دراسات وأبحاث

النساء الصوفيات بالمغرب مسألة الصلاح والولاية بصيغة المؤنث

د.محمد الهاطي

أستاذ باحث بمركز الإمام الجنيد

     ظلت المادة المناقبية (Hagiographie) المؤرخة لمسألة تدين النساء في بعده الأخلاقي والروحي -ولمدة عقود خلت- شبه مهمشة ولم تحظ بالقدر الكافي من البحث والدراسة، خاصة من لدن بعض المهتمين بالتاريخ الديني والاجتماعي للمغرب، إما لاعتبارات منهجية موضوعية أو لموقف إيديولوجي مسبق، إلا أنه في السنوات الأخيرة أصبحنا نلمس اهتماما متزايدا بمسألة الصلاح والولاية عند النساء، وقد حاولت بعض الدراسات الحديثة -على اختلاف مشارب أصحابها- مقاربة هذا الموضوع نذكر من بين هذه الدراسات: أعمال الأستاذة حليمة فرحات من خلال :

(Une source  pour l'hstoire des Femmes: les corpus hagiographiques)

وأعمال الأستاذة نـيلي عـمري سلامة التي خـصصـت جـانب من أبحاثها للنساء الصـوفيـات من خلال:

(Les femmes soufies ou la passion de Dieu)

وهناك دراسات أخرى  لكل من: "مشيل شودكفيسك" (M.Chodkiewics ) من خلال:

(La sainteté féminine dans l’hagiographie islamique)

و"دني كريل"(D.Gril ) في:

 (La saint et son milieu ou Comment lire les sources hagiographiques)

     لقد خَلُصت معظم هذه الدراسات إلى الـتأكيد على الإسهام الكبير للممارسة الصوفية الأخلاقية في تشكيل الوعي الديني والأخلاقي والمعرفي لدى المرأة والرجل على حد سواء، ومهم يكن فإن هذا الحقل من الدراسة والذي يثير العديد من الأسئلة الكبرى ما يزال في أمس الحاجة إلى المزيد من البحث الرصين والنبش العميق لفهم مجموعة البنيات المكونة للأنساق الثقافية والفكرية للإنسان المغربي.

من هنا كان لزاما في الوقت الراهن الدعوة إلى إعادة صياغة مقاربة شمولية متوازنة في التعامل مع مختلف المصادر المناقبية المؤرخة لمسألة الصلاح والولاية عند النساء .

     ويُعد كتاب "التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي" لصاحبه أبي يعقوب يوسف بن يحيى التادلي المشهور (بابن الزيات) المتوفى سنة 627هـ أو 628هـ أهم مادة مناقبية تؤرخ لمسألة الصلاح والولاية بالمغرب إبان العصر الوسيط، فقد حاول التادلي من خلال تشوفه التعريف بأخبار ثلة من الصالحين والفضلاء الذين بلغ عددهم في الكتاب مائتين وسبعة وسبعين رجلا وامرأة، منهم تسعة عشر من المجاهيل ينتمي معظمهم إلى مدينة مراكش و أحوازها  أو ممن  زاروها أو أقبروا فيها.

     لم يكن طموح  مؤلِف كتاب التشوف يقف عند إنتاج مادة علمية تاريخية وصوفية فقط، بل كان يروم أيضا تأهيل المتلقي وتحفيزه لاستقبال وتقبل هذه المادة العلمية والأخلاقية والتفاعل معها بدون حرج، ويمكن أن نلمس هذا الأمر بجلاء من خلال الأبواب السبعة التي افتتح بها التادلي تشوفه، فنجده يحرص كل الحرص على عدم مخالفة الأصول، فيسرد المسألة ويناقشها من جميع الزوايا مستدلا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال الأئمة، كما يتحرى الدقة في توثيق أخبار المُترجَم لهم فمثلا نجده يحكي عن إحدى النساء المشهورات بالصلاح والولاية وهي السيدة منية بنت ميمون الدكالي فيقول عنها : « أصلها من مكناس ونزلت في الجانب الشرقي من مراكش وبه توفيت عام خمسة وتسعين وخمسمائة، ودفنت خارج باب الدباغين وكانت من الأفراد، زرتها  ورأيتها عجوز قد اسودت من الاجتهاد »[1].

    ومما يمكن تسجيله أيضا عدم انتماء المُترجَم لهن من نساء جبال الأطلس الكبير إلى فئة اجتماعية معينة، فهو يترجم للعالمة والمتعلمة والأمية وربة البيت والمرأة المسنة والشابة التي لم تبلغ الحلم بعد فيقول عن إحدى الصالحات المجهولات: «جاءني أبو مهدي فقال لي : اذهب معي إلى زيارة شابة مجهولة لم تبلغ الحلم وهي من الأولياء»[2]، كما يستحضر التادلي في تشوفه فضاءات جغرافية شكلت عبر التاريخ مراكز إشعاع علمي، وملتقى لثُلة من الرجال والنساء المشهورين بالعلم والصلاح والولاية بالمغرب إبان العصر الوسيط، فهو يخبرنا أثناء حديثه عن امرأة صالحة عن إحدى هذه المراكز التي كان يرابط بها العديد من النساء الشهيرات بالصلاح والولاية فيقول: « كنت توجهت من مراكش إلى "رباط شاكر" في شهر رمضان عام ثلاثة وستمائة مع جماعة من الفضلاء فأقمنا بها إلى ليلة سبع وعشرين فقمنا في الثلث الآخر من الليل وأسرينا فرارا من شدة الحر بالنهار فاتبعنا جمع كثير من الرجال والنساء »[3]. كما ورد ذكر هذا الرباط مرة أخرى في التشوف أثناء ترجمته للمرأة الصالحة منية بنت ميمون الدكالي حين قال: « وحدثني أبو عبد الله محمد بن خالص الأنصاري قال رأيت منية برباط شاكر»، ويضف قائلا: « فأخبرني بعض من تحدث معها(يقصد منية بنت ميمون) من المريدين أنها قالت حضر هذا العام بهذا الرباط ألف امرأة من الأولياء »  [4].

      فقدوم هذا الكم الهائل من النساء الشهيرات بالصلاح والولاية من مختلف جهات المغرب لحضور هذا الملتقى العلمي والروحي، تعبير عن تشوف نساء مغرب العصر الوسيط إلى تحصيل قيم المحبة والتعاون والترقي في مدارج الكمال الإنساني.

الهوامش:

[1] -(التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي لأبي يعقوب يوسف بن يحيى التادلي، تحقيق أحمد توفيق، منشورات كلية الآداب الرباط، ط الثانية  1997، مطبعة النجاح الدار البيضاء ص: 216).

[2] - التشوف، ص:266.

[3] - التشوف، ص:385.

[4] - نفسه، ص: 316.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

قبسات من درر العارفين (7)

آثار ابــن زكــري

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

 

 

 

 









العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله وجهوده لإثراء الحركة العلمية

    إنه لمن دواعي افتخاري -بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة أحد فحول علماء سوس- أن أسهم في تسليط بعض الضوء على علَم العلماء بحاضرة سوس العالمة، والذي ستظل حياته العلمية والعملية صفحة من صفحات السجل الذهبي الذي يفتخر به المغرب على شاكلة العلماء المغاربة رحمهم الله، الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة أبواب من الثقافة المغربية، وظل وسيظل نجما ساطعا في سمائها.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

    هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان». وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش...