قضايا صوفية

سؤال الشيخ في التربية 2

د.طارق العلمي

باحث بمركز الإمام الجنيد

     لقد سبق بيان نص الفتوى التي أرسلها الإمام الشاطبي (790هـ) إلى كل من الفقيهين المغربيين: أحمد القباب (778هـ)، وابن عباد الرندي (792هـ) يستفتيهما في قضية الاكتفاء بالكتب دون الشيخ، أم أن الشيخ المربي واقع لا مناص عنه في السلوك التربوي؟ إلا أنه بخلاف ما أجاب به الشيخين في قضية هذه الفتوى، فقد خاض علماء آخرون من (ق.9) في نفس المسألة، ما يشير إلى أن صدى هذه القضية قد امتد إلى القرن الموالي، لذلك يمكن أن نسمها بقضية القرن، وسنأتي على ذكر كل من العلامة ابن خلدون (808هـ) من خلال كتابه: «شفاء السائل لتهذيب المسائل»، والشيخ زروق (899هـ) في كتابيه: «عدة المريد الصادق» و «قواعد التصوف»كممثلين بارزين في الموضوع خلال هذه الفترة.

     جواب ابن خلدون: وقف ابن خلدون على تقييد وصل من عدوة الأندلس، يخاطب بعض الأعلام من أهل مدينة فاس، «طالبا كشف الغطاء في طريق الصوفية، أهل التحقق في التوحيد الذوقي والمعرفة الوجدانية، هل يصح سلوكه والوصول به إلى المعرفة الذوقية، ورفع الحجاب عن العالم الروحاني، تعلما من الكتب الموضوعة لأهله واقتداء بأقوالهم الشارحة لكيفيته، فتكفي في ذلك مشافهة الرسوم، ومطالعة العلوم، والاعتماد على كتب الهداية الوافية بشروط النهاية والبداية، «كالإحياء والرعاية» أم لابد من شيخ يبين دلائله، ويحذر غوائله، ويميز للمريد عند اشتباه الواردات والأحوال مسائله»[1]، فندب نفسه إلى كشف الغطاء وتحرير محل النزاع في المسألة، فألف في ذلك كتابه «شفاء السائل لتهذيب المسائل»، أتى فيه على ذكر المسألة بناء على تقسيمه للمجاهدات إلى ثلاث مستويات: مجاهدة التقوى، ومجاهدة الاستقامة، ومجاهدة الكشف.

     - فمجاهدة التقوى، وهي الوقوف عند حدود الله، وحصولها في الظاهر بالنزوع عن المخالفات والتوبة عنها، وترك ما يؤدي إليها من الجاه والاستكثار من المال وفضول العيش والتعصب للمذاهب، وفي الباطن مراقبة أفعال القلب التي هي مصدر الأفعال، ومبدؤها أن يلم بمقارفة محظور أو إهمال واجب، وهذه المجاهدة لا يُضطر فيها إلى الشيخ، «وإنما يكون لصاحب المجاهدة كمالٌبالإقتداء بشيخ معلم يبين له الحق في صور الأفعال لقنا بالعيان، وهو من شروط الكمال في كل تعلم»[2].

     - ومجاهدة الاستقامة، فهي تقويم النفس وحملها على التوسط في جميع أخلاقها حتى تهذب بذلك، وتتحقق به فتحسن أخلاقها، وتصدر عنها أفعال الخير بسهولة، وتصير لها آداب القرآن والنبوة بالرياضة والتهذيب خلقا جبلية، كأن النفس طبعت عليها، وهي «محتاجة بعض الشيء إلى الشيخ المعلم، لعسر الإطلاع على خلق النفس، وخفاء تلونات القلب، وصعوبة علاجها ومعاناتها...فإذن يتأكد طلب الشيخ في حق صاحب هذه المجاهدة»[3].

     - أما «مجاهدة الكشف والمشاهدة التي مطلوبها رفع الحجاب والإطلاع على العالم الروحاني، وملكوت السماوات والأرض، فإنها مفتقرة إلى المعلم المربي، وهو الذي يعبر عنه بالشيخ، افتقار وجوب واضطرار لا يسع غيره، ولا يمكن في الغالب حصولها دونه»[4].

     فشيخ التربية بالنسبة لابن خلدون يكون من شروط الكمال في مجاهدة التقوى، ويتأكد وجوده في مجاهدة الاستقامة لخفاء تلونات النفس، ويتوجب الشيخ المربي في مجاهدة الكشف والمشاهدة، لأنها لا تحصل إلا بعد محو الصفات البشرية، والتوجه إلى مطالعة الحضرة الربانية، من أجل انكشاف الحجاب وظهور أسرار العوالم الروحانية.

جواب الشيخ زروق:  

ساهم الشيخ زروق في الخلاف الدائر حول مركزية الشيخ في السلوك التربوي، لما لا يمكن أن تفي به قراءة كتب القوم، ونَظَرَ إلى الأجوبة التي قدمها الفقهاء على نص الفتوى، بأن «كل واحد أجاب على حسب فتحه»[5]، وأجمل كلامهم في ثلاث أجوبة:

«أولها: النظر للمشايخ:

فشيخ التعليم، تكفي عنه الكتب للبيب حاذق، يعرف موارد العلم.

وشيخ التربية، تكفي عنه الصحبة لذي دين عاقل ناصح.

وشيخ الترقية، يكفي عنه اللقاء والتبرك، وأخذ كل ذلك من وجه واحد أتم. 

الثاني: النظر بحال الطالب:

فالبليد لابد له من شيخ يربيه.

واللبيب يكفي الكتاب في ترقيه، لكنه لا يسلم من رعونة نفسه وإن وصل، لابتلاء العبد برؤية نفسه.

الثالث: النظر للمجاهدات:

فالتقوى لا تحتاج إلى شيخ لبيانها وعمومها.

والاستقامة تحتاج إلى شيخ في تمييز الأصلح منها.

والترقية لابد فيها من شيخ يرجع إليه في فتوحها، كرجوعه عليه السلام للعرض على ورقة بن نوفل، حين فاجأه الحق»[6].

     ولقد ساق الشيخ زروق مجموعة من القواعد التي تمثل بمجموعها إجابة واضحة على ضرورة الشيخ المربي،  قوله في قواعده: «إنما يؤخذ علم كل شيء من أربابه»[7] وهو مبدأ عام يشمل جميع العلوم، ومقتضى العبارة يدل على أن الدخول إلى هذه المجالات المعرفية لابد من أن يكون عن طريق أصحابها، لاختصاصهم وأهليتهم في تلك الميادين، فلا يأخذ علم الفقه من متكلم، ولا تصوف من فقيه ....وغير ذلك، وقد أشار الإمام الشاطبي إلى أن ذوي الاختصاص في بعض العلوم الشرعية، يوظفون آليات ليست من صميم مجالهم تقليدا.

     ويضيف إلى أن «أخذ العلم والعمل من المشايخ أتم من أخذه دونهم ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [العنكبوت:49] ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ [لقمان: 15]، ويقرر أن «فتح كل أحد ونوره على حسب فتح متبوعه ونوره.

فمن أخذ علم حاله عن أقوال العلماء مجرة، كان فتحه ونوره منهم.

     فإن أخذه عن نصوص الكتاب والسنة، ففتحه ونوره تام، ولكن فاته نور الإقتداء وفتحه، ولذلك تَحَفَّظَ الأئمة عليه، حتى قال ابن المديني رحمه الله: كان ابن المهدي يذهب لقول مالك، ومالك يذهب لقول سليمان بن يسار، وسليمان يذهب لقول عمر بن الخطاب، فمذهب مالك إذن مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.

قال الجنيد رحمه الله: من لم يسمع الحديث، ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه عن المتأدبين: أفسد من اتبعه».[8]

     وأيضا «من كمال التقوى وجود الاستقامة، وهي حمل النفس على أخلاق القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: 199] ﴿وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا﴾ [الفرقان: 63] وقوله تعال: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة﴾ [المومنون: 96]

     ولا يتم أمرها إلا بشيخ ناصح، أو أخ صالح، يدل العبد على اللائق به، لصلاح حاله، إذ رب شخص ضره ما انتفع به غيره.

ويدل على ذلك اختلاف أحوال الصحابة في أعمالهم، ووصايا رسول الله ﷺ لهم، ومعاملته معهم»[9]

وأيضا «ضبط النفس بأصل يرجع إليه في العلم والعمل لازم، لمنع التشعب والتشعث.

فلزم الإقتداء بشيخ قد تحقق إتباعه للسنة، وتمكنه من المعرفة، ليرجع فيما يرد أو يراد»[10]

     وجملة القول من خلال ما ذكره كل من ابن خلدون والشيخ زروق أن الشيخ المربي يتأكد في مجاهدة الاستقامة، ويتوجب في مجاهدة الكشف والمشاهدة، إلا مجمل كلام الشيخ زروق يعد أكثر تفصيلا، بحيث إن العديد من النصوص خصوصا في كتابه «قواعد التصوف» تؤكد على ضرورة الشيخ المربي في السلوك التربوي، وإن أخذ المتقرب بنصوص الكتاب والسنة فإنه يفوته نور الإقتداء وفتحه.

الهوامش


 

[1]  شفاء السائل لتهذيب المسائل: ابن خلدون، ص 173.

[2] المصدر نفسه، ص 221.

[3] نفسه، ص 222.

[4] نفسه، ص 222.

[5] عدة المريد الصادق: زروق، ص 75.

[6] المصدر نفسه، ص 75-76.

[7] قواعد التصوف، زروق، ص 69.

[8] المصدر نفسه، ص 55.

[9] نفسه، ص 71-72.

[10] نفسه، ص 75.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد قضايا صوفية

جديد قضايا صوفية

لا تَسْكُنْ إلى نَفْسِك...

رسالة في التربية الصوفية للشيخ اليوسي 2

الفرح بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

رسالة في التربية الصوفية للشيخ اليوسي

للصحبة والأخوة في الله شروط وضوابط عند الجنيد

           

    

لا تَسْكُنْ إلى نَفْسِك...

كانت دعوة رجالات التصوف وأهله، ولا تزال، موجهة إلى إصلاح النفوس وتهذيبها، والرقيّ بها في مدارج السالكين، سائرة لربّ العالمين، فترقية النفس وأخذها بالمجاهدة والرياضة، من كونها أمّارة إلى كونها لوّامة، وملهمة، وراضية، ومَرْضيّة، ومطمئنّة، كان هو الهدف الرئيسي من صحبة المريدين لشيوخ التصوف، الذين يتوفرون على العلم بالشريعة والحقيقة، والمعرفة الراسخة، والخبرة والدراية، التي تؤهلهم لتزكية النفوس وتطهيرها، وتنقيتها من القبائح والرذائل العقدية والخلقية، وتجميلها بالفضائل ومحاسن الصفات.

رسالة في التربية الصوفية للشيخ اليوسي

    فنسأل الله تعالى أن يبلغ أملك، ويصلح عملك، وأن يرزقنا وإياك الحفظ والفهم. ويطهر نفوسنا من كل وصم، وعليك بكثرة تجديد التوبة ولا سيما في الأسحار، وعند استحضار الاضطرار والانكسار، وبزيارة الصالحين، فإنها نافعة بإذن الله تعالى في كل شيء، ويتجنب ما يورث قلة الحفظ من الأطعمة البلغمية...