مقامات وأحوال

الفـتـوة

دة. ربيعة سحنون                                              

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة، وجدة                                                                          

أصّل القشيري الفتوة بمعنى يجمع فيه فتوة الصوفية والفتوة عامة، حيث قال: "أصل الفتوة أن يكون العبد دائما في أمر غيره".[1]

ومن معانيها المختصة بالصوفية، ما ذكره أيضا من أن "الفتى من كسر الأصنام، قال الله تعالى: ﴿سمعنا فتًى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾،[2]... وصنم كل إنسان نفسه، فمن خالف هواه، فهو فتى على الحقيقة".[3]

ومخالفة الهوى تكون بالإحسان إلى الناس، وكف الأذى عنهم، واحتمال أذاهم، واستعمال حسن الخلق معهم، فالفتوة إذاً هي: "الإيثار على النفس بما تحب، والإحسان إلى الخلق بما يحب. ولذا قيل: لم تكمُلِ الفتوة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول في موضع لا يذكُر فيه أحدٌ إلا نفسه: (أُمّتي أُمّتي).[4] وقيل: ألاّ ترى لنفسك فضلا على غيرك، والفتى من لا خصم له، ومرجعها إلى السخاء والتواضع والشجاعة في مواطن الاضطراب، ففتوة العامة بالأموال، وفتوة الخاصة بالنفوس، وفتوة خاصة الخاصة بالأرواح، وبذل المُهج في جانب المحبوب".[5]

وأكثر تعريفات الصوفية للفتوة تنطوي على معانٍ خُلُقية عالية في التعامل مع الخلق أكثر من انطوائها على حقائق إلهية، وفي ذلك دلالة على أن الفتوة عندهم منظومة خلقية احتاجوها في التعامل فيما بينهم، ومع الناس، فهي أخلاق اجتماعية، كقول قائلهم: "الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان. وكقول القائل: الفتوة أن لا ترى لنفسك فضلا على غيرك".[6]

وكقول الجنيد: "الفتوة كف الأذى وبذل الندى. وألا تُنافر فقيرا، ولا تُعارض غنيا".[7]

فالفتوة عند الجنيد جمعت مكارم الأخلاق من: عفو وإيثار وحماية للضعيف ونكران للذات وكرم وسخاء...، بل تجاوزت لديه هذه المعاني النبيلة إلى عدم النظر إلى الأعمال نظرة اعتبار وتقدير، مع إسقاط الروابط التي تربط الإنسان بأي شيء أو موجود غير الله تعالى، وعلى ذلك فالفتوة عنده هي الزهد الكامل، يظهر ذلك من خلال قوله: " الفتوة عندي ترك الرؤية وإسقاط النسبة".[8]

ويشتبه مصطلح الفتوة بمصطلح المروءة من حيث المعنى، وفرّق بينهما الإمام ابن القيم، فجعل المروءة أعم من الفتوة، "فالفتوة نوع من أنواع المروءة، فإن المروءة استعمال ما يجمل ويزين مما هو مختص بالعبد، أو متعد إلى غيره. وترك ما يدنِّس ويشين مما هو مختص أيضا به، أو متعلق بغيره. والفتوة: إنما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق".[9]

فالعبرة عند الصوفية ليست بالعموم أو الخصوص، إنما هي في التطبيق العملي والأمثل لهذه الأخلاق الكريمة، والسجايا الفضيلة، التي بدونها لا معنى للتصوف، أو للصوفي الساعي إلى تحقيق الكمال الخُلُقي، في تمسك كبير بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام وتطبيقهما على أرض الواقع.

الهوامش


[1] القشيري: الرسالة القشيرية، ص: 226 .

[2] الأنبياء، آية 60.

[3] المصدر السابق، ص:227 .

[4] النووي: شرح صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وبكائه شفقة عليهم، رقم 346.

[5] ابن عجيبة: معراج التشوف، ص: 37.

[6] القشيري: الرسالة القشيرية، ص: 226.

[7] سعاد الحكيم: تاج العارفين، ص: 182 .

[8] المرجع السابق، ص: 182.

[9]  ابن القيم: مدارج السالكين، 2/277.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد مقامات وأحوال

جديد مقامات وأحوال

القرب         الصدق       الإيمان      الرجاء

المعرفة       الصبر        الأنس         الغفلة

الشكر         الذكر        الحياء         الخوف

الإخلاص      التوبة        التواضع

اليقين         الفتوة       المروءة

الرجاء والاستبشار

جاء في لسان العرب: "الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجَحْد، تقول ما رجوتك أي ما خفتك، ولا تقول رجوتك في معنى خفتك؛ وأنشد أبو دؤيب:

إذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها **** وخالفها في بيت نوب عواسل".

الخوف والانكسار

    ورد لفظ الخوف في القرآن في نحو خمسة وستين موضعاً، وجاء بصيغ مختلفة؛ فمرة يرد بصيغة الاسم كقوله تعالى: ﴿فمن تبع هداي فلا خوف عليهم﴾ ومرة يرد بصيغة فعل أمر كقوله تعالى: ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾  كما يأتي بصيغة الفعل المضارع  كقوله تعالى: ﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾ وقد يرد هذا اللفظ مضادا للأمن في مثل قوله سبحانه: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾.