دراسات وأبحاث

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس..(1)

عزيز بوزغيبة

تمهيد

     الحمد لله الذي أوضح لأوليائه سبل الهداية، وأزاح عن بصائرهم غشاوة الغواية، ونور سرائرهم بفيوضات رحمته العلية فغابوا في عظمته البهية، ونزهو الفكر في علاه، واستنشقوا نفحة هواه الصمدية الطاهرة، مدبر الشهور والأعوام، ومصرف الليالي والأيام، جلت قدرته لا إله إلا هو الحي القيوم القدوس الطاهر العلي القاهر رب السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم؛ الذي أسعد قلوب أوليائه بأنوار معرفته، وأودع لطائف أسراره في قلوبهم، وخلص قلوبهم من العلل القلبية المهلكة، وبين لهم مناهج التربية الباطنية، النوراني القويم في قرآنه الكريم وسنة نبيه الكريم، وأوضح لهم مبادئ الهدى والرحمة في أحكام شريعته الحنيفية السمحة، وجعل فلاحهم وصلاحهم في تزكية نفوسهم والتماس السبل الكفيلة لتحقيق طمأنينة قلوبهم وتربيتها على الفطرة السليمة..والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين المصطفى عليه أزكى الصلاة والسلام بدر التمام وروضة المحبين ومهجة العارفين الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، ونور بجماله وجلاله الأكوان، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وعلى كل من تبعهم بالإحسان إلى يوم الدين..

     أما بعد إن المتتبع للتاريخ الإسلامي العريق والمستقصي لأخباره المتعاقبة عبر تسلسلها الزمني وفي مجموعة من محطاته منذ بزوغ فجر الإسلام إلى عصرنا الحالي، ليقف وقفة إجلال وإكبار على عظمة الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان، فكل تعليماتها وتوجهاتها الربانية الحكيمة وبعقيدتها الخالصة في توحيدها وتوجهها تعمل على تربية المجتمع داخل هذه المنظومة الكونية على المبادئ الأخلاقية السمحة، وإخراجه من حظيرة الشهوات النفسية واتباع الهوى إلى عبادة الله عز وجل والفناء في ذكره والتوجه إليه سلوكا ومنهجا بالاعتماد على منهج المحبة والسلام والتسامح والانفتاح على كل المكونات الاجتماعية برحابة صدر أخلاقية متكاملة...

     ولقد كانت مهمة الأنبياء والرسل دعوة إلى الله عز وجل وتحقيق السمو الأخلاقي والروحي المنشود، وترسيخ أواصر التعامل الأخلاقي بكل مقوماته، وتنوير القلوب وترشيدها من مزالق الزيغ والانحراف وحفظها من ونوازع الهوى وذلك بإصلاح القلوب العليلة وتزكيتها بأنوار المعرفية الربانية وإرجاعها إلى طريق الله المستقيم.

     كما نجد أن هناك مجموعة من الكتابات التي تولت دراسة موضوع التصوف الإسلامي انطلاقا من جوانبه التربوية العامة قد فَصَّلت الكلام في هذا المجال الموضوعي العام وحاولت قدر الإمكان توضيح أهمية التربية الصوفية ودورها في تزكية النفوس ابتداء بالبحث عن تلونات النفوس وتقلباتها، وبيان طرق ووسائل تزكيتها وتطهيرها من غوائلها المهلكة..

     وبناء على ما تهدف إليه هذه الكتابات عند إشارتها لهذا الجانب الروحي في الشريعة الإسلامية؛ فإنه من الأهمية بمكان أن نبين في هذا المضمار جملة من المواضيع والقضايا العامة التي تعالج موضوع التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس.. ومن جملة هذه القضايا تحديد دور التربية الصوفية في تطهير القلوب من مختلف الأمراض الباطنية، إلى جانب تحديد أنواع الأمراض الباطنية التي تحجب الإنسان عن معرفة الله تعالى، وتحديد أسباب وبواعث هذه الأمراض، والطرق الكفيلة لتطهير القلوب منها.

     لقد اهتم التصوفية قديما وحديثا في مجموعة من مؤلفاتهم بالحديث عن علل القلوب، وبينوا أن السالك لطريق أهل التصوف، والذي يبتغي في سيره الترقي التدريجي في مدارج السلوك العرفاني ما عليه إلا أن يقتحم معترك التجربة الصوفية، وأن يجاهد نفسه بكل حزم وتأكيد قصد تخليصها من قيود الغفلة، وصقلها بألوان مختلفة من العبادات التي تزيل عن القلب غشاوة الغفلة، وتنوره بفيوضات المحبة ليحصلَ له الشهودُ الحق واليقين المطلق، وتنكشِف عنه الحُحُب الظلمانية وتتقوى بصيرته بصفاء المعرفة، وتشتد عزيمته وإرادته، وتتجلى له الحقائق في عالم الحق والحقائق..  

     كما بين علماء التربية الصوفية أن القلب كلما كان طاهرا صافياً نقيا، كلما تجلَّت له الحقائق، وانطمست عنه الأوهام، فالسالك في طريق القوم لا يمكنه أن يصل إلى هذه الدرجة الرفيعة والمنزلة السامية إلا بالتخلي عن ملذات الدنيا وشهواتها، والتخلص من سلطة النفس الأمارة بالسوء وتطهير القلب من مختلف الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة،‏ والتحرر من نزوات المادة وشهواتها الفانية والتي هي سبب كل الخطايا والمهلكات، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى أَشَدَّ إقبال وتوجه وامتثال، والتحلي بالصفات الأخلاقية المحمودة التي هي سبب النجاة والفلاح.. قصد السعادة في الدارين، وهذه هي الغاية القصوى والمرتبة الدنيا والدرجة العليا في مقامات القرب، فمن قويت بصيرته واشتدت عزيمته سمت إلى هذا المطلوب المنشود.

     كما تبين لعلماء التربية الصوفية أن الكثير من الانحرافات السائدة في المجتمعات ترجع أسبابها إلى تراكم جملة غير متناهية من الأمراض الباطنة في قلوب الناس بسبب الغفلة والبعد عن الله تعالى ومن جملة هذه الأمراض الباطنية على سبيل المثال لا الحصر الحسد والكبر والشح والرياء وحب الدنيا.. وقد تنبه الإمام سعيد حوى لخطورة هذه العلل القلبية في الحياة الاجتماعية للناس لذلك قال: "وإنه بدون الاستفادة من التجربة الصوفية لا يمكن أن تعالج الكثير من أمراض النفس البشرية"[1] فقد جعل التربية الصوفية من الضروريات الأساسية اللازمة التي لا يمكن الاستغناء عنها لكونها تربية نورانية تشتاق إليها النفوس التي تحب الرحمة والمحبة والتآخي والتعاون على البر والتقوى بين مختلف الشرائح الاجتماعية. أما الإمام الحارث بن أسد المحاسبي فقد أحس بدوره بالسلبيات الدفينة لهذه العلل الباطنية انطلاقا من تجربته الصوفية عندما قال: "ثم وجدت أن سبيل النجاة في التمسك بتقوى الله وأداء فرائضه، والورع في حلاله وحرامه وجميع حدوده، والإخلاص لله تعالى بطاعته والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.."[2]. فسبيل النجاة عند الإمام المحاسبي يقتضي محاسبة النفس الأمارة بالسوء وترشيدها إلى طريق التقوى والإخلاص بغية صفاء القلب من دسائس النفس وتلوناتها المهلكة.. والاهتمام بطهارة القلب من الأغيار والأكدار، بالذكر والتوجه الصادق إلى حضرة الله عز وجل في مدارج السلوك العرفاني لتنكشف له مراقي السعادة وجواهر المحبة ونبراس اليقظة الباطنية حتى يكون سالما طاهرا تحقق فيه قوله تعالى: "يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ اَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" [الشعراء، 88-89].

     فتزكية النفوس تعد من الركائز الأساسية التي تنبني عليها التربية الصوفية في مختلف أبعادها ومقاصدها، كما أن علماء التربية الصوفية قد فصلوا الكلام في بيان وتبين مختلف هذه الأمراض الباطنية جملة وتفصيلا في مجموعة من مؤلفاتهم، مع إشارتهم الدقيقة إلى ضرورة معرفة مختلف الطرق والوسائل الكفيلة المعتمدة لتطهير القلوب وصرفها عن شهواتها الباطنية، وأهمية التماس السبل المنجية بالنسبة لكل سالك يسعى في سلوكه الوصول إلى حضرة الله تعالى.. ويعتبر الحارث المحاسبي من أوائل الصوفية الذين أفردوا عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات بالبحث، خصوصا في كتابه الشهير «الرعاية لحقوق الله»، ومن جملة ما ذكره في هذا المضمار قوله "ومن أعمال القلب التي يزكو بها ولا يستغنى عنها الإخلاص والثقة والشكر والتواضع والاستسلام والنصيحة والحب في الله تعالى والبغض فيه"[3] فقد بين المحاسبي في هذه القولة الجامعة والمانعة جملة من الوسائل التربوية التي تزكو بها النفوس، وهي في الحقيقة وسائل تطهر القلوب عما سوى الله تعالى، وتغرس فيها مجموعة من الثمرات النورانية المقتبسة من مشكاة الحضرة الربانية التي تهدف التربية الصوفية تحقيقها في حياة السالكين إلى حضرة الله عز وجل..

     وقد تحقق في محله أن طهارة القلوب تعد من الأولويات، ومن الركائز الأساسية في التوجه إلى حضرة الله عز وجل وطلب رضاه، والأنس بذكره، والتنعم بفيوضات رسوله المصطفى عليه أزكى الصلاة والتسليم.

الهوامش

[1] تربيتنا الروحية سعيد حوى، ص: 20.

[2] آداب النفوس للحارث بن أسد المحاسبي، ص: 20.

[3] بدء من أناب إلى الله ويليه آداب النفوس للإمام الحارث بن أسد المحاسبي ص: 69.

 

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التصوف والدبلوماسية الروحية: الأبعاد الثقافية والتنموية والحضارية

سيرا على النهج السديد الذي اختاره المغاربة منذ القديم في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وجريا على السنة الحميدة التي دأبت عليها مؤسسة المتلقي العالمي للتصوف والطريقة القادرية البودشيشية كل سنة، ستنظم المؤسسة بشراكة مع المركز الأورو-متوسطي لدراسة الإسلام اليوم (CEMEIA) الدورة الثانية عشرة...

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

قبسات من درر العارفين (2)

محق التقوّل في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري

الملتقى العالمي الثاني عشر للتصوف: التصوف والدبلوماسية الروحية

نفحات روحية من خلال السيرة النبوية (1)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء رمضان لسيدي محمد بن عباد الرندي
التصوف عند علماء القرويين، المفهوم، التأصيل، التنزيل
السياسة الأخلاقية: مفهوم الحرية نموذجا

 

 

 

 

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

   ليس غريبا أن نجد الأستاذ علال الفاسي -وهو سليل أسرة أنجبت فطاحل مشايخ الصوفية- يهتم بعلائق التراث الصوفي ونفائسه، فبعد أن توسعت مدارك الرجل ونضج فكره وانفتحت آفاقه، رجع ليعترف ويقر بالقيمة الفكرية التي يحتلها علم التصوف في تاريخ الإسلام، بل سنجده مدافعا عن المنهج الصوفي الأصيل، منتقدا كل من حاول اختزال التصوف في بعض الممارسات الشاذة التي ألصقت بصوفية المغرب وهم منها براء؛ وفي هذا الصدد يقول: «إذا كانت ثمة منكرات أُدخلت على القوم، أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس، فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون، أم أي عقيدة...