دراسات وأبحاث

قراءة في كتاب: التصوف بين المدارسة والممارسة

            تأليف الدكتور راضي إسماعيل

رئيس مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بوجدة

                                  بقلم: أد. محمد علوي بنصر

يُعد الكتاب مصباحا منيرا وسراجا وهاجا في بابه، عالج موضوعا عزّ فيه الكاتبون وقلّ فيه الناصحون، تعدّدت الفرق والأتباع، وقل الآخذون بعلم القوم، فكثر الدجل والانحراف، والشعوذة والتخرص، فجاء الكتاب ليكشف الغطاء، ويزيل الالتباس، ويظهر ما خفي وغاب من حقائق التصوف، فقرب المورد من المريدين، وسلك بهم سبيل المتقين، وكان فتحا من الله على المؤلف أن يكتب في مثل هذا الموضوع، ويقتحمه بعزيمة السالكين، ويقين المجاهدين، فذلل الصعب، ووطئ السهل، فكان الكتاب تحفة بل عروسا زفت إلى القلوب الظمآنة، والنفوس الحيرانة، فروت منهم الغلة، وسقت منهم الجدب، فأسالت العبر، وأفاضت الشجن، فالقلوب واجفة، والأبصار خاشعة، فعِلْم كل سالك أنه وإن غاص في علم القوم، وإن بذل من الوسع ما شاء الله أن يبذل، لن يفيد شيئا إذا لم ترفع الحجب، ولرفعها جاء الكتاب متحدثا إليك أيها القارئ الكريم، مثيرا فيك الشوق، وباعثا فيك الرغبة، ومجذرا فيك الإلحاح، لتسلك سبيل المقبلين على الله، تلجه متلهفا وأنت راض عن نفسك، مطمئن الخاطر منشرح الصدر، صارفا كل وقتك في العبادة والذكر، والتأمل والنظر، بعد أن تسلحت بالعلم.

قدّم المؤلف ذلك في أسلوب واضح كل الوضوح، لا ترى فيه عوجا ولا أمتا، لا غموض فيه ولا تلغيز، شأن بعض الكتابات الصوفية التي تغرقك في الرمز والإشارة، وإيجاز العبارة، وغياب البيان، فتحتاج إلى شارح لن تعثر عليه، وإلى مفهم لن تتعرف إليه، فتنصرف عنه ولم يحصل لك المراد، وهذا ما لم يرده المؤلف، فتقرأ الكتاب وأنت عاض عليه بالنواجذ، فيه من العلم ما لم تألفه، ومن البيان ما لا تستطيع أن تجاريه فيه، ينفذ إلى قلبك فيفيض إشراقا، وإلى ذهنك فيزداد انفتاحا، يسحرك بوضوحه ويقنعك بحججه، فيه من الآيات والأحاديث ما يبهرك، وفيه من النصوص ما يعزز فهمه، ومن الشواهد ما يؤيد دعواه، ومن الإحالات ما يؤكد تحليله، ومن الإشارات ما يزيل الالتباس ويقرب من فهوم الناس، فتقرأ وتقرأ وتعيد وأنت في لهفة لما تعيد، وتحدث نفسك، إذا كان التصوف بهذا الجمال ومعانيه بهذا الجلال، يقربك من المعبود ويطهرك لتكون أهلا للشهود، فمرحى مرحى، إنه كتاب يحبّب إليك التصوف حتى تجد نفسك راغبا فيه مقبلا عليه مندمجا فيه، فأنت إذن تعشق التصوف أليس كذلك؟ وتحب أن تكون من زمرة المتصوفة دون أن تحس كيف حدث ذلك، ولا كيف تسلل إلى قلبك، فأخذ بمجامع روحك ويصبح همك أن تتطهر بماء التوبة لتشرب من عين  التسنيم لعلك تجد لنفسك مكانا في مقام أمين، وتتلفع ببرد اليقين لتحصل لك السكينة والاطمئنان والتمكين، بعد المحو والتجريد، فها أنت في درب السالكين في مقعد صدق مع ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم...).

الكتاب يحيلك على ثلة من المصادر الأصلية لتزداد معرفة بأسرار التصوف وكيف تعرج في أبوابه وتتفهم معانيه لتنتقل من المدارسة إلى الممارسة، فلا تقنع بالدون بل تجتهد بالمعرفة والعبادة، لأنهما السبيل الوحيد إلى ما تريد، وليس مجرد الاتباع، والكتاب يضع أمامك خططا وسبلا إلى الوصول، كما يضع أمامك نماذج من رجاله فلا بد لك أولا وأخيرا من أن تعرف- حتى لا تزلّ قدمك- المدارسة والممارسة.

 ولتعرفهما حتما  يجب أن تنظر في ذاتك، أن تنظر إلى نفسك من داخل نفسك لتظهر لك العيوب والأمراض التي تحول بينك وبين ما تريد من رفع الحجاب، وانفتاح الأبواب، فكل سالك أولا في قلبه مرض، ومعرفة ذلك والإقرار به مع التوبة النصوح بداية الطريق، لذا يجب أن تحدد: ماذا تريد من التصوف؟ وماذا تقصد من وراء الأخذ بأسبابه؟ وهل أنت مستعد لتهجر دار التخلي وتستوطن دار التحلي؟ هنا الغفلة والعجب والرياء! وهنا التردد والحيرة والشك! وهنا الميل والشهوات والخواطر وحديث النفس!.. هذه بعض أمراضك... والإشارة غير كافية ولا شافية، لأنها منطلق المدارسة ونقطة البدء، ونقطة البدء تكون من الفقه، فلا يلج أحد على القوم وهو جاهل مما يعرف من الدين بالضرورة، وقد قال قائلهم: من تفقه ولم يتحقق فقد تفسق، ومن تحقق ولم يتفقه فقد تزندق... ومن جمع بينهما فقد تحقق... ومن ثم يجاهد السالك نفسه ليعرج المقامات وقد تسلح بالأذكار- ولكل مقام أذكاره، كما ذَكر الساحلي في بغيته- ليسلك سبيل المحسنين عله يكون من المقربين (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا).

صدر المؤلف كتابه بفصل عن مكانة التصوف وعلاقته بالعلوم الإسلامية، فإذا هو يميط اللثام عن حقيقة غائبة عن الأذهان وهي أن الثقافة الإسلامية متداخلة، متشابكة، متكاملة، يرتبط بعضها ببعض، ومن ثم يصبح التصوف حاضرا في كل العلوم، مرتبطا بها، مكملا لها، مستمدا منها ليس مستقلا بعلم، لأن الصوفي وهو باحث دارس بامتياز، يمتلك كل الأدوات الإجرائية التي تمكنه من تحليل النصوص المعتمدة، والتي تقدم له معنى يراه أحيانا غير موصل للمطلوب، لكي يصل إلى المعنى المطلوب فإنه يستفت قلبه- والقلب في لغة المتصوفة هو موطن العلم اللدني أو الفتح الرباني- ويستبطن ذاته (ونفخت فيه من روحي) عله يصل إلى عالم الأسرار الذي يفتح له نافذة من التجليات تنبهر لها النفوس، وتقصر عنها العقول، لعله يرى بعضا من آيات ربه، إنه يستجلي المعنى الغائب، ونلحظ هذا في تفسيرهم لآيات من القرآن والأحاديث، فنراه يستخلص معنى غير الذي تقدمه تلك العلوم التي هي في نظرهم ليست وسيلة كافية لاستحضار الغائب، وإنما هي أداة لمجرد الوقوف على المعنى الظاهر السليم، بعيدا عن التأويل المشبوه، والرأي السقيم...

يقع الكتاب في ثلاثة أبواب، يضم الأول وعنوانه: «التصوف: مكانته وتجلياته»، خمسة فصول. ويضم الثاني وعنوانه: «التصوف: منهجه ووسائله» ثلاثة فصول. ويضم الثالث وعنوانه: «التصوف: ممارسوه ومنصفوه» وفيه فصلان، فهي في المجموع عشرة فصول، وتحت كل فصل بحوث فرعية جاءت بعناوين مثيرة وغير مألوفة مثل: (ثكلتك أمك يا زياد...،كأنك تراه...، عرفت فالزم...) تدعو للتساؤل ومدى مطابقتها للمضمون، ولكنك حين تطلع عليها وتطمئن إليها، وترى فيها دعوة صريحة للإقبال على التصوف، تعلم أنك كنت واهما فيما دار بخلدك، وأن كل عنوان هو خلاصة لفكرة من أفكار المؤلف ابتدع لها طريقة جديدة تقوم على الإشارة والإثارة.

وأخيرا وليس آخرا.

أرجو للمؤلف من الله التوفيق فيما يأتي من الكتابات وفيما سيُطلعنا به من جديد المؤلفات مما يفيض به القلم، ويرشح به القلب، فالمدارسة الصوفية والنظريات الصوفية في كتب القوم لم يُعرف بها كما يجب أن يعرف، وكذلك جملة من رجالاته. والأحكام التي صدرت في حق بعض من الأقطاب قديما من تقتيل وتكفير أو تلحيد أو تنقيص أو إقصاء يجب أن يعاد فيها النظر، فوسائل التحقيق والتحليل هي اليوم غيرها بالأمس، إضافة إلى العلوم المستحدثة والمناهج المبتكرة التي يجب أن يتسلح بها المحلل والناقد، فالدلالة اللغوية ليست هي كل شيء في استصدار الحكم لأنها لا تعدو أن تكون ظاهرة، وما خفي أكبر وأعظم من ذلك، فماذا تقول اللغة في مقام الكشف والتواجد والحضرة والمشاهدة والتجلي...، إنها عاجزة عن الغوص في هذه المقامات، ومن ثم يطرح السؤال: هل كان حال ابن الفارض وابن عربي والحلاج... وغيرهم كثير كما قالوا؟ أم أن هناك قصورا في الفهم وتواطئاً في الحكم؟.

إن الدكتور راضي إسماعيل قادر مقتدر بفضل الله وعونه على أن يتبع مؤلفه هذا بغيره، وعلى أن يميط اللثام عن المدارس والنظريات الصوفية، فيعلم الناس ما جهلوا، ويصححوا ما فهموا، وهذا هو المنتظر منه، فينفع بذلك الأمة، ويحيي ما مات من العلم والهمة، وبما يفتح الله عليه من علم وفضل ونعمة.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وهو المستعان على كل خير

وحرر بفاس 20 شوال الأبرك 1433 الموافق لـ: 08 شتنبر 2012

الإمضاء

أخوكم في الله: محمد علوي بنصر



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

قبسات من درر العارفين (7)

آثار ابــن زكــري

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

 

 

 

 









العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله وجهوده لإثراء الحركة العلمية

    إنه لمن دواعي افتخاري -بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة أحد فحول علماء سوس- أن أسهم في تسليط بعض الضوء على علَم العلماء بحاضرة سوس العالمة، والذي ستظل حياته العلمية والعملية صفحة من صفحات السجل الذهبي الذي يفتخر به المغرب على شاكلة العلماء المغاربة رحمهم الله، الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة أبواب من الثقافة المغربية، وظل وسيظل نجما ساطعا في سمائها.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

    هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان». وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش...