت أنك لا تنـــــــــــــــال بحيلة      فلويت رأسي تحت طي جناح

وجعلت في عش الغرام إقامتي      قد كان فيه توطني ورواحي

«واعلم أني أوقفت العصيان حتى أيست من نفسي، ثم إني أوقفت موقف التخليط حتى تعبت في نفسي، ثم إني أوقفت موقف الامتحان حتى ذللت في نفسي، ثم إني أوقفت موقف الحيرة حتى خفت على نفسي، فترددت بين عالم والملكوت تردد من لا قدرة له على شيء، فعلمت أن الأسباب لإقامة الحكمة ورأسها الذلة والافتقار، فالتزمتها، فظهر لي أنها عين العلة، وانتصب لفؤادي أن الكل منه وإليه، وأن رجوعي إليه أولى من تعريجي عليه، وذلك حق الربوبية، وهذا حظ النفس في بساط العبودية، كنت مع الشريعة على نفسي، ومع الحقيقة بالحق لا بنفسي»[4]  

ومن كلامه ما كتب به شيخه أحمد بن عقبة الحضرمي في 23 رجب الفرد عام 886 هـ.

«من مقام الذلة والانكسار، ومحل المسكنة والاضطرار إلى مقام الروح، وشفاء القلب المجروح، سلام دائم عطر تتجدد على مر الأيام، وتتعطف علينا بالمبرة والإكرام، من فؤاد يتدهج وعبرات تترجرج، فريد عن الإخوان في كل بلد، إذا عظم المطلوب قل المساعد، غريب حتى من نفسه، فريد عن أبناء جنسه، قد رام الحق والتحقيق في زمن الباطل فأصبح جيده من التحصيل عاطل، لولا ما يرجوه من نفحات الرجال ولمحات السادة الأبطال الذين لا يحتاج معهم إلى تعريف الحال، ولا إلى تنبيه إلى كرم الخلال، وكيف يعرف من الحال لديه مشهود، أو يتيه من طبعه الكرم والجود، ولكن لحركات النفوس راحات، ولعالم الجسم بمثل هذه الأمور استراحات، كما قيل:

ولما أن نأت عنكم ديــــار     وحال البـــــــعد بينكم وبيني

كتبت لكم سوادا في بياض    لا نظركم بشيء مثل عيني

فيا أيها السيد الذي حبه في القلب مثبوت، ووده في كل شيء من العبد منبوت، ولم يبق للعبد تشوف إلا إليكم، وليس له معول في الوجود إلا عليكم، لا تقتلوني بالصدود وبالجفا، أنا عبدكم، وعليكم محسوب، وما شأنكم قتل المحبين ولا طرد المنتسبين، ولكن العلة منا وإلينا، وشؤم نفوسنا عائد علينا، ثم أقول كما قيل:

منوا وحثوا لصب وارفقوا وارحموا     لا خيب الله من إحسانكم أملي

إن كنت إذ بنت فالإحسان شيمتكم    وعادة العرب أن تعفو عن الزلل

ما في الورى عوض منكم ولا بدل    لا عاش لا عاش من يصبو إلى البدل

وقد علم الله ثم أنتم حقيقة الحال، إني أحب رائحة الرائحة وأقبل شرك النعال، وأقنع في نفسي بعطفة من طيف الخيال دون انتقال، لا تحسبوني في الهوى متصنعا، كلفي بكم خلق بغير تكلف، ثم أقر واعترف بالمنة في جهتكم، وارحموا من الله بها كل حسنة عظيمة، وما هو إلا الحزم على فضل الله وكرمه كما قيل:

 وإني لأرجو الله حتى كأنني    أرى بجميل الظن ما الله صانع

واعلم أن السيد إذا فتح كمل، وإذا خول مول، وإذا منح وصل، وإذا عرف جمل، وإذا أراد أغنى، وإذا توجه هنى...

....ثم أقول إن الكريم إذا وجه أفاض، وإذا رضي ذهبت الأعراض والأغراض، فكان لكل من تعلق بمحبيه نصيب في الخيرات من كراماته على يديه.

شربنا وأهرقنا على الأرض فضلة      وللأرض من كاس الغرام نصيب

فأحب لأصحابي مثل مالي ولأحبابي نسبة من حالي، لأن الكل على بابكم مطروح، وبذكركم بقلبه وقالبه مجروح، وما هو إلا ما قيل:

حاشا لفضلك أن تقنط عاصيا    الفضل أجزل والمواهب أوسع

جعلكم الله من أعظم أبوابه، ومفاتيح النسبة لجنابه، ولا حرمنا ما لديكم، وجعل قلوبنا منعطفة بالإقبال عليكم، وفتح لنا ما نؤمله من نيلكم، ثم يصلكم إن شاء الله إحرام (كذا) أهلها محسون برديه وجوده من خير كرامة، واشرف إخوان لهم صدق وهمة ومحبة وعزمة صنع بكل جارحة وباطنة ووقف فيه بكل راحلة وقاطنة، والمرجو منكم القبول وهو الظن بكم.

هدية العبد على قـــــــــــدره    فالفضل أن يقبلها السيد

ألم تر العين على فضلها    تقبل إذ يلقى لها الإثمد

وقد علمتم أني في مسرة بما كان ووقع، وقلبي بحركات دائما يتسع، وما لنا إلا في اتباع ريح القضا، وتلقي ما يصدر بالمساعدة والرضى، ولكل أجل كتاب، ثم لا نبالي حيث كنا إن كتبنا من الأحباب، لئن حالت الأسفار بالبعد بيننا، فإنا بعين الفكر ملتقيان.

الله أعلم أني لست أذكره      وليس يذكره من ليس ينساه

والسلام.

في ثالث العشرين حقا كـــــــتبه    من الشهر شهر الله قل رجب الفرد

وفي عام ست عن ثمانين نيفا    من التسعة المئين خذ قصدي

ورب العالمين المسؤول في عطف قلبكم على عبدكم مولاي في الهزل والجد، ثم أعرف مولاي أعزه الله –مع كر من الأمور- ما على العهد من الحقوق، وليدع الله لي بالخلاص منها مع الإعراض عن كل مخلوق.

ألم يكن لك وصل فعد به أملي    وما طل إن وعدت ولا تفي

فالوعد منك، وإن عز اللقاء يحلو الوصال من حبيب مسعف والسلام على مقامكم الكريم وعلى من لاذ في عالم الملك والملكوت جملة وتفصيلا والرحمة والبركة.

هوامش

 

[1] مقتطف من كتاب التصوف والأدب الصوفي، ص 241-246.

[2] أثبتنا هذا النص بالاعتماد على كل من البستان، ص 50. وكتاب المعزى، ص 424-425. مع بعض الاختلاف في الروايتين، وإن كان النص أوفى وأكمل في المعزى.

[3] ينسب زروق هذه الأبيات إلى أبي حامد الغزالي في النص الوارد بالمعزى. 

[4] الجزء الأخير من النص الواقع بين قوسين انفرد به الصومعي في المعزى. 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

العربي ابن السايح دفين الرباط (ت1309ھ-1892م)

هو العارف الذي جرت ينابيع المعارف من صدره، البحر المتلاطمة أمواج علمه وسره، الولي الشهير، القدوة الكبير، العارف بالله والدال عليه في سره ونجواه، أبو المكارم الشيخ محمد العربي بن السايح الشرقي العمري نسبة، التجاني مشربا...

سيدي سعيد أويوسف الحنصالي

هو سعيد بن يوسف بن محمد بن لحسن الحنصالي الملقب بأبي عثمان، عاش خلال القرن السابع عشر، المصادر التاريخية لا تعطينا سنة ولادته.

هو من سلالة دادا سعيد أحنصال مؤسس الزاوية الحنصالية الأم الموجودة مقرها اليوم بزاوية أحنصال، يقول في هذا الإطار صاحب نشر المثاني في الترجمة له: "ومنهم الشيخ المرابط...

أبو العباس أحمد بن محمد أحزي (ت 1127هـ)

هو الشيخ الإمام العلامة أحمد بن محمد بن يعزى بن يوسف الجزولي التملي، نسبة إلى بلد بدرعة يدعى انتملت، أحُزي (بفتح الهمزة وضم الحاء المهملة وكسر الزاي) لقبا، المنصوري مولدا، الهشتوكي شُهرة، الدرعي دارا.