دراسات وأبحاث

فن المولديات

مصطفى بوزغيبة                                                                                                                                مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة 

ظهر بالمغرب فنٌّ شعريٌّ ارتبط بالاحتفالات العظيمة المقامة بمناسبة المولد النبوي الشريف سُمِّي "بالمولديات"، والتي اهتم أصحابها بمدح النبي صلى الله عليه وسلم وحكاية قصة مولده الشريف، وقد بدأت بوادر هذا الفن في عصر المرابطين حيث خص الشعراء النبي صلى الله عليه وسلم بقصائد تمدحه وتذكر شمائله وخصائصه وبركاته... من ذلك:

قصيدة الشقراطيسية لأبي عبد الله الشراقطيسي المتوفى سنة 466هـ التي جاء فيها :

                   ضاءت لمولده الآفاق واتصلت      بُشرى الهواتف في الإشراق والطّفَل

                  خير البرية من بدوٍ ومن حضرِ      وأكـرم الخلـق من حـافٍ ومُنتَعِلِ

وكذلك قصيدة ابن أبي الخصال، كاتب السلطان علي بن يوسف بن تاشفين المتوفى سنة 540هـ ، المسماة: "معراج المناقب ومنهاج الحسب الثاقب"، جاء فيها:

                  إليك فهمي والفــؤاد بيـثرب      وإن عاقني عن مطلع الوحي مغربي

وأمام هذا الثراء الثقافي والمجتمعي نجد القاضي عياض يؤلف كتابه القيِّم "الشفا" الذي طار مشرقا ومغربا، واحتفل الناس به إلى درجة أنهم اتخذوه وِرْدا تلهج به ألسنتهم، مما يعبِّر عن الحرص الأكيد للمغاربة وتشبثهم الكبير بالنبي صلى الله عليه وسلم وشوقهم العظيم إليه، وما قصيدة البردة والهمزية للإمام البوصيري الصوفي المغربي الأصل إلا أُنْمُوذج على ما نقول، حيث يعتبره الدارسون الشاعر الذي أوجد هذا الفن متكاملا متميزا بخصوصياته وبملامحه التي طبعته على امتداد العصور.

وفي عصر الموحدين، ومع احتفالاتهم بالمولد النبوي الشريف، بدأ هذا اللون من الأدب ينمو ويأخذ بُعدا آخر، نذكر في هذا السياق الشاعر والأديب أحمد بن الصباغ الجذامي الذي نظم قصيدة  في منتهى الروعة، قال فيها:

              تنعم بذكر الهاشمي محــمد     ففي ذكره العيش المهنأ والأنـسُ
              أيا شاديا يشدو بأمداح أحمـد     سماعك طيب ليس يعقبُه نكــس
              فكررْ رعاك الله ذكرَ محمــد    فقد لذت الأرواح وارتاحت النفـس 
             وطاب نعيم العيش واتصل المنى   وأقبلت الأفـراح وارتفـع اللبـس
              له جمع الله المعاني بأسرهـا    فظاهره نور وباطنه قـــــدس
              فكل له عرس بذكـر حبيبـه    ونحن بذكر الهاشميِّ لنــا عـرس

وما يزال أحد أبيات هذه القصيدة حتى يومنا هذا بمثابة لازمة ينشدها المادحون والمُسمِّعُون في حلقاتهم، وهو قوله:

            وقوفا على الأقــدام في حق سيـِّـد     تعظمه الأمـلاك والجن والإنــس

وفي عهد السعديين اعتنى الشعراء بهذا اللون الأدبي ورجعوا في بنائه وهيكلته إلى نمط الشعر القديم مثل قصيدة بانت سعاد حيث يفتتحون بمقدمة ثم يمدحون النبي صلى الله عليه وسلم ويبينون خصائصه وشمائله ومِنَّته على العالم، ثم يختتمونه بمدح السلطان والدعاء له، نذكر أبرز شعراء تلك المرحلة: القاضي أبو القاسم بن علي الشاطبي رحمه الله، والعلامة مفتي الحضرة أبو مالك المولى عبد الواحد بن أحمد الشريف الفيلالي، وكذلك الوزير القائد أبو الحسن علي بن منصور الشيظمي رحمه الله، الذي يقول في أحد مقتطفات من شعره:

            هل أنزلن بها المخصـب من مـنى       وأزور بعد معاهد الزوراء

            فأحـط عنها الرحــل ثم مخيمـا        في ظل أحمد بغيتي ومنائي

           وأمرغ الخديــن ملتثما ثـــرى        وطئته رِجْلا خاتم النبئــاء

           محيي الهدى ماحي الضلالة والردا         بالبيض والخطية السمـراء

الاستقصا 2/342.

والكاتب أبو فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالي رحمه الله الذي يعبر عن شوقه للديار المقدسة وللجناب المحمدي بقوله:     

          أحـــب تلك المعــاهد إنها      معاهد راحتي وروحي وريحـاني

         وأهفو مع الأشواق للوطن الذي      به صح لي أنسي الهني وسـلواني

         متى يشتفي جفني القريح بنظرة      يزج بها في نوركم عين إنسانــي

          محمد خير العالمين بأسرهـا       وسيد أهل الأرض الإنس والجــان

 الاستقصا 2/345.

واستمر تطور هذا اللون الأدبي مع الاحتفالات العظيمة والمواسم الجليلة المقامة بهذه المناسبة في العهد العلوي الشريف حيث عمل المختصون بفن المديح والسماع على تأليف مجاميع هي عبارة عن دواوين جمعوا فيها القصائد المولدية وغيرها من المقطعات الشعرية الموزونة والملحونة والموشحة مما يتغنى به المسمعون، وعمدوا إلى ترتيب أشعارها وتبويبها، ومن هذه المجاميع:

- "ديوان الأمداح النبوية وذكر الطبوع وبيان تعلقها بالطبائع الأربعة"، لأبي العباس أحمد بن محمد بن العربي أحضري الذي كان حيا أواخر المائة الثانية عشرة هـ. وقد جمع فيه ما اهتدى إليه من القصائد والمقطعات المولدية، وأكثرها من الشعر الموزون، وجعل كل واحدة منها مع ما يناسبها من الطبوع التي حصرها في ثلاثة عشر طبعا {مخطوط في ملك الأستاذ محمد المنوني}.

- "فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار"، للحاج محمد بن العربي الدلائي الرباطي المتوفى سنة 1285 هـ. وفيه جمع ما ينشده المسمعون في مجالس الأمداح النبوية، ورتبها في واحد وعشرين طبعا تخرج ثلاثة منها عما تضمنته شجرة الطبوع عند محمد بن الحسين الحايك.

- "استنزال الرحمات بإنشاد بردة المديح بالنغمات"، لأبي عبد الله محمد العابد بن أحمد ابن سودة الفاسي المتوفى سنة 1359 هـ /1940 م. ويتضمن المجموع قصيدة البردة والقصائد والموشحات والأزجال والهمزية، وكلها مرتبة في ثلاثة عشر طبعا.

وقد تعددت نصوص المولد في ما ألفه المغاربة، ذكر منها محمد الباقر الكتاني خمسين مولدا ساق أسماءها جميعا في كتابه "روضات الجنات في مولد خاتم الرسالات".

وتتم قراءة الموالد وفق طريقة منغمة، وهي ما يُعرف في المشرق العربي باسم "المنقبة النبوية". والعادة أن يكون إنشاد قصة المولد وفق أسلوب يمتزج فيه الإنشاد الفردي بالإنشاد الجماعي.

ونختم ببعض مقتطفات من تائية العلامة سكيرج رحمه الله المسماة: "تائية المنى والسول في ذكر مولد مولانا الرسول":

                وفي ليلة الوضع الشريف تفتحــت      جنان من الرضوان والنار سدت

               وزهر النجوم قد تدلت وأشرقـــت       ببهجتها الأرجاء من كل بقعــة

               فقم مظــــهرا إجــلاله بتـأدب      وسلم عليه كــي تفوز بعطفـة

               وقل مرحبا بالمصطفى سيد الــورى     عليك من المولــى أتم التحيـة

              عليك سـلام الله يا كامــل البهــا      عليك سلام الله يـا خير صفـوة

              عليك سلام الله يـا بهجـة العـــلا     عليك سلام الله  يـا بحر حكمـة

              عليك سلام الله يا خيــر مرســـل    عليك سلام الله يا خير أمــــة

              عليك سلام الله يا عـلم الهــــدى    عليك سلام الله يا عين رحمـــة

              لعلك أن تحـظى بــرد سلامـــه     ورد السلام منه خير ذخيــــرة

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله وجهوده لإثراء الحركة العلمية

    إنه لمن دواعي افتخاري -بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة أحد فحول علماء سوس- أن أسهم في تسليط بعض الضوء على علَم العلماء بحاضرة سوس العالمة، والذي ستظل حياته العلمية والعملية صفحة من صفحات السجل الذهبي الذي يفتخر به المغرب على شاكلة العلماء المغاربة رحمهم الله، الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة أبواب من الثقافة المغربية، وظل وسيظل نجما ساطعا في سمائها.

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

قبسات من درر العارفين (7)

آثار ابــن زكــري

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

نيل السعادات بملازمة دلائل الخيرات

 

 

 









شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

    هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان». وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش...