دراسات وأبحاث

خصائص الممارسة الصوفية بالمغرب: الطريقة الجزولية نموذجا

مصطفى بوزغيبة                                                                                                                                باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

التصوف ثابت من ثوابت الهوية الدينية المغربية بجانب المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وإمارة المومنين، وقد درج علماؤنا رحمهم الله على التشبث بهذه الركائز وتحصينها في وجدان المغاربة على مر العصور. واختيار المغاربة للمسلك الجنيدي لم يكن اعتباطا ولا تقليدا، وإنما كان عن محض تدقيق وتمحيص ولما هو ملائم، والاتجاه العام السائد في المغرب، وهو: الاهتمام بالجانب العملي للتصوف، أي التخلق بالأخلاق الفاضلة والتدرج في مقامات السلوك للوصول إلى ملك الملوك.

وجميع الطرق الصوفية منسجمة مع هذا التوجه العام وبخاصة الطريقة الجزولية لمؤسسها محمد بن سليمان الجزولي مجدد الطريقة الشاذلية ومحييها، حيث أعاد تنظيمها ونشرها بالمغرب على أسس سنية متينة.

وفي هذه الورقة سنسلط الضوء على خصائص ومميزات الممارسة الصوفية بالمغرب وبالتحديد الطريقة الجزولية في ثلاثة محاور:

المحور الأول: الخاصية التكاملية.

المحور الثاني: البعد عن التجريد.

المحور الثالث: خدمة قضايا الأمة.

هذه الخصائص شكلت محط اهتمام وفخر وعز للمغاربة ورصيد ينضاف في سجل الحضارة الإسلامية ككل.

 المحور الأول: الخاصية التكاملية:

إن الباحث في تاريخ التصوف بالمغرب يتضح له بكل جلاء بأن الصوفية يتميزون بالوسطية والاعتدال، والجمع بين مكونات الإنسان المادية والروحية، بل كل ذلك منضبط عندهم انضباطا تاما لا إفراط فيه ولا تفريط، حيث جمعوا بين التصوف والتفقه وبين المجاهدة والجهاد.

1- الجمع بين التصوف والتفقه:

عمل السادة الصوفية على الجمع بين العمل الأخلاقي أو الممارسة السلوكية الصوفية والفقه، في إطار وحدة متكاملة لا يمكن الفصل بينها وتجزيئها، فالفقه عندهم مفهوم شامل يشمل الأحكام التكليفية العملية والأحكام التكليفية القلبية. إلى درجة أن "التصوف المغربي إلى جانب الفقه المالكي كان له الأثر الفعال في توجيه كل الأفكار والسياسات التي جرت في بلادنا، فالفقه والتصوف عنصران أساسيان في تكييف المجتمع المغربي وتسييره".[1]

فلا تكاد تجد عالما يشتغل بالفقه أو الحديث... إلا وله نصيب من التصوف، ولا تكاد تدخل زاوية من الزوايا المغربية إلا وفيها جناح خاص للتعليم والتدريس.

والطريقة الجزولية في شخص شيخها محمد بن سليمان الجزولي، أول ما نشئ عليه هو: تعلم العلم "فكان بفاس بمدرسة الصفارين بها، وبيته بها مشهور معروف".[2]

وكان رحمه الله من الأعلام في المذهب المالكي، فقد ذكر صاحب "كفاية المحتاج" عن الجزولي أنه كان يحفظ فرعي ابن الحاجب، وقال غيره: إنه كان يحفظ المدونة، ووصفه التنبكتي في "نيل الابتهاج" بالعلم والولاية[3].

ومن كلام الجزولي رحمه الله في أهمية تعلم العلم وبخاصة العلم الشرعي المقرون بالعمل: "العلم دواء والجهل داء، العلم ولاية والجهل عداوة، العلم صفة المومنين والجهل صفة الكافرين".[4]

كما أن طريقته مبنية على التمسك بالكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة والعمل بهما ظاهرا وباطنا، وكثيرا ما حث مريديه على ذلك، يقول رحمه الله: "قيل لي: قل للمريدين يتأدبوا بآداب السنة".[5]

شهد له العامة والخاصة بصلابة دينه وإيمانه لا يخاف في الله لومة لائم، يقول صاحب الإعلام: "وكان واقفا على حدود الله، عاملا بكتاب الله، محافظا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كثير الأوراد".[6]

2- الجمع بين المجاهدة والجهاد:

يتميز التصوف بالمغرب بخاصية الفاعلية، والبعد عن الكسل والبطالة والخمول.

وتاريخ التصوف هو تاريخ الجهاد والمجاهدة فهما متلازمين لا ينفكان.

فمفهوم الجهاد عند الصوفية مرتبط بمفهوم المجاهدة، يقول الراغب الأصفهاني في مفردات غريب القرآن: "الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج/78]، {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} [التوبة/41]، {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} [الأنفال/72]".[7]

فلا مجاهدة بدون جهاد، ولا جهاد بدون مجاهدة، هذا التلازم الذي يغفل عنه الكثيرون ويتهم الصوفية بالخمول وعدم مقاومة العدو والاستكانة إلى ما يسمى بالتواكل، وأن ذلك قضاء الله قضاه على هذه الأمة، لا مفر منه، ولا دافع له ولو عملنا كل ما بوسعنا أن نعمله، ويستدلون ببعض قضايا الأعيان وعمموا الحكم على كل الصوفية بمقتضاها، وهذا من الظلم الشنيع عليهم والافتراء على التاريخ الناصع الذي خلد لنا أسماء وأعلاما يمثلون رموزا للجهاد والدفاع عن حوزة الوطن، بل صاروا مصدر إلهام وقوة واستمداد لمن أتى بعدهم.

يقول أبو تراب النخشبي[8]:

                     ومن الدلائل أن تراه مسافرا       نحو الجهاد وكل فعل فاضل

ويقول سامي النشار: "وضع الصوفية المرابطة في الثغور شرطا من شروط التصوف".[9]

والطريقة الجزولية عُرفت بدورها الفعال في استنهاض الهمم وحشد الجموع للجهاد، في فترة عرف فيها المغرب بالضعف والاقتتال الداخلي، حيث عرفت دعوته استجابة كبيرة لدى الأوساط الشعبية، الأمر الذي جعل بعض القواد وأصحاب السلطة يتضايقون من هذه الزاوية وأتباعها، ومن كلامه رحمه الله في هذا الصدد: "دولتنا دولة المجتهدين المجاهدين في سبيل الله القاتلين أعداء الله".[10]

المحور الثاني: البعد عن التجريد:

انتهج الصوفية المغاربة منهجا يتسم بالبساطة والوضوح وعدم التعمق والتوغل فيما ليس تحته عمل، والالتزام بحدود النص الشرعي وعدم الإغراق وإطلاق الحقائق، بل يعتبرون ذلك استدراجا وامتحانا فيتعوذون مما ينكشف لهم "ويفرون منه، ويرون أنه من العوائق والمحن"[11] وهذا ينسجم مع المحيط العام السائد في المغرب.

بالإضافة إلى ذلك يرى العلامة علال الفاسي سبب هذا التميز في كون معظم الصوفية من "أهل العلم بأصول الدين وفروعه، ولذلك فهم يعرفون كيف يُكيِّفون آراءهم، وقلَّما تجدهم مصطدمين مع العلماء كما وقع في المشرق العربي...".[12]

كما يمكن أن نرجعه لسبب آخر وهو: أن دعوة الصوفية عامة، بمعنى أنها تهدف إلى نشر المبادئ الروحية وتبسيط أمور الدين للعامة، من غير تكلف ولا تعقيد ولا تشويش. وهذا الأمر يذكرنا بما وقع للإمام مالك حين سأله "رجل عن شيء من علم الباطن. فغضب وقال: إن علم الباطن لا يعرفه إلا من عرف علم الظاهر، فمتى عرف علم الظاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن، ولا يكون ذلك إلا مع فتح قلبه وتنويره".[13]

فطريقتهم طريقة عملية سلوكية واقعية، تراعي ظروف وواقع الناس، وهذا هو منهج طريقة الجزولي؛ نستشف ذلك من خلال أقواله وأحواله ومنهج تربيته للمريدين.

فأقواله تصب في أحكام السير إلى الله تعالى والترغيب في قطع المقامات والمنازل للوصول إلى حضرة ملك الملوك، والترهيب من الغفلة عن الله   وصحبة الغافلين...

أما أحواله رضي الله عنه فجل أوقاته مستغرق في الذكر وقراءة القرآن والصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتأليف الكتب...

أما منهج تربيته للمريدين فيعلمهم أحكام العبادات والمعاملات ويربيهم على العمل بالكتاب والسنة والاجتهاد وطرح البطالة والخمول...

وبهذا المنهج العملي اكتسبت طريقته شهرة ومكانة عظيمة لدى الناس، كما "ضمن لنفسه المحافظة على وحدة الأمة بعدم الخروج على إجماعها (الاتجاه السني)".[14]

المحور الثالث: خدمة قضايا الأمة:

إن ما يتميز به التصوف المغربي هو قربه من الواقع المعيش واحتضانه لمشاغل وهموم الأمة عبر خدمة قضاياها وانشغالاتها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية وتحقيق المصالحة بين القبائل المقتتلة و حقن الدماء والسهر على تحقيق الوحدة بين مختلف مكونات المجتمع المغربي ونشر الإسلام وترسيخ قيمه في وجدان وروح المغاربة...

وطريقة الجزولي ليست بمعزل عن الواقع بل حملت على عاتقها رسالة إنقاذ المجتمع من براثن الجهل والتعصب... إلى رحاب الروحانية الإسلامية.

ومن مواقفه رحمه الله التي آثر فيها توحيد الأمة ونزع فتيل الصراعات التي كادت تعصف باستقرار المجتمع وأمنه ما حكاه التنبكتي: "وكان ببلاده (سوس) وقت قتال انفصل فيه الصفان عن قتيل تبرأ كل من قتله ولم يحضره هو، فأراد إصلاحهم فقال لهم: أنا قتلته، وعادتهم إخراج القاتل من بينهم فيصطلحوا، فخرج لطنجة"،[15] فهدى الله به رجالا صاروا منارات للناس وتاب على يده خلق كثير.

وما يشهد على جهود هذه الطريقة في نشر العلم والمعرفة والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم علما وعملا وسلوكا وذوقا وإزالة ظلمات الجهل والوهم في صفوف أفراد المجتمع هو كثرة المريدين الذين التفوا حول شيخ الطريقة ومجدد منارها محمد بن سليمان الجزولي، والذي قُدر عددهم بنحو اثنا عشر ألفا وتسعمائة وخمسة وستون.

وكذلك كثرة الطرق المتفرعة عن طريقته المباركة.

كما يعتبر كتابه المتميز "دلائل الخيرات" محط اهتمام وتقدير وعناية لدى الخاص والعام، داخل المغرب وخارجه، فقد انكب عليه العلماء بالشرح والتوضيح، وتبيين فضائله وإبراز خصائصه واستخراج كنوزه ودرره، والنسج على منواله، كما لهجت به ألسنة الناس على مختلف طبقاتهم، وتعهدوه بالحفظ والتلاوة آناء الليل وأطراف النهار.

 خلاصة:

وفي الختام يتضح لنا أن الطريقة الجزولية منسجمة في مبادئها وأسسها مع المناخ العام السائد في المغرب، وهو: الاتجاه السني العملي، فقد أعطت للتصوف المغربي مكانة مرموقة تنضاف إلى تلكم الصفحات المشرقة والمضيئة من تاريخ بلدنا خاصة وتاريخ الأمة الإسلامية عامة، بفضل جهود محيي الطريقة الشاذلية ومجدد التصوف سيدي محمد بن سليمان الجزولي رحمه الله، والذي استطاع ترسيخ هويتنا الروحية وتبيين معالمها وأسسها مع تميزه رحمه الله بحبه وشغفه بذات المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام من خلال تأليفه "دلائل الخيرات" وما لقيه من قبول تام حيث أجمعت عليه الأمة الإسلامية، وهذا بحد ذاته يعتبر من الدروس العظيمة في جهود الصوفية المغاربة في توحيد الأمة روحيا وفكريا، وتقوية أركانها وفرض هيبتها، مما زاد من شرف ومكانة المغرب لدى المشارقة.

الهوامش:


[1] - التصوف الإسلامي في المغرب، علال الفاسي، إعداد عبد الرحمن بن العربي الحريشي، مطبعة الرسالة، الرباط، بدون ط، ت، ص: 21.

[2] - الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، العباس بن إبراهيم السملالي المراكشي، راجعه عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، الرباط، ط2، 1420هـ/1999م، 5/49.

[3] - نيل الإبتهاج، 2/229.

[4] - الإعلام، 5/72.

[5] - المصدر السابق نفسه، 5/71.

[6] - المصدر السابق نفسه، 5/84.

[7]- المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، 1/131-132.

[8]- إحياء علوم الدين، 4/422.

[9]- نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، 3/1194.

[10]- الإعلام، 5/48.

[11] - مقدمة ابن خلدون، 3/1002.

[12] - التصوف الإسلامي في المغرب، ص: 21.

[13] - ترتيب المدارك، القاضي عياض، تحقيق: علي عمر، مكتبة الثقافة الدينية، ط1، 1430هـ/2009م، 1/188.

[14] - بحوث في التصوف المغربي، حسن جلاب، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، ط1، 1995م، ص: 113-114.

[15] - نيل الابتهاج، 2/545.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله وجهوده لإثراء الحركة العلمية

    إنه لمن دواعي افتخاري -بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة أحد فحول علماء سوس- أن أسهم في تسليط بعض الضوء على علَم العلماء بحاضرة سوس العالمة، والذي ستظل حياته العلمية والعملية صفحة من صفحات السجل الذهبي الذي يفتخر به المغرب على شاكلة العلماء المغاربة رحمهم الله، الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة أبواب من الثقافة المغربية، وظل وسيظل نجما ساطعا في سمائها.

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

قبسات من درر العارفين (7)

آثار ابــن زكــري

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

نيل السعادات بملازمة دلائل الخيرات

 

 

 









شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

    هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان». وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش...