مقامات وأحوال

الحياء

دة. ربيعة سحنون                                              

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة 

 الحياء خلق نبيل، وزينة النفس البشرية، ورافد من روافد التقوى، لأنه يلزم صاحبه فعل كل ما هو جميل، ويصونه عن مقارفة كل قبيح، وهو من أجمع شعب الإيمان التي تقود صاحبها إلى الجنة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء[1] من الجفاء، والجفاء في النار) .[2]

وقد حثّ الإسلام على أدب وخلق الحياء في آيات كثيرة، منها قوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يوذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستانسين لحديث إن ذلكم كان يوذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق﴾،[3] وقوله تعالى: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾.[4] 

وقد عُرف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق واشتهر به، حتى قال عنه أبو سعيد الخدري: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياءً  من العذراء في خدرها).[5]

وهكذا نشأ الأنبياء جميعا على هذه السجية، فلا عجب إذاً أن يصبح الحياء الوصية المتعارف عليها، والبقية الباقية من كلام النبوة، والتي يُبلِّغها كل نبي لأمته.

ويلاحظ المتتبع لسيرة الرسول الكريم عليه السلام وأخلاقه، تجسيده للحياء في سلوكات عملية، تُدرِّب المرء على هذا الخلق الرفيع.

فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استحيوا من الله حق الحياء، قلنا يا رسول الله إنا نستحي والحمد لله، قال:ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء).[6]

فأول مظاهر حيائه صلى الله عليه وسلم يتجلى في جانب خالقه سبحانه وتعالى، إذ الحياء الحقيقي الذي يريده الله عز وجل هو حفظ الجوارح -الرأس واللسان والسمع والبصر والشم والذوق- عن المحرمات، وتجنب جميع المعاصي الظاهرة منها والباطنة، ولن يتم ذلك إلا باستشعار مراقبته واطلاعه جل وعلا، ومن أجل هذا جاء اقتران الحياء بالإيمان في غير ما موضع من النصوص الشرعية.

قال الراغب الأصفهاني: "حق الإنسان إذا همّ بقبيح أن يتصور أجل ما في نفسه (حتى كأنه يراه، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه)، ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال، ولا من الذين لا يميِّزون، ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد. والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة:

البشر: وهم أكثر من يستحي منه، ثم نفسه، ثم الله عز وجل، ومن استحيا من الناس ولم يستح من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره، ومن استحيا منهما ولم يستح من الله فلعدم معرفته بالله عز وجل، فإن الإنسان يستحي ممن يعظمه ويعلم أنه يراه أو يسمع نجواه فيبكته، ومن لا يعرف الله، فكيف يستعظمه، وكيف يعلم  أنه مطّلع عليه...قال تعالى (ألم يعلم بأن الله يرى)[7] ".[8]

ولما كان أساس مقام الإحسان-التصوف- استحضار العبد المؤمن لمراقبة الحق جل وعلا، فقد تميّز حياء أهل الخصوص بالتعظيم والهيبة والخشية والمحبة وإخلاص العبودية لله عز وجل، فإن الحق تعالى مطّلع عليهم وحاضر معهم، فالحياء عندهم ليس مجرد احمرار الوجه وتنكيس الرأس، بل هو معاملة صادقة وإخلاص تام في حق الخالق والمخلوق والنفس.

وذهب الجنيد إلى أن الحياء حالة تتولّد بين موقفين للإنسان المسلم التقي:

* الأول: رؤية الآلاء، أي نعم الله عز وجل التي أسبغها على الإنسان ظاهرا وباطنا.

* والآخر: رؤية التقصير، أي شعور المرء بأنه لا يستطيع أن يوفي هذه النعم حقها من الشكر، كما ينبغي أن يكون.[9] 

وهذا ما عبّر عنه بقوله عندما سئل عن الحياء: "رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولّد بينهما حالة تسمى الحياء".[10]

ذلك الحياء الذي يقوّي الإيمان، ويمحو الذنوب، ويصل بالإنسان إلى مقام الإحسان، ويقيه من الوقوع في المهلكات، بوازع ذاتي وضمير حيادي، يأخذ بيد الإنسان إلى طريق الخير.

الهوامش

 

[1] - البذاء: الفاحش من القول . جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي (ت711هـ): لسان العرب،  حققه وعلق عليه ووضع حواشيه: عامر أحمد حيدر، راجعه: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 2، 2009م، (مادة بذأ).

[2] -  الترمذي: السنن، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الحياء، رقم 2009.

[3] -  سورة الأحزاب، آية 53.

[4] -  سورة القصص، آية 25.

[5] -  البخاري: الصحيح، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم 3562.

[6] -  الترمذي: السنن، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في صفة أواني الحوض، رقم 2458.

[7] -  سورة العلق، آية 14.

[8] - أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني(ت502هـ): الذريعة إلى مكارم الشريعة، تحقيق ودراسة: أبو اليزيد أبو زيد العجمي، دار السلام، مصر، ط1، 1428هـ/2007م، ص: 208.

[9] - أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي(631-676هـ): رياض الصالحين، دار الريان للتراث، د.ط، د.ت، ص:210. (بتصرف).

[10] - سعاد الحكيم: تاج العارفين، ص:111.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد مقامات وأحوال

جديد مقامات وأحوال

القرب         الصدق       الإيمان      الرجاء

المعرفة       الصبر        الأنس         الغفلة

الشكر         الذكر        الحياء         الخوف

الإخلاص      التوبة        التواضع

اليقين         الفتوة       المروءة

الرجاء والاستبشار

جاء في لسان العرب: "الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجَحْد، تقول ما رجوتك أي ما خفتك، ولا تقول رجوتك في معنى خفتك؛ وأنشد أبو دؤيب:

إذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها **** وخالفها في بيت نوب عواسل".

الخوف والانكسار

    ورد لفظ الخوف في القرآن في نحو خمسة وستين موضعاً، وجاء بصيغ مختلفة؛ فمرة يرد بصيغة الاسم كقوله تعالى: ﴿فمن تبع هداي فلا خوف عليهم﴾ ومرة يرد بصيغة فعل أمر كقوله تعالى: ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾  كما يأتي بصيغة الفعل المضارع  كقوله تعالى: ﴿ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾ وقد يرد هذا اللفظ مضادا للأمن في مثل قوله سبحانه: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾.