مقامات وأحوال

التواضع

دة. ربيعة سحنون                                              

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة، وجدة                                                     

من أحسن أخلاق الصوفية التواضع، ولا يلبس العبد لبسة أفضل من التواضع، ومن ظفر بكنز التواضع والحكمة، يقيم نفسه عند كل أحد مقدارا يعلم أنه يُقيمه، ويُقيم كل أحد على ما عنده من نفسه، ومن رُزق هذا فقد استراح وأراح، وما يعقلها إلا العالمون.[1]

إنه خلق حميد، وجوهر لطيف، ومن أخص خصال المؤمنين المتقين، ومن كريم سجايا العاملين الصادقين، ومن شيم الصالحين المخبتين... 

هو هدوء وسكينة ووقار واتزان، يتولد من قلب عالم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله...

هو انكسار القلب لله جل وعلا، وخفض الجناح والذل والرحمة للعباد...

من أعظم ما يتخلّق به المرء، فهو جامع الأخلاق وأُسّها، بل ما من خلق في الإسلام، إلا وللتواضع منه نصيب...

هو سبب الرفعة في الدنيا والآخرة، ومن شيم المساكين، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المسكنة في قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة)،[2] فأجاب: "فالمسكين المحمود هو المتواضع، الخاشع لله، ليس المراد بالمسكنة عدم المال، بل قد يكون الرجل فقيرا من المال وهو جبار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ثلاثة لا يكلّمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ. وملِك كذاب. وعائل مستكبر)[3]...فالمسكنة خُلق في النفس، وهو التواضع والخشوع، واللين ضد الكبر، كم قال عيسى عليه السلام (وبرّا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا)[4]".[5]

إنه خلق الأنبياء والمرسلين، وشيمة النبلاء والصالحين، وزينة الفضلاء والعارفين، تواضعوا للحق والخلق، عرفوا الحق فاتبعوه، والباطل فاجتنبوه.

ولا يكفي في التواضع العمل الظاهر، بل يجب أن يرافقه ويوافقه عمل الباطن، بتذلل القلب لله عز وجل والانكسار على أعتابه، "فإن وافقه القصد الخفي في النفس، بأن كان الحذر من انخداع الناس بظاهر استقامته وصلاحه، فذلك هو التواضع الحقيقي الذي يفسّره التذلل بين يدي الله وإظهار الفاقة له، وإنكار أي قيمة أو مكانة للنفس".[6]

فالمسلم يتواضع من غير مذلة ولا مهانة، فهو يعلم أن ذلك خلق أوجبه الله عليه، ولا يزيده به إلا رفعةً وسمواً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).[7] 

وروى البيهقي في الشعب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال وهو على المنبر: (أيها الناس تواضعوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبّر وضعه الله، فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير).[8]

وحتى لا يسقط المسلم في مهالك الكبر، فعليه بالتواضع الذي اتصف به سيّد المتواضعين عليه السلام، فإن تواضعه صلى الله عليه وسلم كان روحه الإخلاص لله تعالى، والحنوّ على عباد الله، والرأفة والرحمة بالمؤمنين، وعليه كان من الواجب على المؤمن السالك لطريق الحق تعالى الاتصاف بخلقه صلى الله عليه وسلم، فيخضع لأمر الله، ويتواضع لعباد الله، ويلين لهم جانبه، ويحب لهم الخير، وينصح لهم في كل حالة من أحوالهم.

       التواضع اعتراف بحق الله وحق عباده، وحقيقته: "أن يتواضع العبد لصولة الحق. يعني: أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والذل، والانقياد، والدخول تحت رقه، بحيث يكون الحق متصرفا فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع".[9]

ويكون مع الله تعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ومع الخلق أجمعين، فالمسلم يتواضع مع الله عز وجل بأن يتقبّل دينه، ويخضع له سبحانه، ولا يجادل ولا يعترض على أوامر الله برأيه أو هواه، ويتواضع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يتمسّك بسنته وهديه، فيقتدي به في أدب وطاعة، ودون مخالفة لأوامره ونواهيه، والمسلم يتواضع مع الخلق بألا يتكبّر عليهم، وأن يعرف حقوقهم، ويؤديها إليهم مهما كانت درجتهم، وأن يعود إلى الحق، ويرضى به، مهما كان مصدره.

وما بلغ الأنبياء والمرسلون والعارفون والصالحون المنازل العالية والأخلاق السامية إلا بالانقياد للحق، وتعظيم حقوق الخلق، فمن قبِل الحق وانقاد له، ولم يحقّر أحداً، وتواضع لعباد الله، فهذا هو المتواضع للحق والخلق، وهو القائم بحقوق الله وحقوق الخلق.

وقد سئل الجنيد عن التواضع، فقال: "خفض الجناح للخلق، ولين الجانب لهم".[10]

وقال أبو حفص: "من أحبّ أن يتواضع قلبه فليصحب الصالحين وليلتزم بحرمتهم، فمن شدة تواضعهم في أنفسهم يقتدى بهم ولا يتكبّر... وقيل لبعض الحكماء: هل تعرف نعمة لا يحسد عليها، وبلاء لا يرحم صاحبه عليه؟ قال: نعم، أما النعمة فالتواضع، وأما البلاء فالكبر".[11]

وإذ تبينت أهمية التواضع في طريق السير إلى الله تعالى، ومعناه الحقيقي ذي الأنواع الثلاثة: تواضع مع الله عز وجل، وتواضع مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومع الخلق أجمعين، كان لزاما على المؤمن المجاهدة لتحقيق هذا الخلق، لأن الله سبحانه وتعالى يحب العبد المتواضع له، والشرف العظيم يُنال بالخضوع لله والتواضع للمسلمين، ولين الجانب لهم، واحتمال الأذى منهم، والصبر عليهم.

 الهوامش

 

[1] - السهروردي: عوارف المعارف، 1/259.

[2] - الترمذي: السنن، كتاب الزهد،  رقم  2352.

[3] - النووي:  شرح صحيح مسلم ، كتاب الإيمان،  باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف. وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رقم173.

[4] -  سورة مريم، آية 32.

[5] -  ابن تيمية: الفتاوى، 18/474.

[6]-  محمد سعيد رمضان البوطي: شرح وتحليل الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري، دار الفكر،  دمشق، ط4، 1430هـ/2009م، 4/291.

[7]-  الترمذي: السنن، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التواضع ، رقم 2029.

[8]-  البيهقي: شعب الإيمان، باب في حسن الخلق، فصل في التواضع ، رقم 8140.

[9] -  ابن القيم: مدارج السالكين، 2/271.

[10] -  سعاد الحكيم: تاج العارفين، ص: 218.

[11] -  السهروردي: عوارف المعارف، 1/260-261.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد مقامات وأحوال

جديد مقامات وأحوال

القرب         الصدق       الإيمان      الرجاء

المعرفة       الصبر        الأنس         الغفلة

الشكر         الذكر        الحياء         الخوف

الإخلاص      التوبة        التواضع

اليقين         الفتوة       المروءة

الرجاء والاستبشار

جاء في لسان العرب: "الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجَحْد، تقول ما رجوتك أي ما خفتك، ولا تقول رجوتك في معنى خفتك؛ وأنشد أبو دؤيب:

إذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها **** وخالفها في بيت نوب عواسل".

الخوف والانكسار

    ورد لفظ الخوف في القرآن في نحو خمسة وستين موضعاً، وجاء بصيغ مختلفة؛ فمرة يرد بصيغة الاسم كقوله تعالى: ﴿فمن تبع هداي فلا خوف عليهم﴾ ومرة يرد بصيغة فعل أمر كقوله تعالى: ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾  كما يأتي بصيغة الفعل المضارع  كقوله تعالى: ﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾ وقد يرد هذا اللفظ مضادا للأمن في مثل قوله سبحانه: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾.