دراسات وأبحاث

تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم بالتزكية وأهميته في حياة الأمة 4/3

الفصل الثاني: تصرف النبي صلى الله عليه وسلم بالتزكية وأهميته

في حياة الأمة:

المبحث الأول: التصرف بالتزكية: المفـهوم والتأصيل

  إذا كان الحق جلت حكمته قد فوض إلى نبيه الكريم، جميع المناصب الدينية في رسالته، فإنه قد جعل تزكية النفوس أجل تلك المناصب وأشرفها، لتعلقها بصفة إلهية هي القدوس[1]، قال جل شأنه: [يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم، هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال  مبين][2]. فحري بنا إذن، أن نتساءل : ما حقيقة هذا المقام النبوي؟ و كيف كان سيد الخلق يتصرف بصفة المزكي لأصحابه الكرام؟

  ينبني هذا المبحث – في محاولته الإجابة عن هذا السؤال – على مطلبين، يتولى أحدهما بيان مفهوم التصرف بالتزكية، بينما يقف الثاني على نماذج من تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم  بالتزكية.

المطلب الأول: مفهوم التصرف بالتزكية

أ‌- المدلول اللغوي: أصل التزكية عند أهل اللغة من زكا يزكو، وهو يدل على أربعة معان مختلفة.

المعنى الأول: هو النماء والزيادة، يقال زكا الزرع يزكو زكاء، أي نما، وكل شيء  يزداد وينمو فهو يزكو زكاء، ومنه قول الشاعر:

                  والمال يزكو بك مستكبرا   ***   يختال قد أشرق للناظر[3]

وجاء في القاموس: زكي كرضي: نما وزاد كتزكى.[4]

المعنى الثاني: الطهارة: ومنه قوله تعالى: [خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها][5]. والزكاة زكاة المال، وهو تطهيره، والفعل منه زكى يزكي تزكية إذا أدى عن ماله زكاته، وفي لسان العرب: "الزكاة ما أخرجته من مالك لتطهيره به وقوله: "وتزكيهم بها" قالوا تطهرهم بها"[6].

والمعنى الثالث: هو الصلاح: يقال رجل زكي أي صالح، وقال تعالى: [خيرا منه زكاة وأقرب رحما] [7] أي عملا صالحا، وقال الفراء: زكاة أي صلاحا، قال أبو زيد  النحوي في قوله عز وجل: [ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء][8] فمعناه ما أصلح. [ولكن الله يزكي من يشاء] أي يصلح[9].

  وقد جمعت الزكاة هذه المدلولات الثلاثة؛ جاء في اللسان: "وقيل لما يخرج من المال للمسلمين من حقوقهم زكاة لأنه تطهير للمال وتثمير له، و إصلاح، ونماء، كل ذلك قيل"[10].

والمعنى الرابع: هو المدح: يقال زكاه الله وزكى نفسه تزكية إذا مدحها، وزكى الرجل نفسه إذا وصفها و أثنى عليها، ولعل هذا المعنى يتناسب مع قوله تعالى: [فلا تزكوا أنفسكم]  [11].

ب- المدلول الاصطلاحي:

  التزكية في الاصطلاح ضرب من ضروب التربية، يستهدف تنمية الغرائز والملكات والقدرات الصالحة في المتلقين لها، وتنقيتهم وتطهيرهم من خبائث الاعتقادات والأخلاق والعادات والأعمال والأقوال، حتى تكون الأمة قوية نافذة في أمورها متحررة من جميع الانحرافات التي تزيغ بها عن الطريق[12].

  فإذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه متصرفا بالتزكية، عَنَا ذلك أنه كان يعمد إلى تلك المؤهلات الإيجابية، والمواهب التي أودعها البارئ سبحانه في أصل خلقة النفوس، فيعمل على تنميتها وتكبيرها وصقلها، كما يعمل في نفس الوقت على استئصال وتنحية كل ما قد يعترض هذه الكمالات من شوائب وأرجاس ناشئة عن ضلال أو تضليل.[13]

  وقد ذكر الله تعالى التزكية باعتبارها إحدى مهمات النبي صلى الله عليه وسلم في أربعة مواضع من كتابه الكريم، فجاء في سورة البقرة قوله عز وجل: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم  آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) [14]، والموضع الثاني في قوله جل شأنه: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) [15]. وقال ابن عاشور: " فقدم فيها – أي الآية- ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهي منفعة تزكية نفوسهم اهتماما بها".[16] أما الموضع الثالث فهو قوله تعالى: (لقد من الله على المومنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن  كانوا من قبل لفي ضلال مبين)[17]. وأما الموضع الرابع ففي قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).[18]

  ولما كانت التزكية إحدى مهماته صلى الله عليه وسلم، فقد كان من أقواله وأفعاله وتقريراته ما هو تنفيذ لهذه المهمة؛ قال سليمان الأشقر: "هذا وإن الأقوال كانت هي الوسيلة الرئيسية للنبي صلى الله عليه وسلم في أداء هذه المهمات، ولكن مع ذلك كانت الأفعال النبوية تؤدي دورا بارزا في تنفيذ المهمات المطلوبة منه، خصوصا مهمة البيان، ومهمة التعليم والتزكية"[19].

  وقد استعمل العلماء اطلاقات أخرى لإفادة معنى التزكية، كما هو الحال بالنسبة لمفهوم "التصرفات" الذي تعرضنا له في الفصل الأول من هذا البحث، فمن هذه الاطلاقات؛ مصطلح "التربية"، إذ يرى الفضيل الإدريسي أن مصطلح التربية يلتقي مع مصطلح التزكية، لكن التزكية أعم لأنها تعني التطهير، أما التربية فتعني التوجيه والإرشاد.[20]

  ومن الإطلاقات أيضا ما استعمله الإمام ابن عاشور في كتاب "مقاصد الشريعة" من قبيل: "الهدي والإرشاد وتكميل النفوس"،[21] وقال: فأنا أردت بالهدي والإرشاد هنا، خصوص الإرشاد إلى مكارم الأخلاق وآداب الصحبة"[22]. وعبر الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" عن التزكية "برياضة النفس وتهذيب الأخلاق"[23]، وكثيرا ما استعمل لفظ "الطهارة" عند المتقدمين، وهو أقرب هذه الإطلاقات إلى مصطلح التزكية.[24]

  وغرضنا من جرد هذه الإطلاقات ليس هو التمييز بينها أو ترجيح بعضها على بعض، وإنما أردنا التنبيه على أن هذه المصطلحات – إن وجدت في كتب العلماء – فإنما يراد بها معنى واحد يتجه إلى تزكية النفس البشرية وتحليتها بالمكارم، وتخليتها من الرذائل.

  فإذا تبين هذا، وتبين معنى كون رسول الله صلى الله عليه وسلم مزكيا من خلال الآيات التي تقدمت فإنه لابد من إبراز نماذج من هذه التزكية المحمدية لنفوس الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك ما يتغياه المطلب التالي، فلنشرع فيه بإذن الله تعالى.

المطلب الثاني: نماذج من تصرف النبي صلى الله عليه وسلم بالتزكية:

  لقد جعل الحق سبحانه وتعالى التربية والتزكية من أعظم صفات سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، إذ تبين أنه كان يتعهد صحابته متتبعا لأحوالهم عن كتب، راعيا لهم بتهذيب نفوسهم وتقويمها، وزيادة ذلك الخير المودع فيها، ونقلهم من حال إلى حال أحسن منه، ومن وضع إلى وضع أرقى منه، ولما كان صلى الله عليه وسلم أعظم مزك وأجل  مرب على الإطلاق، تخرج من مدرسته جيل لم ير التاريخ مثله ولا عرف الزمان نظيره.[25]

والأمثلة على ذلك من سيرته كثيرة، وسنذكر فيما يلي بعضها مقسما على فروع هي كالتالي:[26]

الفرع الأول: تنوع مسالك التزكية بتنوع أصحابها.

هذه الخاصية من كمال علمه صلى الله عليه وسلم بالنفوس والاستعدادات والإرادات، فكان يتصرف بحسب ما ينفع كل سائل أو مستفسر أو مسترشد، فيهديه إلى ما تتزكى به حاله، وتتحسن أخلاقه، ويعلو مقامه.

  وقد ذكر الإمام الشاطبي هذا المسلك في الموافقات إثر حديثه عن تحقيق المناط الخاص الذي هو نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى ليتحرز منها. قال رحمه الله: "وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف  في نفسه، بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص، إذ النفوس ليست  في قبول الأعمال الخاصة على وزن واحد...، فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها"[27]، وهذا الضرب من الفعل النبوي كثير في السنة.

فعن عبد الله بن مسعود قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين قال : ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله"[28].

وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال إيمان بالله ورسوله، فقيل ثم ماذا؟ قال الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال حج مبرور"[29].

وقيل يا رسول الله: أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم  المسلمون من لسانه و يده"[30].

وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"[31].

وعن أبي برزة قال: قلت يا نبي الله علمني شيئا أنتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين[32].

  قال الشاطبي: "... إلى أشياء من هذا النمط جميعها يدل على أن التفضيل ليس بمطلق، ويشعر إشعارا ظاهرا بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت أو إلى حال السائل"،[33] فيكون حكمه صلى الله عليه وسلم جوابا شافيا لحال السائل، موافقا إرادته واستعداده للعمل.

  وعن أبي ذر قال، قلت: "يا رسول الله ألا تستعملني قال، فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها"[34]، وعن عثمان بن أبي العاص، قال: قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، فقال: " أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا"[35].

  فهذه المواقف تبين كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعامل أصحابه كلا حسب قابليته وما يصلح به حاله، وهذا هو عين التزكية والتربية النبوية.

الفرع الثاني: تطهير النفوس من الوساوس والأمراض وتثبيتها على الحق.

  لقد كان صلى الله عليه وسلم يعالج نفوس صحابته من الوساوس والعلل، وهذا من أكبر مظاهر تصرفه عليه السلام بالتزكية، وحسبنا من ذلك قصة الصحابي الجليل أبي بن كعب رضي الله عنه حيث قال: "كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم  دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ما قد غشيني، ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فرقا -أي خوفا- فقال لي: يا أبي، أُرسل إلي أن أقرأ على حرف فرددت إليه أن هوِّن على أمتي، فرد إلي الثانية اقرأه على مرتين فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد علي الثالثة اقرأه على سبعة أحرف فلك بكل  ردة ردتتها مسألة تسألنيها: فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي. وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم"،[36] فلم يدع النبي صلى الله عليه وسلم الشك والتكذيب يهدمان إيمان أبي رضي الله عنه، لعلمه بما يختلج القلوب، ويتسرب إلى النفوس من الوساوس والظنون، فاستطاع عليه السلام أن يطهره من ذلك كله بضربة من يده الشريفة رفعته من حال التكذيب إلى حال اليقين، قال الإمام النووي: "قال القاضي: ضربه صلى الله عليه وسلم في صدره تثبتا له حين رآه قد غشيه ذلك الخاطر المذموم"[37].

  وكثيرا ما وجد في السيرة أمثال هذا النوع من الفعل النبوي، حيث كان صلى الله عليه وسلم يضع يده الشريفة على المزكى، إما لإزالة وهم أو مرض علق به، أو تثبيتا على الحق وتنمية لخصلة من الخصال، فعن علي بن أبي طالب قال: "بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا فقلت: تبعثني إلى قوم وأنا حدث السن، ولا علم لي بالقضاء، فوضع يده على صدري فقال: ثبتك  الله وسددك، إذا جاءك الخصمان فلا تقض للأول حتى تسمع من الآخر فإنه أجدر أن يبين لك القضاء، قال: فمازلت قاضيا.[38]

  وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أم قومك، قال: قلت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي شيئا، قال: أدنه فجلسني بين يديه ثم وضع كفه في صدري وبين ثديي ثم قال: تحول: فوضعها في ظهري وبين كتفي، ثم قال: أم  قومك، فمن أمَّ قوما فليخفف فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء"[39]، قال النووي: "وقوله أجد في نفسي شيئا قيل يحتمل أنه أراد الخوف من حصول شيء من الكبر والإعجاب له بتقدمه على الناس فأذهبه الله تعالى ببركة كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائه، ويحتمل أنه أراد الوسوسة في الصلاة فإنه كان موسوسا ولا يصلح للإمامة الموسوس"[40]. وفي كلتا الحالتين يتحقق معنى  التزكية بحصول الطهارة من الوساوس والأمراض.

الفرع الثالث: تنمية الخصال والملكات الإيجابية في نفوس الصحابة

  سبق أن أشرنا إلى أن التزكية من معانيها: الزيادة والنماء، والمدح والثناء، والمتتبع لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في باب الثناء على أصحابه، والتي يندرج أكثرها ضمن كتب فضائل الصحابة  ومناقبهم، يكتشف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على معرفة تامة بخصال أصحابه، وملكاتهم الإيجابية فيعمل على تنميتها وجعلها على أكمل حال يليق بها، ومن مظاهر هذا الإنماء:

أولا: إقرار الصحابة رضوان الله عليهم على حال من الأحوال بالثناء عليهم.

ثانيا: تنبيههم على العلل وتوجيههم إلى الأكمل.

  قال الإمام ابن عاشور: "وأما حال طلب النفوس على الأكمل من الأحوال فذلك كثير من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونواهيه الراجعة إلى تكميل نفوس أصحابه وحملهم على ما يليق بجلال مرتبتهم في الدين"[41].

  ومن أمثلة هذا النوع ما روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهوآخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر"[42].

  فقد نقل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا عمر من وضع إلى وضع آخر أسمى منه، فكان كلام المزكي الأكرم صلى الله عليه وسلم سببا في تنمية خصلة المحبة في قلبه.

  ومن الأمثلة في هذا الباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لست تصنع ذلك خيلاء"،[43] ففي هذا القول تلميح إلى خلق أبي بكر رضي الله عنه وهو التواضع والمسكنة، وإن صنع شيئا أشار ظاهره إلى سلوك  ذميم وهو العجب والخيلاء.

  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق أبي ذر رضي الله عنه: "ما أقلت الغبراء، وأظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر"[44]، ثم عاتبه بجنس مقامه، ففيما روى البخاري عن أبي ذر قال: "كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها، فذكرني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: أساببت فلانا، قلت: نعم، قال: أفنلت من أمه، قلت :نعم، قال: إنك امرؤ فيك جاهلية، قلت على حين ساعتي: هذه من كبر السن؟ قال: نعم، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه"[45].

  وهذا كله من باب تطهير قلوب الصحابة رضوان الله عليهم، وتنمية الخصال التي أودعها الله فيهم، ولو تتبعنا ذلك في أبواب فضائل الصحابة لوجدناه مستفيضا، مما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعهدهم بالتزكية والتربية والتوجيه في كل حين، فأدى النبي الكريم مهمة التزكية خير أداء، فكان بحق، أعظم من تولى هذا المنصب إلى يوم القيامة.

  ولقد أولى العلماء من أمته صلى الله عليه وسلم عناية كبيرة لهذا الجانب من الدين، لأنهم أدركوا قيمته في توجيه المكلفين إلى ما فيه صلاح نفوسهم وكمال أخلاقهم، أفرادا كانوا أو جماعات، "فالأخلاق في الإسلام هي الأصل في كل عمل، وحسنها هو الأصل في كل نفع"[46]، قال الإمام الشاطبي: "والشريعة كلها إنما هي تخلق بمكارم الأخلاق"[47]، ولا خفاء في أن تزكية النفوس هي باب التحقق بهذه المكارم.

  والمبحث الثاني من هذا الفصل، سيتناول أهمية التزكية في حياة الأمة، بإبراز ما أولاه علماء المسلمين لهذا الجانب من العناية، ثم ببيان حاجة المكلف إلى تهذيب نفسه مع الوقوف على دور التزكية في صلاح الأمة وفلاحها.




[1]  التحرير و التنوير لابن عاشور، 29/207 .

[2]  الجمعة، 1-2.

[3]  لسان العرب فصل الزاي، مادة: زكا.

[4]  القاموس المحيط 4/375 .

[5]  التوبة 103.

[6]  لسان العرب فصل الزاي – مادة : زكا.

[7]  الكهف 81.

[8]  النور 21.

[9]  لسان العرب فصل الزاي – مادة : زكا.

[10]  نفس المصدر، فصل الزاي – مادة : زكا.

[11]  النجم/31.

[12] أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية لمحمد سليمان الأشقر 1/28-29.  

[13]  التحرير و التنوير 2/49.

[14] البقرة / 129 .

[15]  البقرة /151.

[16]  التحرير و التنوير 2/49.

[17]  آل عمران / 164 .

[18]  الجمعة / 2.

[19]  أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية1/30.

[20] التربية النبوية: رسالة في حكم تصرف النبي صلى الله عليه وسلم ووارثه بالتزكية لحكيم الفضيل الإدريسي، ص 17.

[21] مقاصد الشريعة الإسلامية ص: 27.

[22] المصدر نفسه ص: 29.

[23] إحياء علوم الدين 3/53.

[24]  من هؤلاء المتقدمين الراغب الأصفهاني، أنظر الذريعة إلى مكارم الشريعة ص: 96.

[25]  الترك  النبوي و أثره في التشريع ، إبراهيم ألواح ص: 136 .

[26]  استلهمنا هذا التفريع من المعاني اللغوية التي دلت عليها مادة: زكا وهي: "الصلاح" و "الطهارة" و"الزيادة" و"الثناء"، فالباب الأول: يشير إلى المعنى الأول، والثاني: إلى معنى الطهارة، والثالث: إلى معنى الزيادة والثناء.

[27]  الموافقات، ص: 779-780.

[28]   صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب إن الإيمان هو العمل.

[29]  المصدر نفسه عن عبد الله بن مسعود، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها.

[30]  المصدر نفسه عن أبي موسى، كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل.

[31]  المصدر نفسه عن ابن عمر كتاب الإيمان باب إطعام الطعام من الإسلام.

[32]  صحيح مسلم كتاب البر و الصلة، باب إزالة الأذى عن الطريق.

[33]  الموافقات في أصول الشريعة ص: 781.

[34]  صحيح مسلم كتاب الإمارة، باب كراهية الإمامة بغير ضرورة.

[35]  سنن أبي داود، كتاب الصلاة باب أخذ الأجر على التأذين.

[36]  صحيح مسلم، كتاب فضائل القرآن وما يتعلق به باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف و بيان معناه.

[37]  المنهاج في شرح الجامع الصحيح للحسين بن الحجاج للنووي، 6/106 .

[38]  مسند الإمام أحمد من مسند علي بن أبي طالب.

[39]  صحيح مسلم كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتحقيق الصلاة.

[40]  المناهج في شرح الجامع الصحيح للحسين بن الحجاج النووي 4/185.

[41]  مقاصد الشريعة ص 32.

[42]  صحيح البخاري كتاب الإيمان والنذور باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم.

[43]  صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر، كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا".

[44]  سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، كتاب فضائل  أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

[45]  صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن.

[46]  سؤال الأخلاق: د.طه عبد الرحمــن، ص 188.

[47]  الموافقات في أصول الشريعة، ص: 263.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التصوف والدبلوماسية الروحية: الأبعاد الثقافية والتنموية والحضارية

سيرا على النهج السديد الذي اختاره المغاربة منذ القديم في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وجريا على السنة الحميدة التي دأبت عليها مؤسسة المتلقي العالمي للتصوف والطريقة القادرية البودشيشية كل سنة، ستنظم المؤسسة بشراكة مع المركز الأورو-متوسطي لدراسة الإسلام اليوم (CEMEIA) الدورة الثانية عشرة...

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

قبسات من درر العارفين (2)

محق التقوّل في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري

الملتقى العالمي الثاني عشر للتصوف: التصوف والدبلوماسية الروحية

نفحات روحية من خلال السيرة النبوية (1)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء رمضان لسيدي محمد بن عباد الرندي
التصوف عند علماء القرويين، المفهوم، التأصيل، التنزيل
السياسة الأخلاقية: مفهوم الحرية نموذجا

 

 

 

 

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

   ليس غريبا أن نجد الأستاذ علال الفاسي -وهو سليل أسرة أنجبت فطاحل مشايخ الصوفية- يهتم بعلائق التراث الصوفي ونفائسه، فبعد أن توسعت مدارك الرجل ونضج فكره وانفتحت آفاقه، رجع ليعترف ويقر بالقيمة الفكرية التي يحتلها علم التصوف في تاريخ الإسلام، بل سنجده مدافعا عن المنهج الصوفي الأصيل، منتقدا كل من حاول اختزال التصوف في بعض الممارسات الشاذة التي ألصقت بصوفية المغرب وهم منها براء؛ وفي هذا الصدد يقول: «إذا كانت ثمة منكرات أُدخلت على القوم، أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس، فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون، أم أي عقيدة...