قضايا صوفية

الذّكر منشور الولاية وعمدة الطريق الصوفي

حورية بن قادة باحثة مساعدة بمركز الامام الجُنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

للذكر مقام شريف، ومكانة مرموقة عند الصوفية، فهو الذي يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى الشهود، ويثمر المعارف والأحوال التي شمّر إليها السالكون، والتي لا سبيل إلى نيل ثمارها وبركاتها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظُمت تلك الشجرة ورسخ أصلها، كان أعظم لثمرتها وفائدتها...، والذكر أصل كل مقام وقاعدته التي يُبنى عليها، كما يُبنى الحائط على أساسه، وكما يقوم السقف على جداره...، ولم يحظ نمط من أنماط العبادة بعد أداء الفروض بالعناية الفائقة، مثل ما حظي به الذكر من قِبَلِ رجالات التصوف، فالذكر عندهم ركن أساسي وقوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، ولا يصل أحد إلى الله تعالى إلا بدوام الذكر، فبداية الطريق تتمثل في تزكية النفس وتطهير القلب، وهدف الطريق تحقيق الحب الإلهي، والوصول إلى معرفة الله تعالى، وكل ذلك لا يتأتّى إلا بدوام الذكر، والعبد إذا لم يستيقظ من غفلته فلا يمكنه قطع منازل السير الموصلة إلى معرفة الله تعالى، والتي خلق الله الإنسان لأجلها، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.[1]

وقد امتثل الصوفية لأمر مولاهم عز وجل في الإكثار من ذكره سبحانه، فبنوا طريقهم وتوجههم على ذكر الله تعالى، وجعلوه قوام وأساس التصوف الذي هو روح الإسلام.. وقد أشار إلى ذلك سيد الطائفة الصوفية الإمام الجنيد -رحمه الله تعالى-، حيث قال في تعريفه للتصوف: "التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة".[2] وهذه الكينونة في المعية الإلهية لا تتحقق إلا بدوام الذكر، لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه".[3] وقال الله عز وجل أيضا في الحديث القدسي:  "أنا جليس من ذكرني".[4]

  فالذكر فضيلة من أسمى الفضائل، والدليل على ذلك ما ورد في كتاب الله من الآيات القرآنية الكريمة التي تحثُّ على ذكر الله تعالى، وما شرعت العبادات كلها إلا لإقامة ذكر الله تعالى، فتارة قُصد بالذكر القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون﴾.[5]  وتارة قُصد به صلاة الجمعة، كما في قوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾.[6] وفي موطن آخر عُني به العلم، وفي ذلك قال الله جلّ شأنه: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.[7] وفي معظم النصوص أُريدَ بكلمة "الذكر" التسبيح والتهليل والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر الله عز وجل، إما فرضا وإما ندبا، وسواء كان قاعدا أو قائما أو على أيّة هيئة كان، وقد قال الله جلّ جلاله في ذلك: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾.[8] ثم إن الله عز وجل أثنى على الذاكرين، واشترط في الذكر الكثرة، ولم يشترط ذلك في غيره من سائر الأعمال، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا﴾.[9] وقال سبحانه وتعالى أيضا: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾.[10] وقال سبحانه: ﴿واذكر اسم ربك وتبتّل إليه تبتيلا﴾.[11] وقال عز من قائل: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.[12] وقال جلّ جلاله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾.[13] وقال تعالى أيضا: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾.[14] إلى غير ذلك من الآيات القرآنية في هذا المعنى...

كما دلّت على أفضلية ذكر الله عز وجل، وبيّنت مثوبته السنة المطهرة وذلك من خلال الأحاديث الشريفة في الأمر بالذكر والحث عليه...، فقد تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذكر في صورة الاستغفار، وعن الذكر في صورة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الذكر في صورة التسبيح، وعن الذكر في صورة الحمد، وعن الذكر في صورة التكبير، وعن الذكر بلا إله إلا الله...

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه".[15]

وعن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأنبئني منها بشيء أتشبّث به، قال: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل".[16]

وعن أبي الدرداء- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى. فقال معاذ بن جبل- رضي الله عنه- ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله".[17]

ولقد استفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث عن الذكر استفاضة ملأت كتبا بأكملها، وألفت في ذلك كتب كثيرة، وأبواب مستفيضة في كتب السنة.

كما تحدث علماؤنا الأجلاء -صوفية وغير صوفية- أيضا عن فضيلة الذكر وثمرته، فقال الإمام أبو القاسم القشيري: "الذكر منشور الولاية، ومنار الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة النهاية، فليس وراء الذكر شيء؛ وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها الذكر".[18] وقال أيضا: "الذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، بل هو العمدة في هذا الطريق، ولا يصل أحد إلى الله تعالى إلا بدوام الذكر".[19]

وقال ابن قيم الجوزية: "ولا ريب في أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تُرك صدأ، فإذا ذكر جلاه، وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة، والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار، والذكر. فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكما على قلبه، وصدؤه بحسب غفلته، وإذا صدأ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه؛ فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ واسودّ، وركبه الرّان فسد تصوره وإدراكه فلا يقبل حقا، ولا ينكر باطلا، وهذا أعظم عقوبات القلب. وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره".[20] قال الله تعالى في ذلك: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطا﴾.[21]

وقال الشيخ أحمد زروق -رحمه الله- في "قواعده": "الخواص ثابتة في الأقوال والأفعال والأعيان، وأعظمها خواص الأذكار، إذ ما عملَ آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله".[22]

وقال سيدي ابن عجيبة -رحمه الله تعالى-: "لا يكون الفتح على تحقيق العبد بمقام الرضا إلا بعد تحققه بثلاثة أمور في بدايته:

• الاستغراق في الاسم المفرد "الله"، وهذا خاص بالمأذونين بذكر الاسم من مرشد كامل

• صحبته للذاكرين

• تمسكه بالعمل الصالح الذي لم يتصل به شيء من العلل، وهو التمسك بالشريعة المحمدية".[23

وقال سيدي ابن عطاء الله السكندري: "الذكر هو التخلص من الغفلة والنسيان، بدوام حضور القلب مع الحق، وقيل: ترديد اسم الله بالقلب واللسان، أو ترديد صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أو فعل من أفعاله، أو غير ذلك مما يُتقرّب به إلى الله تعالى".[24]

ولم يتحدث الصوفية عن الذكر بالأسلوب النثري فقط، وإنما تحدّثوا عنه شعرا جميلا، ومن ذلك ما كان الشبلي ينشده في مجلسه:[25]

 ذكرتك لا أني نسيتك لمحـــة
 وكدت بلا وجد أموت من الهوى
 فلما رآني الـوجد أنك حاضري
 فخاطبت مــوجودا بغير تكـلم

 

وأيسر ما في الذكر ذكر لساني
وهام عليّ القلب بالخفقـــان
شهدتك موجودا بكل مكـــان
ولاحظت معلوما بغير عيــان

   فذكر الله عز وجل إذن، هو محور الطريق والأساس فيه، وتكمن أهميته العظمى في ارتباطه بأسماء الله تعالى الحسنى، وبكل ما يتصل به من تسبيح وتعظيم، إذ أن عظمة الشيء تكمن في ارتباطه بالعظيم...، ولذا كانت تجربة الحب الإلهي تجربة إنسانية رائعة، لا يدرك أبعادها ولا يعي مضامينها إلا أولئك الذين عاشوا مشاعر الاستغراق في أبدية الحب والشوق الإلهي العميق، والذكر ضرورة ليس فقط في بداية الطريق، وإنما في جميع مراحله، وقد أجمع مشايخ الطريق أنه ليس للمريد دواء أسرع في جلاء قلبه من مداومة الذكر، إذ أنه ما سلك المريد في الطريق الصوفي مسلكا أصح وأوضح من الذكر، ولن يترقى المريد إلا بالذكر لأنه الأساسي في طريق القوم.

  الهوامـــش

[1]- سورة الذاريات، الآية: 56.

[2]- الرسالة القشيرية، أبو القاسم القشيري (465ھ)، تحقيق: معروف مصطفى زريق، المكتبة العصرية، بيروت، ط: 1426ھ-2005م، ص: 280.

[3] - سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب في حسن الظن بالله عز وجل، رقم الحديث: 3603.

[4] - المقاصد الحسنة، السخاوي (ت902ھ)، تحقيق: عبد الله محمد الصديق، وعبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص: 119، الحديث رقم: 186.

[5] - سورة الحجر، الآية: 9.

[6] - سورة الجمعة، الآية: 9.

[7] - سورة الأنبياء، الآية: 7.

[8] - سورة النساء، الآية: 103.

[9] - سورة الأنفال، الآية: 45.

[10] - سورة الأحزاب، الآية: 35.

[11] - سورة المزمل، الآية: 8.

[12] - سورة الرعد، الآية: 28.

[13] - سورة البقرة، الآية: 114.

[14] - سورة النور، الآية: 37.

[15] - سنن ابن ماجة، كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله، رقم الحديث: 3792.

[16] - سنن ابن ماجة، كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله، رقم الحديث: 3793.

[17] - سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الذكر، رقم الحديث: 3377.

[18] - الرسالة القشيرية، أبو القاسم القشيري، ص: 221.

[19] - المصدر السابق، ص: 221.

[20] - الوابل الصيب من الكلم الطيب، ابن قيم الجوزية، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، د.ط، ص: 40.

[21] - سورة الكهف، الآية: 28.

[22] - قواعد التصوف، أحمد زروق (ت899ھ)، تحقيق: عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3، 1428ھ-2007م، ص: 74، القاعدة: 109.

[23] - تجريد شرح الأجرومية لابن عجيبة، ص: 29.

[24] - مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح، ابن عطاء الله السكندري (ت709ھ)، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د.ط، ص: 7.

[25] - الرسالة القشيرية، أبو القاسم القشيري،  ص: 223..



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد قضايا صوفية

جديد قضايا صوفية

لا تَسْكُنْ إلى نَفْسِك...

رسالة في التربية الصوفية للشيخ اليوسي 2

الفرح بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

رسالة في التربية الصوفية للشيخ اليوسي

للصحبة والأخوة في الله شروط وضوابط عند الجنيد

           

    

لا تَسْكُنْ إلى نَفْسِك...

كانت دعوة رجالات التصوف وأهله، ولا تزال، موجهة إلى إصلاح النفوس وتهذيبها، والرقيّ بها في مدارج السالكين، سائرة لربّ العالمين، فترقية النفس وأخذها بالمجاهدة والرياضة، من كونها أمّارة إلى كونها لوّامة، وملهمة، وراضية، ومَرْضيّة، ومطمئنّة، كان هو الهدف الرئيسي من صحبة المريدين لشيوخ التصوف، الذين يتوفرون على العلم بالشريعة والحقيقة، والمعرفة الراسخة، والخبرة والدراية، التي تؤهلهم لتزكية النفوس وتطهيرها، وتنقيتها من القبائح والرذائل العقدية والخلقية، وتجميلها بالفضائل ومحاسن الصفات.

رسالة في التربية الصوفية للشيخ اليوسي

    فنسأل الله تعالى أن يبلغ أملك، ويصلح عملك، وأن يرزقنا وإياك الحفظ والفهم. ويطهر نفوسنا من كل وصم، وعليك بكثرة تجديد التوبة ولا سيما في الأسحار، وعند استحضار الاضطرار والانكسار، وبزيارة الصالحين، فإنها نافعة بإذن الله تعالى في كل شيء، ويتجنب ما يورث قلة الحفظ من الأطعمة البلغمية...