دراسات وأبحاث

"سَلْوَةُ الأنفاس" أو حين تجتمع هوية الإنسان والمجال والعرفان

د.محمد الهاطي

أستاذ باحث بمركز الإمام الجنيد

    إن أول ما يسترعي انتباه دارسي المتن المناقبي الموسوم بـ: "سَلْوَةُ الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس" هو العنوان أو يسمي بالنص الموازي (Le Paratexte)، والذي يؤدي في هذا النص مجموعة من الوظائف الإغرائية والإشارية سواء على مستوى الوقع الصوتي والموسيقي الذي يتركه في أذن المتلقي: (السلوة/الأنفاس/الأكياس/فاس)، أو على مستوى البنيات الدلالية التي تحكمها أربع هويات كبرى:

    أولا :هوية المُتَرجِم (المؤلِف) كمنتج للخطاب: وهو محمد بن جعفر الكتاني الفقيه والمحدث والصوفي والمؤرخ، ولد (عام 1274هـ/ 1852م) بمدينة فاس، عايش فترة ما قبل الاستعمار الفرنسي والإسباني للمغرب، وأقام بالمدينة المنورة نحو سبع سنوات، كما سكن مدينة دمشق مدة ثمان سنوات، وله نحو من ستين مؤلفا وأشهرها كتاب "سلوة الأنفاس"، الذي أمضى في تأليفه نيف أربعة عشر عام، وأتمه في حدود سنة (1376هـ/1894م)[1] .

    ثانيا :هوية المُتَرجَم لهم (علماء/ صلحاء) كفاعلين اجتماعين: ذكر عبد الحي الكتاني - وهو أحد تلامذة المؤلف- أن من بين البواعث التي دفعت شيخه إلى تأليف هذا الكتاب: التهميش الذي أطال العديد من الروضات والمقابر بفاس والتي تضم جثامين العديد من العلماء والصلحاء الكبار، مما نتج عنه ضياع أخبار وسير الكثير منهم، كما أشار المؤلف نفسه إلى باعث أخر دفعه إلى تأليف سلوته فقال: «وبالجملة فذكر الصالحين وأخبارهم وأحوالهم ومحاسنهم وسيرهم مجمع خصال الخير كلها، وبذلك يتقوى قلب المريد، وتنبعث همته لطلب المزيد، ولذلك ملأ الصوفية كتبهم به، بل لأجله جمعت، وفيه ألفت، وعليه دارت»[2] .

    وعن منهجه في جمع أخبار المُتَرجَم لهم فقد حاول المؤلف التوسل بمنهج يتسم بالمرونة فقال في مقدمة سلوته: «وتحريت فيه الصواب جهدي وغايتي، واستعملت من التثبت ما يمكن بحسب وسعي وطاقتي، وما وقفت عليه من حسن ذكرته، ومن سوء طويته وسترته، لأن لحوم العلماء...مسمومة، وعادة الله تعالى في هتك أستار منتقصهم مشهورة معلومة، ومن أطلق لسانه فيهم بالثلب، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب»[3]. ولعل هذا الخُلُق الرفيع الذي أفصح عنه المؤلِّف ينم عن كفاءته العلمية والخُلُقِية، و تأثره الكبير بمنهج أكابر العلماء السابقين في الـتأليف أمثال أبو نعيم الأصبهاني (تـ430هـ) الذي يقول في مقدمة حليته: «وكيف نستجيز نقيصة أولياء الله تعالى ومؤذيهم مُؤذن بمحاربة الله»[4].  ومما يجب التنبيه إليه أيضا هو أن المؤلِّف لم يكتف بالترجمة لفئة اجتماعية من العلماء والصلحاء دون أخرى، فنجد داخل كتاب السلوة تراجم للملوك والحرفيين، والوزراء والأميين، والقضاة والمنقطعين، والعلماء والمتعلمين ومعظم فئات المجتمع حاضرة في هذا الكتاب.

    ثالثا: هوية المجال الجغرافي (فاس) كموطن للصلاح والولاية: تحضر مدينة فاس في متن"سلوة الأنفاس" باعتبارها فضاء موسوم بالعلم والصلاح والبركة والولاية وفي هذا الصدد يقول الكتاني :« تُعْرف (يقصد فاس) عند الأولياء وأهل الله تعالى بالزاوية»[5]،  ويضف قائلا هي: «محل الأولياء والصلحاء والمنتسبين»[6].  من هنا فهوية فاس حسب الكتاني يمكن إجمالها في أنها موطن أهل العلم والصلاح و الولاية، وداخل هذا الفضاء الكبير (فاس) تحضر فضاءات صغرى أشار إليها الكتاني في مقدمته بقوله: «وذكرت أولا مَن بداخل المدينة والسور، ثم انتقلت لمن حولهم من أرباب الروضات التي بالمدينة تدور، ورتبتهم في الذكر على حسب الرحاب والبقاع والأمكنة»[7]، ويمكن تقسيم هذه الأماكن من خلال ما ذكره المؤلف إلى ثلاث فضاءات:

الفضاء الأول: داخل سور المدينة بعدوتيه القرويين والأندلس، وكذا المنطقة المسماة: "الحرم الإدريسي"، ويشمل أيضا مساجد المدينة ومدارسها وزواياها وروضاتها ...

الفضاء الثاني: خارج السور باب الفتوح، والروضة المعروفة بروضة العلماء وغيرها من الفضاءات الخارجة عن السور.

الفضاء الثالث: فاس الجديد؛ وهي مناطق بعيدة عن فاس بعشرات الكيلومترات: كعين سيدي حرازم، وعين مولاي يعقوب ...

    رابعا: هوية الباعــث والمقصــد:  أو ما سماه "منيل كاستل" (Manuel.Castells) في كتابــه: ( (Le Pouvoir de l’identité بـ:"الهوية المشروع"، ولخصها في مجموعة من التمظهرات التي تطرأ في حياة جماعة من الفاعلين الاجتماعين المتوفرين على إمكانيات أخلاقية وثقافية تأهلهم لبناء هوية جديدة تعيد تحديد وضعيتهم داخل "المجتمع الكلي"، وبالفعل نفسه يقومون بتغيير البنيات الاجتماعية في محيطهم.

    هكذا استطاع الكتاني من خلال سلوته إبراز مجموعة من الهويات: فأفصح بداية عن هويته هو كمُؤلِّف لنص مناقبي، ومُنتِج لخطاب صوفي / تربوي / سلوكي،  كما أفصح عن هوية المجال الذي يشتغل عليه (فاس) باعتبارها موطنا لأهل الذوق والعرفان، والفائحة بنفحات القرب والإحسان، كما سلط الضوء على هوية المُتَرجَم لهم  (رجالات العلم والصلاح والولاية) باعتبارهم فاعلين بسلوكهم الصوفي والأخلاقي في المجتمع، وفي الأخير أفصح عن هوية الباعث والقصد من التأليف والمتمثل أساسا في رغبته الجامحة لإحياء وبعث قيم أخلاقية سامية في المجتمع من خلال سرد مناقب وأخبار ثلة من علماء وصلحاء فاس الذين تمكنوا بثقافتهم وسلوكهم الصوفي -المتميز والمتفاعل مع المجتمع- من ترسيخ مجموعة من القيم الإنسانية السامية التي لا تزال –ولله الحمد- متجدرة في الذهنية المغربية.

 الهوامش:

[1] - تنظر ترجمته كاملة في فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثاني 1982م،  ج1 ص:515

[2] -سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس لمحمد ابن جعفر الكتاني، تحقيق :عبد الله الكتاني وحمزة الكتاني ومحمد الكتاني، دار الثقافة – الدار البيضاء، ط 1 :2004، ج 1 ص:16.

[3] - سلوة الأنفاس ج1ص:11.

[4] -حلية الأولياء وطبقات الأصفياء تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية لبنان ط3/2007 ، ج1/34 .

[5] - السلوة، ج1/77.

[6] -نفسه ج1/76.

[7] - نفسه، ج 1 ص:10.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الملتقى العالمي الثالث عشر للتصوف

قبسات من درر العارفين (12)

سيدي عبد العزيز التباع.. الشيخ العالم العامل

أبو العباس السبتي ومذهبه في الإحسان

نفحات روحية من السيرة النبوية (8)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









قبسات من درر العارفين (12)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة: سيدي عبد العزيز التباع.. الشيخ العالم العامل

     هو أبو فارس عبد العزيز بن عبد الحق الحرار، والحرار نسبة إلى صناعة الحرير، إذ كانت حرفته في أول أمره. ولد بمراكش أواسط القرن التاسع الهجري، وهو العالم العامل والشيخ الكامل، بحر العرفان ومجمع المآثر الحسان، شيخ المشايخ، وأستاذ الأكابر وجبل الفضل الشامخ، تخرج عليه من أكابر المشايخ ما لا يكاد يحصيه عد أو يحصره حد. سافر إلى فاس ودرس بها، ولقي من أهلها مظاهر الحفاوة والإجلال، وكان مقيما بمدرسة العطارين بعدما كان شيخه الجزولي -من قبل- يقيم بمدرسة الصفارين، وبقي بها إلى أن لقي الشيخ علي بن محمد صالح الأندلسي فعاد إلى بلده مراكش.