قضايا صوفية

الذكر مع الجماعة

إسماعيل راضي                                                                                                              

مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

 

الذِّكر من أيسر العبادات وأفضلها كما أكدت ذلك عدة نصوص، منها:

قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ألا أُنْبِئُكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب والوَرِق (الفِضّة)، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله".[1] 

وقوله عليه الصلاة والسلام: "ليس يَتَحسَّر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرّت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها"،[2] والتحسر في الجنة إنما يكون لهم حين يرون مقامات الذاكرين من فوقهم وتنكشف رُتبهُم ودرجاتهُم، فإذا انكشف الغطاء يوم القيامة عن ثواب عباداتهم وأعمالهم... لم يروا ثوابا أفضل من ذكر الله تعالى...

والعبادة مع الجماعة تزيد في الفضل على العبادة في حالة الانفراد؛ ففي الجماعة تلتقي القلوب، ويستقي الضعيف من القوي، والمُظْلِم من المُنَوَّر، والكثيف من اللطيف، والجاهل من العالم، وهكذا... وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب بالذكر الجماعي، منها:

• ما رواه البخاري في صحيحه، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرتُه في ملأ خير منهم".[3] 

• وعند الترمذي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلَقُ الذكر".[4] 

• وروى مسلمٌ في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده".[5] 

وقد أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على استحباب ذكر الله تعالى جماعةً لما فيه من الفضل، واستنهاض الهمم، ورَفْعِ جُملةٍ مِن الحُجب التي لا يُؤثِّر فيها الذكر المنفرد.

في حين أنّ الذكر المنفرد له أثر فعال في صفاء القلب وإيقاظه، وتعويد المؤمن على الأنس بربه، والتنعم بمناجاته، والشعور بقربه؛ ويكفي في ذلك أنّ من السبعة الذين يُظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: "رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه".[6]

هكذا رغَّب الشرع في الذكر بنوعيه: المنفرد ومع الجماعة.

 

الهوامش:


[1]- رواه الترمذي في "السنن"، كتاب الدعوات، دار الحديث، القاهرة، 2005م، ج5 ص289. رواه كذلك ابن ماجه في "السنن"(ح9730)، وأحمد في "المسند" (ح59112)، والحاكم في "المستدرك" وقال حديث صحيح.

[2]- "تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي" دار الحديث، القاهرة، 2001م، ج6 ص176.

[3]- أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب التوحيد، دار الحديث، القاهرة، 2004م، (4/426).

[4]- أخرجه الترمذي في "السنن"، كتاب الدعوات، دار الحديث، القاهرة، 2005م، (5/355).

[5]- صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، دار بن حزم، ص1448.

[6]- أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب أبواب صلاة الجماعة، دار الحديث، القاهرة، 2004م، (1/169)، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الرضا ترك الاختيار

هو من أسمى المقامات وأرفع المراتب القلبية، إذا تحقق به المؤمن استطاع أن يتلقى نوائب الدهر وأنواع المصائب بإيمان راسخ، ونفس مطمئنة، وقلب ساكن، بل قد يشعر بالسرور والفرح بمُرِّ القضاء، علما منه أن ربّه وحبيبه هو الذي ابتلاه، لأن "الله سبحانه مالك الملك، يتصرف فيه بمقتضى حكمته ومشيئته، وكل تصرف منه إنما يجري وفق مشيئته التي وضعها في الكون وقوانينه المضطردة في الوجود...

جديد قضايا صوفية

جديد قضايا صوفية

الرضا ترك الاختيار

اليـقيـن ارتفاع الريب في مشهد الغيب

الأوصاف النموذجية للشيخ المربي

لا تَسْكُنْ إلى نَفْسِك...

رسالة في التربية الصوفية للشيخ اليوسي 2

 

           

    

اليـقيـن ارتفاع الريب في مشهد الغيب

     هو من الإيمان بمنـزلة الروح من الجسد. وبه تفاضل العارفون. وفيه تنافس المتنافسون. وإليه شمر العاملون. وعمل القوم إنما كان عليه. وإشاراتهم كلها إليه. وإذا تزوج الصبر باليقين: ولد بينهما حصول الإمامة في الدين. قال الله تعالى وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾