قضايا صوفية

العهد أو ما يسمى بالبيعة عند الصوفية

حورية بن قادة: باحثة مساعدة بمركز الإمام الجُنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة.

لاشك أن الممارسة العملية أو التجربة الصوفية تعد من أهم العوامل التي ساعدت على بقاء التصوف واستمراريته، فالدين يبعث القوى في الإنسان وينظم سلوكه عن طريق الممارسات أو الأفعال التي يكررها على الدوام، والتي هي بدورها بمثابة الحافظ لهذا الدين من الاختفاء أو الزوال، وعلى ذلك فالممارسات العملية تقوي باطن المتدين أو الصوفي وظاهر سلوكه، وتجعل الفكرة الدينية حقيقة قابلة للنمو وللتأثر والتأثير في البيئة التي يعيش فيها، وهي إذ تنبع من الاعتقاد الديني فهي أيضا مؤثرة فيه ومتأثرة به من الناحية الأخرى.

وقد اهتم الصوفية بصفة خاصة بهذه الممارسات أو الشعائر الدينية لما لها من أهمية في ترقي المريد والوصول به لأسمى مقامات اليقين، كما تمد المشتركين فيها ببعض أساليب ووسائل الضبط حيث إنها تحدد طبيعة علاقاتهم بالآخرين وبالعالم المحيط بهم، ومن أُولى هذه الشعائر والممارسات: العهد أو ما يسمى بالبيعة.

        فإذا كان الطريق الصوفي يتشكل ويتكون من شيخ ومريد، فإن الذي يربط بينهما: العهد والبيعة، فإن العهد هو أوثق رباط بين رجلين تحابّا في الله وتعاهدا على طاعته،  إنها بيعة لله، وفي الله، ولله، وبالله. قال تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريب﴾. [1]                                                         

        وقال سبحانه وتعالى أيضا: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾.[2] والعهد أو ما يسمى بالمبايعة للشيخ معناه: الأخذ والتلقي، ومبايعة الشيخ هي تجديد لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ المشيخة في الدين وراثة النبوة. والبيعة عقد إلزامي يلزم المتعاقدين بالوفاء بالعهد لقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾.[3] والمناط العملي للبيعة الصوفية هو السلوك والأخلاق، وما يجب على المريد عمله تجاه ربه، وما ينبغي أن يكون عليه حيال البشر أو الخليقة بوجه عام...                                               

       وهذا المعنى متحقق في العهد عند الصوفية، حيث يقصد بأخذ العهد على المريد أن يحافظ على الواجبات والآداب الشرعية، ويراعي ما يلقنه له شيخه من الأذكار والأوراد والمجاهدات حالا بعد حال، ولا يهملها ولا يغفل عنها، فالمقصود بالعهد عند الصوفية هو التأكيد على السالك والمريد بالانتقال من حياة الغفلة وغلبة الشهوات إلى حياة التوبة والمراجعة للنفس، والبحث عن عيوبها، والإقبال على الله، فيتحقق بهذا العهد التأكيد على الانتقال من حال إلى أخرى، ومن مرحلة إلى مرحلة جديدة.                                                                                         

  يقول الإمام السّهروردي في ذلك: "لبس الخرقة- والمراد بها العهد والمبايعة- ارتباط بين الشيخ وبين المريد، وتحكيم من المريد للشيخ في نفسه، والتحكيم سائغ في الشرع لمصالح دنيوية، فماذا ينكر المنكر للبس الخرقة على طالب صادق في طلبه، يتقصد شيخا بحسن ظن وعقيدة، يحكمه في نفسه لمصالح دينه، يرشده ويهديه، ويعرفه طريق المواجيد، ويبصره بآفات النفوس، وفساد الأعمال، ومداخل العدو".[4]                                                     

وبالتالي فإن العهد الصوفي بين الشيخ والمريد معاهدة يلتزم بمقتضاها المريد بفعل المأمورات (العبادات)، وترك المعاصي، والتتلمذ للشيخ واتباع طريقته والالتزام بقواعد وآداب الطريق، والمداومة على الأذكار والأوراد، والحقيقة الراسخة عند الصوفية أن هذا العهد يمثل رمزا للمعاهدة بين الله سبحانه وتعالى وبين المريد، لأن يد الشيخ في المصافحة أثناء العهد هي رمز لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قال فيها سبحانه وتعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾.[5] فالعهد رباط مقدس لا يستطيع المريد أن يتحلل منه، لذلك يتوخى المشايخ عدم التسرع في إعطاء العهود للمريدين ليتأكدوا من عزمهم وصدقهم وإخلاصهم ومدى جديتهم في الطريق، وطاعتهم للشيخ الذي يعتبر مرشدا لهم كممثل للطريقة المنتمي إليها، والعهد هو وصلة دنيوية رمزية بين المريد والشيخ الذي يعلوه...[6]

وما بيعة المشايخ إلا تذكير بذلك العهد- بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وحثّ على العمل بمقتضاه، وزيادة على الربط الروحي الذي يقع بين المريد والشيخ الذي يأخذ على يده البيعة، فيتزكّى على يد ذلك الشيخ، وتصفى روحه وقلبه، حتى يراعي ذلك العهد، وإنما مراعاة ذلك العهد بالتمسك بالشريعة والعمل بها.

والحاصل أن تزكي الروح وتصفيتها وسلامة القلب من كدورات الدنيا كل ذلك ما أحبه الله تعالى لعباده وأمر به، فإذا وقع ذلك للعبد، وقع له القرب من الحضرة الإلهية، وذلك يقتضي أن يكون المؤمن عندئذ يبصر بالله، وينطق بالله، ويسمع بالله، فيكون سمعه من سمع الله، وبصره من بصر الله، وبطشه من بطش الله، فتخرق له العادة، وليس ببعيد أن يسمع خطاب ﴿ألست بربكم﴾. عيانا كما يسمعه الأولياء، وكما سمعته ذرية آدم- عليه السلام- عندما أشهدهم الله تعالى على أنفسهم في عالم الذر، فسماعه لهذا النداء مقام عظيم، لكنه لا يقع إلا بعد تزكية القلب والنفس، وهما لا يأتيان إلا ببيعة شيخ عارف بالله، له خبرة بتزكية القلوب وتطهيرها.[7]

فلابد لكل مسلم من البيعة ليسير مع شيخ يزكيه ويرشده حتى وإن كان عالما، (وذلك لأنه لا يكفي عند الصوفية في سلوكهم إلى طريق الله سبحانه وتعالى مجرّد العلم، فمجرد قراءة كتب التصوف عندهم- بلا معاناة لتهذيب النفس ومجاهدتها- إنما تعد متعة ذهنية، وثقافة عقلية، قد تشارك فيها النفس الأمارة بالسوء، فتكون طريقا إلى الضلالة، أما المنح الروحية من الله تعالى فهي نتيجة الجهود والأعمال، فالصوفية أرباب أحوال، لا أصحاب أقوال، وعندهم لم ينل المشاهدة من ترك المجاهدة)، فالعلم يحتاج إلى عمل، والسلوك هو العمل، ويحتاج إلى تزكية وتهذيب القلوب وأمراض النفوس، ولذا نجد أن أخذ العهد لم يكن قد حدث في زمننا هذا أو قبل مائة سنة أو أكثر، بل اتصل سند البيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمننا هذا، يأخذها عَلَم عن عَلَم، وكبير عن كبير، من ذلك ما ورد في فضل أبي حنيفة- رضي الله عنه- أن الأستاذ أبا علي الدقاق قال: "أخذت هذه الطريقة من أبي القاسم النصراباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو أخذها من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داوود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة، وكل منهم أثنى عليه وأقرّ بفضله".[8]

إذن فلم يكن يستغني عن أخذ الطريقة أحد من المتقدمين من أولي الفضل، فكيف بنا نحن في زمان تكثر فيه الفتنة والفساد؟!

وقد درج أئمة الصوفية يأخذون العهد على المريد بالتزام الدين والأخذ بالعزائم، ومجانبة الرخص والتأويلات، قال الإمام الشعراني في ذلك: "ثم لا يخفى عليك يا أخي أن من شأن أهل الله عز وجل كونهم يأخذون العهد على المريد بتركه المباح زيادة على الأمر والنهي طلبا لترقيه، إذ المباح لا ترقى فيه من حيث ذاته، وإنما هو أمر برزخي بين الأمر والنهي، جعله الله تعالى مرتبة تنفيس للمكلفين يتنفسون به من مشقة التكليف، إذ الإقبال على الله تعالى في امتثال الأمر واجتناب النهي على الدوام ليس من مقدور البشر...".[9]

فالناس مع تقادم العهد يتدرجون إلى الأسوأ، فيحتاجون من يحيي الله به قلوبهم، ويجدد به إيمانهم، فإذا جاءهم الشيخ المرشد الكامل وأخذ عليهم البيعة تراهم ينهضون وتتغير أحوالهم...

وفي ذلك يقول الإمام السهروردي: "فالمريد الصادق إذا دخل تحت حكم الشيخ وصحبته، وتأدب بآدابه، يسري من باطن الشيخ حال إلى باطن المريد، كسراج يقتبس من سراج، وكلام الشيخ إلى المريد بواسطة الصحبة وسماع المقال، ولا يكون هذا إلا لمريد حصر نفسه مع الشيخ، وانسلخ من إرادة نفسه، وفنى في الشيخ بترك اختيار نفسه، فبالتآلف الإلهي يصير بين الصاحب والمصحوب امتزاج وارتباط بالنسبة الروحية، والطهارة الفطرية، ثم لا يزال المريد مع الشيخ كذلك متأدبا بترك الاختيار، وحتى يرتقي من ترك الاختيار مع الله تعالى، ويفهم من الله كما كان يفهم من الشيخ، ومبدأ هذا كله الصحبة والملازمة للشيوخ والخرقة (العهد) مقدمة ذلك".[10]

مما سبق نخلص إلى أنه ينبغي لمريد الكمال أن يلتحق بمرشد يتعهده بالتوجيه ويرشده إلى الطريق الحق، ويضيء له ما أظلم من جوانب نفسه، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة وهدى ويقين؛ يبايع المرشد ويعاهده على السير معه في طريق التخلي عن العيوب والتحلي بالصفات الحسنة، والتحقق بركن الإحسان والترقي في مقاماته...

وأخذ العهد ليس أمرا مبتدعا من لدن الصوفية- كما يدعي البعض- بل إنه ثابت في القرآن والسنة وسيرة الصحابة:

فمن القرآن: سبق وأن ذكرنا قول الله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾.[11]

وقال تعالى أيضا: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾.[12]

وقال عز وجل:﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾.[13]

ومن السنة: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- وحوله عصابة من أصحابه-: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه. فبايعناه على ذلك".[14]

وعن يعلى بن شداد قال: "حدّثني أبي شداد بن أوس- رضي الله عنه- وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هل فيكم غريب؟"- يعني من أهل الكتاب- فقلنا: لا يا رسول الله، فأمر بغلق الباب، وقال: "ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله"، فرفعنا أيدينا ساعة وقلنا: لا إله إلا الله، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: "الحمد لله، اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا تخلف الميعاد"، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "أبشروا فإن الله قد غفر لكم".[15]

وقد سأل علي- كرم الله وجهه- النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "يا رسول الله دلني على أقرب الطرق إلى الله، وأسهلها على عباده، وأفضلها عنده تعالى"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليك بمداومة ذكر الله سرا وجهرا"، فقال علي: "كل الناس ذاكرون فخصني بشيء"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، ولو أن السموات والأرضين في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهم، ولا تقوم القيامة وعلى وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله". ثم قال علي: "فكيف أذكر؟" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "غمّض عينيك واسمع مني لا إله إلا الله ثلاث مرات، ثم قلها ثلاثا وأنا أسمع، ثم فعل ذلك برفع الصوت".[16]

ورُوي عن جرير بن عبد الله أنه قال: قلت: يا رسول الله، اشترط عليّ فأنت أعلم بالشرط. قال: "أبايعك على أن تعبد الله وحده، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتنصح المسلم، وتبرأ من الشرك".[17]

وعن جرير أيضا أنه قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم".[18]

وعن سلمى بنت قيس- رضي الله عنها- وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلّت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار، قالت: "جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، قال: "ولا تغششن أزواجكن" قالت: فبايعناه ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن ارجعي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حرّم علينا من مال أزواجنا؟ قالت: فسألته فقال: "تأخذ ماله فتُحابي به غيره".[19]

وعن أميمة بنت رقيقة قالت: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة، فقال لنا: "فيما استطعتن وأطقتن"، قلت: الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا، قلت: يا رسول الله بايِعنا، قال سفيان: تعني صافِحنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة".[20]

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بايع من هم صغار لم يبلغوا الحلم؛ فقد أخرج الطبراني عن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر- رضي الله عنهم- وهم صغار ولم يُبقِلوا (من أبقل وجهه إذا نبتت لحيته)، ولم يبلغوا ولم يبايع صغيرا إلا مِنّا".[21]

وأخرج الطبراني أيضا عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر- رضي الله عنهما- "أنهما بايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ابنا سبع سنين، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسّم وبسط يده، فبايعهما".[22]

وأما بيعة الصحابة رضوان الله عليهم لخلفاء رسول الله صلى الله عليه، فقد أخرج ابن شاهين في الصحابة عن إبراهيم بن المنتشر عن أبيه عن جده قال: "كانت بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾،[23] التي بايع الناس عليها البيعة لله والطاعة للحق، وكانت بيعة أبي بكر رضي الله عنه: "تبايعوني ما أطعت الله"، وكانت بيعة عمر رضي الله عنه ومن بعده كبيعة النبي صلى الله عليه وسلم.[24]

وخلاصة القول فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على حالات مختلفة، منها بيعتهم على الإسلام، وبيعتهم على أعمال الإسلام، وبيعتهم على الهجرة، وعلى النصرة والجهاد، وبيعتهم على الموت، وبيعتهم على السمع والطاعة...

ومن أجل هذا المعنى، كان البحث عن القدوة والنموذج الأمثل للأخذ عنه منذ الصدر الأول للإسلام؛ من ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه أنّ عبد الرحمن بن يزيد، وهو من أئمة وفقهاء التابعين، قال: "سألنا حذيفة بن اليمان عن رجل قريب السمت والهدي من النبي صلى الله عليه وسلم حتى تأخذ عنه...".[25]

وهكذا فمسألة الأخذ والتلقي مسلسلة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى مشايخ زماننا هذا،

فقد نهج الوُرّاث من مرشدي الصوفية منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في أخذ البيعة في كل عصر، فقد ذكر الأستاذ الندوي في كتابه: "رجال الفكر والدعوة في الإسلام": "أن الشيخ عبد القادر الجيلاني فتح باب البيعة والتوبة على مصراعيه، يدخل فيه المسلمون من كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي، يجددون العهد والميثاق مع الله، ويعاهدون على أن لا يشركوا ولا يكفروا، ولا يفسقوا، ولا يبتدعوا، ولا يظلموا، ولا يستحلّوا ما حرم الله، ولا يتركوا ما فرض الله، ولا يتفانوا في الدنيا، ولا يتناسوا الآخرة، وقد دخل في هذا الباب- وقد فتحه الله على يد الشيخ عبد القادر- خلق لا يحصيهم إلا الله، وصلحت أحوالهم، وحسن إسلامهم، وظل الشيخ يربيهم ويحاسبهم، ويشرف عليهم، وعلى تقدمهم، فأصبح هؤلاء التلاميذ الروحيون يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتوبة وتجديد الإيمان على يد عبد مخلص، وعالم رباني، وظل بينهم وبين الشيخ رباط وثيق عميق، أقوى من رباط التلاميذ بالأساتذة والشيوخ، ومن رباط الجند بالقائد، ومن رباط الرعية بالراعي، إنما هو رباط روحي ديني، لا يهن ولا ينحلّ، وإنما هو ميثاق لا ينقض ولا ينكث".[26]

وعليه، فليس في العهد الصوفي بهذا الاعتبار من مخالفة شرعية، ولا يعد متعارضا مع أصول الشريعة، ونصوص الكتاب والسنة تشهد له، بل إن تلك المعاهدات والبيعات قد كان لها من الأثر في الإصلاح والتزكية أقوى شأن وأوفر نصيب.

 

الهوامش: 

 

[1]- سورة الفتح، الآية: 18.

[2]- سورة الفتح، الآية: 10.

[3]- سورة النحل، الآية: 91.

[4]- عوارف، 1/108.

[5]- سورة الفتح، الآية: 10.

[6]- أثر الطريقة الصوفية في الحياة الجتماعية: دراسة أنثروبولوجية في مصر والمغرب، بحث لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة الإسكندرية، كلية الآداب، سنة 1990م، ص: 213.

[7]- العهد والبيعة عند السادة الصوفية، فلاح حسن سالم الجبوري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1427ھ-2006م، ص: 44.

[8]- الدر المختار، عبد الرحمن الحنفي الحصكفي، تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1423ھ-2002م، 1/14.

[9]- لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية، عبد الوهاب الشعراني، دار القلم العربي بحلب، ط: 1413ھ-1993م، ص: 5.

[10]- عوارف المعارف، السهروردي (ت632ھ)، تحقيق: أحمد عبد الرحيم السايح، وتوفيق علي وهبه، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 1428ھ-2006م، 1/109.

[11]- سورة الفتح، الآية: 10.

[12]- سورة النحل، الآية: 91.

[13]- سورة الإسراء، الآية: 34.

[14]- صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار، رقم الحديث: 18.

[15]- مسند أحمد بن حنبل، من مسند الشاميين، حديث شداد بن أوس، رقم الحديث: 17057.

[16]- الموطأ، مالك بن أنس، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة، ط: 1426ھ-2005م، كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء، رقم الحديث: 32.

[17]- مسند أحمد بن حنبل، أول مسند الكوفيين، من حديث جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث: 19054.

[18]- صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : "الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، رقم الحديث: 57.

[19]- مسند أحمد بن حنبل، باقي مسند الأنصار، من حديث سلمى بنت قيس- رضي الله عنها-، رقم الحديث: 27248.

[20]- سنن الترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في بيعة النساء، رقم الحديث: 1597.

[21]- المعجم الكبير، الطبراني، تحقيق: أبو محمد الأسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1428ھ-2007م، 2/239، رقم الحديث: 2774.

[22] - مجمع الزوائد، أبو بكر بن سليمان الهيثمي المصري، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1422ھ-2001م، 9/342، رقم الحديث: 15538، باب في عبد الله بن جعفر- رضي الله عنه وغيره.

[23]- سورة الفتح، الآية: 10.

[24]- الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، 1429ھ-2008م، 10/320.

[25]- صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب عبد الله بن مسعود، رقم الحديث: 3762.

[26]- رجال الفكر والدعوة في الإسلام، أبو الحسن الندوي، دار القلم، دمشق، ط2، 1431ھ-2010م، 1/349-350.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الرضا ترك الاختيار

هو من أسمى المقامات وأرفع المراتب القلبية، إذا تحقق به المؤمن استطاع أن يتلقى نوائب الدهر وأنواع المصائب بإيمان راسخ، ونفس مطمئنة، وقلب ساكن، بل قد يشعر بالسرور والفرح بمُرِّ القضاء، علما منه أن ربّه وحبيبه هو الذي ابتلاه، لأن "الله سبحانه مالك الملك، يتصرف فيه بمقتضى حكمته ومشيئته، وكل تصرف منه إنما يجري وفق مشيئته التي وضعها في الكون وقوانينه المضطردة في الوجود...

جديد قضايا صوفية

جديد قضايا صوفية

الرضا ترك الاختيار

اليـقيـن ارتفاع الريب في مشهد الغيب

الأوصاف النموذجية للشيخ المربي

لا تَسْكُنْ إلى نَفْسِك...

رسالة في التربية الصوفية للشيخ اليوسي 2

 

           

    

اليـقيـن ارتفاع الريب في مشهد الغيب

     هو من الإيمان بمنـزلة الروح من الجسد. وبه تفاضل العارفون. وفيه تنافس المتنافسون. وإليه شمر العاملون. وعمل القوم إنما كان عليه. وإشاراتهم كلها إليه. وإذا تزوج الصبر باليقين: ولد بينهما حصول الإمامة في الدين. قال الله تعالى وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾