دراسات وأبحاث

حاجة المجتمع المعاصر للتربية الصوفية

                                                                                      خالد عمراوي

                                                                            طالب بكلية الآداب، بني ملال

 

إن البحث عن أصل التربية في عصرنا الحالي لجدير بأن يُربط بالتصوف؛ فهو العلم الذي يهتم بالجانب التربوي والروحي في النفس الإنسانية، ويمدها بطاقة وجدانية تحرره من نزوات المادة وشهوات النفس، وتطهيرها من الأغيار والأكدار وتحليتها بالأنوار والأسرار، فتتحقق به المحبة الإلهية التي تجعل صاحبها ينظر بعين الرضا والرحمة والعطف والمودة...، والذي قال فيه الجنيد البغدادي سيد الطائفتين: "التصوف اجتناب كل خلق دني، واستعمال كل خُلق سني"،[1] وقال عنه الكتاني: "التصوف أخلاق، فمن زاد عليك في الأخلاق، زاد عليك في التصوف".[2]

          فمن المعلوم أن عصرنا هذا يعد بامتياز عصر الأزمات الأخلاقية؛ فهو عصر الشهوة والنزوة والمادة، والانحراف الخلقي والفراغ الروحي. وقد أصبحت الحاجَة اليوم ملحة إلى التصوف، ولكن بمسميات أخرى: كالتزكية، والسلوك، والتربية... فهي قضية مصطلحات ولا مشاحة عند أهل العلم في الاصطلاح.

          ولنا أن نتساءل عن حاجة العصر والمجتمع الراهن إلى تربية صوفية صحيحة وسليمة ذات أصول قرآنية ونبوية؛ والتي يُعتبر أصحاب الحقيقة القلبية وشيوخ التربية الصوفية روادها...، في وقت أصبحت فيه كل وسائل الهداية لا تجدي شيئاً: أصبحت خطب الخطباء لا تؤثر، ومواعظ الوعاظ لا تؤطر، وكتابة الكتاب لا تنور، وحِكم العلماء لا تغيِّر...

يقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: "قالوا: «إن العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال»، وهذا الكلام يقضي بأن لابد في تحصيله من الرجال"،[3] وهذا المعنى لا يتأتى إلا مع العلماء الربانيين من الصوفية الكرام أهل التربية والتزكية والسلوك؛ لذلك قال ابن القيم الجوزية في المدارج: "التصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومعية من تحبه، فإن المرء مع من أحب".[4]

وفي هذا يقول أبو الحسن الندوي في كتابه "ربانية لا رهبانية" متحدثا عن الدور الذي يجب أن يلعبه التصوف في عصرنا الراهن، يقول: "أنظر إلى بلاد ضعفت فيها الدعوة إلى الله والربانية وتزكية النفوس من زمان، ندر فيها وجود الدعاة إلى الله وتجديد الصلة بالله وإصلاح الباطن بنفوذ الحضارة الغربية أو للقرب من مركزها أو بفعل عوامل أخرى، إنك لا تشعر فيها بفراغ هائل لا يملؤه التبحر في العلم ولا التعمق في التفكير، ولا فضل من ذكاء، ولا غنى من أدب ولا نسب قريب بلغة الكتاب والسنة، ولا نعمة من استقلال، إنها أزمة روحية وخلقية لا علاج لها، ومشكلة من أدق مشكلات المجتمع لا حل لها، فالدهماء والشعب فريسة المادية الرعناء، ونهامة المال العمياء والأمراض الاجتماعية والخلقية، والمثقفون -الثقافة الدينية أو المدنية- فريسة الحرص على الجاه والمنصب، والأمراض الباطنية من حسد وشح ورياء وكبر وأنانية، وحب الظهور ونفاق ومداهنة، وخضوع للمادة وللقوة. والحركات الاجتماعية والسياسية تفسدها الأغراض وعدم تربية النفوس وضعف القادة. والمؤسسات يفسدها الخلاف والشقاق وقلة الشعور بالمسؤولية والتفكير الزائد في المادة وزيادة الرواتب.

والعلماء يضعف سلطانهم اهتمامهم الزائد بالمظاهر وخوفهم من الزائد من الفقر، وسخط الخاصة والعامة واعتيادهم الزائد للحياة الرخية الناعمة. ولا علاج لكل ذلك إلا في (التزكية النبوية)، التي نطق بها القرآن وبُعث لها الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي (الربانية) التي طولب بها العلماء في قوله تعالى: (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون). [آل عمران، 79]. إنني لا ألح على منهاج خاص من التزكية درج عليه جيل من أجيال المسلمين، واشتهر في الزمن الأخير بالتصوف...، ولكن لا بد أن نملأ هذا الفراغ الواقع في حياتنا ومجتمعنا، ونسد هذا المكان الذي كان يشغله الدعاة إلى الله والربانية والمشتغلون بتربية النفوس وتزكيتها وتجديد إيمانها وصلتها بالله، والدعوة إلى إصلاح الباطن، والعناية بالفرد قبل المجتمع...".[5]

وكما أشرنا آنفا بأن عصرنا هذا عصر الشهوة وعصر المادية وعصر النزوة، فلابد بأن نقابل هذه الأشياء بما يكافئها ويقابلها، لذلك أقول: إن التربية الصوفية وحدها هي التي تقابل ذلك : فالشهوة لا يحل مشكلتها المقال وحده بل لابد من الحال ولابد من البيئة والتربية، والمادية لا تكافئها الكلمة وحدها بل لابد من الشعور والذوق والإحساسات الإيمانية مع المقال، والتمرد لا يعالج بالكلمة وحدها، بل يعالج بالإخبات إلى الله والتقوى والورع والأدب؛ وبالتالي فإننا "بدون الاستفادة من التجربة الصوفية قد لا نستطيع أن نعالج الكثير من أمراض النفس البشرية التي عقدتها مسيرة الحياة وطبيعة العصر، فكما أن الكثير من المسائل اليومية احتجنا للإجابة عليها لرأي الفقيه، فإن الكثير من المسائل العقلية والروحية والنفسية نحتاج فيها لتجربة المجرب وسالك هذا الطريق".[6]

وبذلك يبقى الحديث عن التربية الصوفية في وقتنا الراهن أمرا ملحا، والحاجة إليها ضرورة أكيدة، لأنها الكفيلة بتوجيه الإنسان نحو طريق الهداية والسمو الأخلاقي والرقي في مدارج السالكين...

 

الهوامش:


[1] - اللمع، أبو نصر السراج الطوسي (ت378ھ)، تحقيق: عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، د.ط، 1423ھ/2002م، ص: 296.

[2] - الرسالة القشيرية، عبد الكريم بن هوازن القشيري، ط2، بيروت، 1990م، ص: 242. انظر كذلك: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1983م، 2/ 320.

[3] - الموافقات للشاطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 7، 2005م، 1/64.

[4]- مدارج السالكين، 2/307.

[5] - ربانية لا رهبانية، أبو الحسن الندوي، دار القلم بدمشق والدار الشامية ببيروت، ط1، 2000م، ص ص: 23-25.

[6] - تربيتنا الروحية، سعيد حوى، دار عمار، بيروت، لبنان، 1989م، ص ص: 18-20.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله وجهوده لإثراء الحركة العلمية

    إنه لمن دواعي افتخاري -بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة أحد فحول علماء سوس- أن أسهم في تسليط بعض الضوء على علَم العلماء بحاضرة سوس العالمة، والذي ستظل حياته العلمية والعملية صفحة من صفحات السجل الذهبي الذي يفتخر به المغرب على شاكلة العلماء المغاربة رحمهم الله، الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة أبواب من الثقافة المغربية، وظل وسيظل نجما ساطعا في سمائها.

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

قبسات من درر العارفين (7)

آثار ابــن زكــري

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

نيل السعادات بملازمة دلائل الخيرات

 

 

 









شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

    هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان». وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش...