دراسات وأبحاث

تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم بالتزكية وأهميته في حياة الأمة 4/2

المبحث الثاني: التصرفات النبوية في الاجتهاد الفقهي:

سيتولى هذا المبحث بيان ما يترتب عن تصرفات رسول الله صلى الله عليه وسلم من أثر على ميدان الاجتهاد الفقهي، بحيث يصبح تنوع التصرفات النبوية، أحد الأسباب المهمة في اختلاف اجتهادات الفقهاء أو اتفاقها، حسب وضوح أو خفاء الوجهة التي صدر عنها التصرف النبوي، وهذا التنوع في مقامات التصرف النبوي له قيمته وفائدته المتمثلتين في فقه الأحاديث النبوية فقها سليما، لذلك عد الإمام القرافي قاعدة التمييز بين هذه التصرفات من الأصول الشرعية[1]. وعلى هذا الأساس سيتناول المطلب الأول أثر التصرفات النبوية على الاجتهاد الفقهي، بينما يعرض المطلب الثاني لأهم فوائد التمييز بين أنواع هذه التصرفات.

 المطلب الأول: أثر تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم على الاجتهاد

الفرع الأول: أثر التصرفات النبوية على سلوك الصحابة:

ليس اختلاف جوانب التصرفات النبوية قضية نظرية فحسب، وإنما كان لها الأثر على مجال استنباط الأحكام، والمتتبع لمواقف الصحابة رضوان الله عليهم، يكتشف البوادر الأولى لتمييز  تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم على المستوى العملي، فتجدهم يفرقون بين ما كان من الأوامر النبوية مندرجا في إطار التشريع، وما لا يدخل ضمن هذا الإطار، وإذا أشكل عليهم أمر سألوا عنه، وسأذكر في هذا المقام موقفين على سبيل التمثيل، نمضي بعدها إلى بيان أثر التصرفات على المستوى الفقهي والاجتهادي.

الموقف الأول: وهو  موقف بريرة[2] لما أعتقها أهلها، وكانت زوجة لمغيث العبد، فملكت أمر نفسها بالعتق فطلقت نفسها، وكان مغيث شـــديد المحبة لها وكانت شديدة الكراهية له، فكلم مغيث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه"[3]، فأبت أن تراجعه ولم يثربها رسول الله ولا المسلمون، قال الإمام ابن حجر : " فقالت أتأمرني : أي  تريد بهذا القول الأمر فيجب علي؟"[4].

الموقف الثاني: من حديث جابر بن عبد الله حيث مات أبوه عبد الله بن عمرو بن حرام [5] وعليه دين فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يكلم غرماء أبيه أن يضعوا من دينه فطلب النبي صلى الله عليه وسلم منهم ذلك فأبوا أن يضعوا منه، قال جابر: "فلما كلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنهم أغروا بي"، فلم يثربهم المسلمون على ذلك.

 فهذان الموقفان صريحان في أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يستحضرون في تعاملهم مع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم نوع المقام الذي صدر عنه الأمر أو التصرف النبوي، فإذا كان تشريعا لم يترددوا في الامتثال له، و إذا كان من غير مقام التشريع عرفوا أنه ليس من باب الوجوب و الإلزام كقول عائشة رضي الله عنها في نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح: "إنما كان منزل ينزله النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه"[6]، ثم إذا أشكل عليهم أمر ابتذروه بالسؤال كقول بريرة: "يا رسول الله: تأمرني؟" فلما علمت أن ذلك شفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها اعتذرت بعدم حاجتها فيه.

الفرع الثاني: أثر التصرفات على الاجتهاد الفقهي.

لعل من آثار تجليات هذه النقطة في مجال الاجتهاد الفقهي، ما أشار إليه الإمام القرافي في فروقه وإحكامه، وإذا اعتبر هذه الآثار على قسمين:

1-  القسم الأول: قسم مجمع على الوجهة التي صدر عنها التصرف، بحيث تتفق آراء الفقهاء المجتهدين على الصفة التي مورس بها، فيتفقون مثلا، على أن هذا تصرف بالتبليغ فيكون عاما على الأمة إلى يوم القيامة، أو أن هذا تصرف منه بالقضاء، فلا يجوز لأحد من بعده أن يقدم  عليه إلا بحكم حاكم، أو أن هذا تصرف بالإمامة، فلا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام، فمن أمثلة هذا الأخير : بعث الجيوش لقتال الكفار والخوارج ومن تعين قتاله، وصرف أموال بيت  المال في جهاتها وتولية القضاة والولاية العامة، وقسمة الغنائم، وعقد  العهود للكفار ذمة وصلحا.[7]

   ومنها كذلك عطاءاته وإقطاعاته صلى الله عليه وسلم فيما عدا الغنائم، حيث جعل الله تعالى لنبيه الكريم أن يعطي ما شاء من المال لمن شاء، واتفق العلماء على أن هذا داخل في دائرة التصرفات بالإمامة، وبالتالي فلا يتسم بالإلزام بأن يفترض على من جاء خليفة من بعده، أن يقلده في عين سلوكه فيعطي من أعطاهم  ويمنح من منحهم، بل الأمر موكول إلى الإمام على جهة الاجتهاد لينظر فيه على حسب ما تقتضيه المصالح، وفق الثوابت الشرعية، وقد ساق محمد رمضان البوطي في كتابه "ضوابط المصلحة" ، حديث حكيم بن حزام، وفيه أنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له، كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى"[8]، قال البوطي: "ولم يقل أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم أن على الحاكم إذا سأله سائل فكرر المسألة، أن يفعل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عطائه لحكيم"[9].

أما التصرف بالقضاء فيتبين من حاله عليه السلام متى فصل بين اثنين في دعاوى الأموال، أو في أحكام الأبدان ونحوها، بالبينات أو الأيمان والنكولات ونحوها، " فنعلم أنه صلى الله عليه وسلم إنما تصرف في ذلك بالقضاء دون الإمامة العامة وغيرها، لأن هذا شأن القضاء والقضاة"[10]، قال  الإمام ابن عاشور: "وأما حال القضاة فهو ما يصدر عنه حين الفصل بين المتخاصمين المتشادين مثل قوله عليه السلام: "امسك يا زبير حتى يبلغ الماء الجذر ثم أرسله[11] "[12].

و أما ما تصرف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادات بقوله أو فعله أو أجاب سائلا عن أمر ديني، فهذا تصرف بالفتوى والتبليغ، ومثاله، تقريره صلى الله عليه وسلم لعدد الصلوات المفروضة في اليوم، إذ لا يستطيع أحد أن يشك أو يشكك في أنها أمر إلهي ليس للنبي صلى الله عليه وسلم فيه دخل  سوى التبليغ بكل أمانة، ومن تم وقع الإجماع على أنها تعتبر شرعا يجب الالتزام به من لدن المسلمين قاطبة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 قال الإمام القرافي : "فهذه المواطن لا خفاء  فيها، وأما مواضع الخفاء والتردد ففي بقية المسائل"[13] وهي التي سنبينها في القسم الثاني.

2- القسم الثاني: وهو القسم المختلف فيه، ويرجع السبب في الاختلاف إلى خفاء الوجهة التصرفية التي صدر عنها، أو لترددها بين مستويات مختلفة، وقد تولد عن ذلك إخصاب لمجال الاجتهاد الفقهي، بتغاير المواقف وتنوعها، ومن أمثلة ذلك:

أ- إحياء الأرض الموات: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحيا أرضا ميتة فهي له"[14]، فاختلف العلماء : هل يجوز لكل أحد أن يحي أرضا ميتة، أم أن ذلك متوقف على إذن الإمام؟ فذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك عام لا يحتاج إلى إذن الإمام، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز لأحد أن يحيي إلا بإذن الإمام، قال العز بن عبد السلام: "حمله أبو حنيفة رحمه الله على التصرف بالإمامة العظمى، لأنه لا يجوز إلا بإذن الإمام، وحمله الشافعي رحمه الله على التصرف بالفتيا لأنه الغالب عليه"[15]. وقال البقوري: "وقاعدة مالك هنا بالترجيح للنظر للفتوى من حيث إن الفتوى والتبليغ أغلب على أمر النبي، والنظر إلى الغالب راجح"[16] .

ب- قضاء النبي صلى الله عليه وسلم  لهند بنت عتبة: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: هند أم معاوية لرسول صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرا ؟ قال: خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف "[17].

فوقع الخلاف هنا بين العلماء، هل هذا القول منه عليه السلام فتيا فيلزم الجميع، أم هو قضاء فلا يصح تنفيذه إلا بحكم القاضي؟ قال القرافي: "حكى الخطابي القولين معا عن العلماء في هذا الحديث، حجة من قال إنه بالقضاء أنها دعوى في مال معين فلا يدخله إلا القضاء، لأن الفتاوى شأنها العموم، وحجة القول بأنها فتوى، ما روي أن أبا سفيان كان بالمدينة والقضاء على الحاضرين من غير إعلام ولا سماع حجة لا يجوز، فيتعين أنه فتوى، وهذا هو ظاهر الحديث"،[18] و إلى ذلك أشار الإمام العز بن عبد السلام بقوله: "والأصح أنه فتيا، لأن فتياه صلى الله عليه وسلم أغلب من أحكامه، ولأنه لم يستوف شروط القضاء" [19].

ج- تقسيم الأرض التي افتتحها المسلمون عنوة: فقد ذهب المالكية  والحنفية إلى تقسيم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر بين الغزاة، إنما هو من قبيل التصرف بالإمامة، فللإمام من بعده أن يجتهد في ذلك حسب المصلحة، وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه تصرف بالفتوى لاتباعه صلى الله عليه وسلم في ذلك نص كتاب الله تعالى[20]. قال ابن رشد: "فقال مالك لا تقسم الأرض، وتكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سبيل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقاف أن المصلحة تقتضي ذلك، فإن له أن يقسم الأرض، وقال الشافعي الأرضون المفتتحة تقسم كما تقسم الغنائم يعني، خمسة أقسام، وقال أبو حنيفة: الإمام  مخير بين أن يقسمها على المسلمين، أو يضرب على أهلها الكفار في الخراج، ويقرها بأيديهم"[21].

إن الذي ذكرنا في هذا القسم الثاني؛ إنما هو من باب التمثيل لا الحصر، وإلا فسيطول بنا الكلام لو أردنا استقصاء ما اختلف فيه العلماء من هذا القبيل، ليتم الخلوص في هذا المطلب إلى أن تصرفاته عليه السلام، منها ما هو متفق على الوجهة التي صدر عنها، ويكون ذلك سببا في وقوع الاتفاق بين الفقهاء عليها، ومنها ما هو مختلف في جهة  صدوره فيكون ذلك سببا في اختلاف اجتهاداتهم.

ولا شك أن اختلاف مهام النبي صلى الله عليه وسلم و تصرفاته، أمر دقيق جدا، بحيث أن عدم التحري والتثبت في سبب صدورها، سيفضي حتما إلى تغييب مراد الشارع من ذلك التصرف، وفي أهمية هذه النقطة قال الشيخ الطاهر بن عاشور: "وقد يغلط بعض العلماء في بعض تصرفات رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعمد إلى القياس عليها قبل التثبت في سبب صدورها"[22]. ولأجل هذه الأهمية كذلك جعل الاطلاع على هذا الباب من وسائل فهم مقاصد الشريعة: "فالناظر في مقاصد الشريعة بحاجة إلى تطلع تعيين الصفة التي عنها صدر منه قول أو فعل"[23]. وعلى هذا الأساس ينبني المطلب الثاني، الرامي إلى إبراز قيمة التمييز بين أنواع التصرفات النبوية.

المطلب الثاني: قيمة التمييز بين التصرفات النبوية.

لقد نبه العلماء الذين تعرضوا لقضية التصرفات النبوية، على أهمية استحضار تنوع المقام لفهم النصوص، قال الشيخ الطاهر بن عاشور: "يقصر بعض العلماء ويتوحل في خضخاض من الأغلاط حيث يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجه رأيه إلى اللفظ مقتنعا به، فلا يزال يقلبه ويحلله ويأمل أن يستخرج لبه، ويهمل ما قد مناه من الاستعانة بما يحف بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق، وإن أدق مقام في الدلالة وأحوجه في الاستعانة عليها مقام التشريع، وفي هذا العمل تتفاوت مراتب الفقهاء، وترى جميعهم لم يستغنوا على استقصاء تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم ولا على استنباط العلل"[24].

لقد نبه هذا الكلام القيم على معان مهمة يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط، هي كالتالي:

1- إن الجمود والاقتصار على ظواهر الألفاظ وحدها، لا يكفي للتعامل مع النصوص الشرعية، بل قد يوقع صاحبه في أخطاء عند استنباط الأحكام.

2- إن استحضار القرائن والسياقات المحيطة بالنص، ضروري لفهم مراد الشارع ومقصوده.

3- إن أهم ما يحصل به الفقه و تدرك به تلك المقاصد، تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لذلك لم يستغن الفقهاء عن استقصائها والعناية بها.

ومن هنا تتجلى لنا خطورة المسألة ودقتها، حيث إن إدراك المجتهد المستنبط، لمقاصد الشارع رهين باستحضار المقام.[25]

ولا يقتصر الأمر على المجتهد فقط، بل حتى على المكلفين، لأن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم واجب على الجميع، فمراعاة تلك المقامات والتصرفات لازم لكي يكون التأسي صحيحا وسليما.

وعلى هذا يمكن أن نجمل فوائد التمييز بين التصرفات النبوية في فائدتين.

أ‌-..-- الفائدة الأولى: فهم مراد الشارع.

لعل أهم ما يستفيده الناظر في أنواع التصرفات النبوية خلال نظره ذاك، معرفة مراد الشارع ومقصوده، وبقدر ما يتحرى تلك الأحوال ويجتهد في التمييز بينها، بقدر  ما يقف على المقاصد التي من أجلها أقيم ذلك التصرف، فمعرفة المقام الذي صدر منه التصرف النبوي لا مناص منه لفقه معناه، ومقصد الشارع منه.

ولقد كان الصحابة أشد الناس معرفة بهذه المقاصد والغايات، لأنهم خالطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهدوا سياقات الأمر النبوي، وظروف وروده، فلذلك لم تخف عنهم مقاصد تصرفاته  صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه حديث رافع بن خديج عن عمه ظهير بن رافع، قال ظهير : "لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقا. قلت ما  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق، قال دعاني رسول الله قال: "ما تصنعون  بمحاقلكم"؟ قلت نؤجرها على الربيع وعلى الأوسق من التمر والشعير، فقال: لا تفعلوا ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها ، قال رافع: قلت  سمعا وطاعة"[26]. قال الشيخ ابن عاشور "فتأوله معظم  العلماء على معنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يواسي بعضهم بعضا، ولذلك ترجم البخاري هذا الحديث بقوله: "باب ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضا في الزراعة والثمرة"."[27] فلم يكن هذا التأول إلا لعلمهم بنوع التصرف الذي صدر عنه ذلك الأمر، وهو تنزيه الصحابة وحملهم على مواساة بعضهم البعض، وهو ما سماه ابن عاشور "بحال تكميل النفوس"، قال رحمه الله: "و أما حال طلب حمل النفوس على الأكمل من الأحوال فذلك كثير من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونواهيه الراجعة إلى تكميل نفوس  أصحابه وحملهم على ما يليق بجلال مرتبتهم في الدين من الاتصاف بأكمل الأحوال مما لو حمل عليه جميع الأمة لكان حرجا عليهم"[28] فتبين من تمييز هذا الحال عن حال التشريع، المراد من الأمر النبوي.

ومن النماذج كذلك، ما رواه الإمام البخاري عن أبي  شريح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، فقلنا من هو يا رسول الله؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه"[29] فإنه لما تبين أن المقام الذي صدر منه الحديث هو التأديب، إذ خرج مخرج التهويل، علمنا أن المقصود نفي الإيمان الكامل، قال الشيخ ابن عاشور: "فعلى الفقيه أن يميز بين ما يناسب أن يكون القصد منه بالذات التشريع، وما يناسب أن يكون القصد منه بالذات التوبيخ و التهديد، ولكنه تشريع بالنوع، أي بنوع أصل التأديب"[30].

ويحمل صنيع الخليفتين عثمان وعلي، في تعاملهم مع نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التقاط ضالة الإبل، على أنهم فهموا قصد الشارع من هذا التصرف، فقد قال عليه السلام: "مالك ولها دعها معها غداؤها وترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها."[31] حيث إنه لما كان عهد الخليفة الراشدي الثالث أمر بأخذها وتعريفها وحفظ ثمنها حتى  يجيء صاحبها فيأخذها، في حين أن سيدنا عليا كرم الله وجهه أمر في خلافته بأخذها وعلفها من بيت، مال المسلمين حتى يجيء ربها، فلم يخالفا – رضي الله عنهما – نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا لعلمهما أنه إنما باعتباره الإمام، رأى في زمانه أن المصلحة تقتضي النهي، ولكن هذه المصلحة تغيرت بعد ذلك فأصبحت ضررا بسبب تغير أخلاق الناس وضعف الوازع الديني، فلزم تغير الحكم.[32]

ب‌--الفائدة الثانية:- الاقتداء السليم.

لا شك أن الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، من المسلمات التي نص عليها القرآن وأكدتها السنة المطهرة، غير أن هذا الاقتداء لابد أن تراعى فيه قرائن الأحوال المواكبة للسلوك النبوي، وظروف أفعاله قصد وضع اليد على الجهة التي صدر عنها، ولابد كذلك من الإحاطة والإلمام بخصوصيات كل جهة حتى يتسنى للمقتدي التمييز بين الحالة التي يكون فيها سيد الخلق منتصبا للتشريع، والأخرى التي يكون فيها منتصبا للفتيا، أو للإمامة، أو للقضاء، أو لغيرها من المناصب التي تقلدها طيلة دعوته.

فلننظر على سبيل المثال إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم  الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدكم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء"[33]. فإن الناظر في الحديث دون استحضار  المقام والسياق اللذين صدر عنهما، ليحسب أن النبي عليه السلام، سيعمد فعلا إلى حرق بيوت المسلمين لأجل شهود العشاء، ولأنزل الحديث منزل التطبيق على أرض الواقع، ظنا منه أن هذا أمر منه صلى الله عليه وسلم، فيسيء إلى مراد الشارع، ولكن لو نظر إلى مساق الحديث وعلم أن المراد هو التهويل، لم يشتبه ذلك عليه، قال الشيخ الطاهر بن عاشور : "فلا يشتبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليحرق بيوت المسلمين لأجل شهود صلاة العشاء في الجماعة، ولكن الكلام سيق مساق التهويل في التأديب"[34].

وفائدة الاقتداء السليم هذه، تتجلى أكثر في التصرفات الإرشادية،[35] حيث يغلط الكثير من الناس في الحكم عليها، إذ يعتبرونها تصرفات دينية تعبدية، مطلوبة الفعل شرعا، وهو ما شكل مدخلا من مداخل التشدد والغلو في فهم النصوص النبوية، فالوعي بحقيقة هذا النوع من التصرفات أساسي لتحقق الاقتداء السليم.

قال الشيخ ابن عاشور: "فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في شؤونه البيتية ومعاشه الحيوي أعمالا لا قصد منها إلى التشريع ولا طلب متابعة"[36].

لذلك فالتمييز بين هذه الأحوال وهذه التصرفات يشكل قطب رحى التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، لأن مواضع الاقتداء تختلف باختلاف تصرفاته ومنشئها؛ فإذا علم أن تصرفه كان في العبادات بقوله أو فعله أو أجاب به سؤال سائل عن أمر ديني، استخلص أن هذا تصرف منه بالفتوى والتبليغ والرسالة، فكان ذلك شرعا يتقرر إلى يوم الدين، وعلى الجميع أن يعملوا به.

وإذا علم أن تصرفه كان بين اثنين أو أكثر في دعاوى الأموال أو أحكام الأبدان ونحوها بالبينات أو بالأيمان والنكولات ونحوها، استنتج أنه تصرف منه بالقضاء وبالتالي لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم.[37]

وإذا علم أن تصرفه عليه السلام – كان راجعا لجبليته أو لداع من دواعي الحياة المادية، استنتج أن هذا  تصرف منه بغير قصد التشريع، وبالتالي لا يكون موضوعا لمطالبة الأمة بفعل مثله، بل لكل أحد أن يسلك ما يليق بحاله.[38]

ويترتب عن فائدة الاقتداء هذه، فائدة أخرى تتمثل في تحقيق الأدب مع المقتدى به عليه أزكى السلام، ذلك أنه يقع في كثير من المواقف من سيرته صلى الله عليه وسلم، ما قد يوهم للبعض نقصانا أو خلفا، أو قدحا في نبوته صلى الله عليه وسلم، فيكون استحضار نوع التصرف وتبصر حاله أهم المسالك لتحري الأدب. وقد أجاد الإمام القاضي عياض – رحمه الله – في بيان هذا الجانب في كتاب "الشفا"[39]، ومن أمثلة ذلك؛ أن يعتقد النبي صلى الله عليه وسلم في أمور  الدنيا شيئا على وجه ويظهر خلافه، أو يكون منه على  شك أو ظن، فنستخلص أن ذلك لا يكون منقصة في حقه، ولا طعنا في نبوته عليه السلام، إذ يجوز عليه ذلك في أمور دنياه.

ومثاله ما جاء في حديث بدر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  سبق قريشا إلى الماء، حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به الجيش ، فقال له الحباب بن المنذر : يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل هو الرأي و الحرب والمكيدة". قال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى ناتي أدنى ماء من القوم فإني أعرف غزارة مائه، وكثرته فننزله ثم نغور ما عداه  من القلب، فنشرب  ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرب بالرأي"[40].

ثم في حديث تأبير النخل حيث أشار عليهم بأنهم لو لم يؤبرونه لصلح فتركوه فخرج رديئا فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تواخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل"[41] وفي تحرير هذه المواقف يقول القاضي عياض: "فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بها، والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية، ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية، ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر،  وفيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة"[42].

الهوامش


[1]  الفروق 1/223.

[2]  بريرة مولاة  عائشة، وزوجة مغيث العبد، قيل كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل عتبة بن أبي لهب، فاشترتها عائشة فأعتقها، وكانت  تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وكان عبد الملك بن مروان يقول: كنت أجالس بريرة بالمدينة فكانت تقول لي: يا عبد الملك: إني أرى فيك خصالا و إنك لخليق أن تلي هذا الأمر فإن وليته فاحذر الدماء  فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليه بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق " ، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 8/29.

[3]  صحيح البخاري كتاب الطلاق باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بريرة.

[4]  فتح الباري 5/77 .

[5] هو عبد الله بن عمر بن حرام بن ثعلبة بن كعب بن عنتر، الخزرجي الأنصاري السلمي يكنى أبا جابر، شهد بدرا والعقبة، ولما أراد أن يخرج إلى أحد دعا ابنه جابرا فقال : يا بني: إني لا أراني إلا مقتولا في أول من يقتل، وإني و الله لا أدع بعدي أحدا أعز علي منك، غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن علي دينا فاقض عني ديني واستوص بإخوتك خيرا. قال فأصبحنا فكان أو من قتل، جدعوا أنفه و أدنيه، ودفن هو وعمر وبن الجموح في قبر واحد. وكان الذي قتله عبد الله أسامة بن عبيد، وقيل بل قتله سفيان بن عبد شمس أبو أبي الأعور " أسد الغابة" لابن الأثير 3/242.

[6]  صحيح البخاري كتاب الحج، باب المحصب .

[7]  الفروق 1/221 -222 .

[8] صحيح البخاري ، كتاب الزكاة ، باب الاستعفاف عن المسألة .

[9]  ضوابط المصلحة ، محمد سعيد رمضان البوطي ص : 168 .

[10]  الفروق 1/222 .

[11]  رواه البخاري في كتاب الشرب والمساقاة، باب سكر الأنهار بلفظ : "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجذر"

[12]  مقاصد الشريعة الإسلامية ص 28 .

[13]  الفروق 1/222 .

[14]  صحيح البخاري، كتاب الحرث و المزارعة، باب من أحيا أرضا مواتا.

[15]  قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 1/143 .

[16]  ترتيب الفروق و اختصارها للبقوري ص: 185 .

[17]  صحيح البخاري كتاب البيوع باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة و المكيال و الوزن و سننهم على نياتهم و مذاهبهم المشهورة.

[18]  الفروق 1/222 .

[19]  قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/142.

[20]  ضوابط المصلحة للبوطي  ص: 169 و 170 .

[21]  بداية المجتهد و نهاية المقتصد 1/603 .

[22]  مقاصد الشريعة الإسلامية، ص: 27 .

[23]  نفس المصدر ، ص 25.

[24]  نفس المصدر ، ص: 24 .

[25]  تختلف مقامات الأقوال و الأفعال الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي تنشأ عنها تصرفاته ، انظر مقاصد الشريعة ص: 25.

[26]  صحيح البخاري، كتاب الحرث و المزارعة، باب ما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضا في الزراعة و الثمرة .

[27]  مقاصد  الشريعة  الإسلامية، ص 34 .

[28] المصدر نفسه ص: 32 .

[29] صحيح البخاري كتاب الأدب ، باب: إثم من لا يأمن جاره بوائقه.

[30] مقاصد الشريعة الإسلامية ص 34 .

[31] صحيح البخاري، كتاب اللقطة، باب ضالة الإبل.

[32] الترك النبوي و أثره في التشريع، ابراهيم الواح، ص: 148 .

[33] رواه مالك في الموطأ – كتاب الصلاة الجماعة – باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ حديث رقم 289، و البخاري في صحيحه، كتاب الأذان باب وجوب صلاة الجماعة.

[34] مقاصد الشريعة الإسلامية ص: 34 .

[35] تطلق عند الأصوليين على التصرفات التي ترشد إلى الأفضل من منافع الدنيا، ومما يتعلق بجبليته وعادته  صلى الله عليه وسلم ، وهي التي سماها ابن عاشور  بالتجرد عن الإرشاد، مقاصد الشريعة ص: 34-35.

[36] مقاصد الشريعة الإسلامية ص: 34 .

[37]  انظر الفروق 1/222 .

[38] مقاصد الشريعة الإسلامية ص : 35 .

[39] انظر على سبيل المثال الباب الثاني من القسم الثالث، فصل  فيما يخص الأنبياء في الأمور الدنيوية وما يطرأ عليهم من العوارض البشرية 2/111، وفصل في أحواله صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا"، 2/114، وفصل آخر: فيما يعتقده في أمور أحكام البشر الجارية على يديه . ط دار الكتب العلمية ح : عبد السلام محمد أمين . 2/115 وما بعدها .

[40] ذكره ابن هاشم في السيرة.

[41] صحيح مسلم كتاب الفضائل، باب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

[42]  الشفا بتعريف حقوق المصطفى.. ط دار الكتب العلمية ح : عبد السلام محمد أمين . 2/115



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التصوف والدبلوماسية الروحية: الأبعاد الثقافية والتنموية والحضارية

سيرا على النهج السديد الذي اختاره المغاربة منذ القديم في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وجريا على السنة الحميدة التي دأبت عليها مؤسسة المتلقي العالمي للتصوف والطريقة القادرية البودشيشية كل سنة، ستنظم المؤسسة بشراكة مع المركز الأورو-متوسطي لدراسة الإسلام اليوم (CEMEIA) الدورة الثانية عشرة...

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

قبسات من درر العارفين (2)

محق التقوّل في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري

الملتقى العالمي الثاني عشر للتصوف: التصوف والدبلوماسية الروحية

نفحات روحية من خلال السيرة النبوية (1)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء رمضان لسيدي محمد بن عباد الرندي
التصوف عند علماء القرويين، المفهوم، التأصيل، التنزيل
السياسة الأخلاقية: مفهوم الحرية نموذجا

 

 

 

 

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

   ليس غريبا أن نجد الأستاذ علال الفاسي -وهو سليل أسرة أنجبت فطاحل مشايخ الصوفية- يهتم بعلائق التراث الصوفي ونفائسه، فبعد أن توسعت مدارك الرجل ونضج فكره وانفتحت آفاقه، رجع ليعترف ويقر بالقيمة الفكرية التي يحتلها علم التصوف في تاريخ الإسلام، بل سنجده مدافعا عن المنهج الصوفي الأصيل، منتقدا كل من حاول اختزال التصوف في بعض الممارسات الشاذة التي ألصقت بصوفية المغرب وهم منها براء؛ وفي هذا الصدد يقول: «إذا كانت ثمة منكرات أُدخلت على القوم، أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس، فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون، أم أي عقيدة...