دراسات وأبحاث

إصلاح منظومة التربية والتعليم..وسؤال القيم

د.محمدالهاطي

باحث بمركز الإمام الجنيد

لقد بات من الضروري اليوم-أكثر من أي وقت مضى-التفكير في آليات وإجراءات للحد من الآثار السلبيةالتي خلفها الانفجار المعلوماتي غير المرشَّد والثورة التكنولوجيةالمنفلتة،التي أوصلت الإنسان الحديث إلى تبني قيم مستبدة وفاسدة دفعت بهذا الكائنالمفتتنبالتحولات التكنولوجية الحديثةإلى الدعوة نحو تغليب العقلانية المادية على المنزعالروحي الفطري؛ هذا الإدعاء الذي أفرز انحطاطا أخلاقيا وتدهورا قيميا واجتماعيا غير مسبوقين، أخرجا الإنسان المعاصر من رتبة الإنسانية والنزول به إلى الدرك البهيمية،ولم يقف الأمر عندهذا الحد من السلبية والانحطاط القيمي والأخلاقيبلتعداه إلى مستوى النظر إلىالأديان والثقافات باعتبارها تشكل عائقايحول دونانخراط الإنسان في مجتمع المعرفة والحداثة؛أمام استحكام مثل هذه التصورات والمقاربات في عالمنا اليوم يُطرح سؤال القيم من جديد:فأية قيم نريد؟وكيف السبيل إلى بناء منظومة قيميةوأخلاقية تُوصْل إلى طريق العلم النافع المورث للعمل الصالح؟ وكيف يمكن جعل المنظومات الأخلاقية والقيمية عاملا مؤثرافي مناهج بناء الذات ونحث الشخصية الإنسانية في بعدها الفردي والاجتماعي؟ وأخيراكيف السبيلإلى خلق تلازم وظيفي بين القيم الأخلاقية وبين مختلف تمظهرات التربية والتعليم ؟

إن مساءلتنا لأزمة القيم الأخلاقية في ارتباطها بالميادين التربية والتعليمفي العالم المعاصر والمستقبلي يأتي من مسوغ خطورة مطلب فصل العلم عن الأخلاق وإسقاط القيم الأخلاقية والروحية من النظم التعليمية والإعلامية، وتعويضها بالقيم الصناعية المستبدة بالإنسانفي أفق الإجهاز النهائي على قيم الفطرة التي خُلق عليها الإنسان.

انطلاقا من هذا الاشكال الذي يسلم بدوره إلى طرح سؤال جوهري هو: كيف السبيل إلى صياغة مشروع متكامل يعمل من جهة على ضبط الإطار المفاهيمي للأخلاق والقيم وبيان طرق إدماجها في النظم التعليمية والإعلامية باعتبارها المجالات الأوسع والأخطر لإعادة ترتيب منظومة القيم لدى الأجيال المكونة للمجتمعات القادمة؟

إصلاح منظومة التربية والتعليم وخطورة مطلب فصل العلم عن القيم

لقد استشعرالعالم المعاصراليوم -أكثر من أي وقت مضى-خطورة مطلب فصل العلم عن القيم، مما دفع بالعديد من المنظرين في علوم التربية إلى دق نقوس الخطر والمطالبة برتق ما فتق من علاقة بين القيم الأخلاقية وبين المناهج التعليمية، وضرورة إعادة الصلة بينهما لما لذلك من آثر كبير في إعادة بناء الإنسان المعاصر؛ فالمجتمعات الغربية التي دعت في نهاية القرن التاسع عشر إلى الفصل بين التعليم والدين -بل أصدرت مراسيم في ذلك-، ستجد نفسها في منتصف القرن العشرين أمام أزمة تربوية كبيرة انعكست سلبا على الواقع التربوي والأخلاقي لذى التلاميذ والطلاب في المجتمعات الغربية، الشيء الذي دفع بأحد المنظرين التربويين وهو «فيلبس كوبس» في كتابه: (الأزمة التربوية العالمية) إلى اعتبار الاضطرابات الثقافي التي نجمت عن الثورات العلمية والتقنية الأخيرة، هي السبب في جعل التربية الأخلاقية موضوع اهتمام ودراسة، حيث أنه منذ مطلع القرن التاسع عشر كانت هذه التربية تُشكّل قاعدة البرامج التعليمية في سائر بلاد أوروبا وأمريكا الشمالية، ثم إن الطابع القروي كان لا يزال سائداً، كما أن الحركة العمرانية الحديثة لم تكن قد انطلقت بعد، وكانت العلاقات الأسرية متينة، والاعتقادات والمؤثرات الدينية قوية... لكنه ابتداء من العقد الرابع للقرن العشرين، أي منذ 1930م، حصل تَغْيير جذري في المناخ الاقتصادي والسياسي والتربوي، كان من نتائجه أن اُعتبرت التربية الأخلاقية أمراً بائداً ومنطوياً على مغالطة تاريخية، وهكذا تم إهمال هذه التربية من قِبَل المدرسين والمشرفين على التعليم، وظلت على هذا النهج حتى نهاية السبعينيات، وقتئذ حصل الاضطراب الثقافي المشار إليه آنفاً محدثاً أنواعاً من الأزمات الاجتماعية التي أقلقت بال السياسيين والمشرعين والمشرفين على المَدارس وأولياء الأمور.

إذا كان هذا التوصيف لأزمة التعليم عند فصله عن القيم قد ظهر في الغرب وتحدث عنه علماء التربية، فإن كثيراً من الباحثين في المجال التداولي العربي الإسلامي اليومقد استشعروا خطورةهذا الفصل بين التعليم والقيم،وحذروا من نتائجه على التجارب التعليمية والنظم التربوية.

وبهذا تُجمع مختلفالمقاربات التربوية على ضرورة عودة المؤسسة التعليمية إلى ممارسة دورها في التعليم إلى جانب ترسيخ القيم الحضارية للمجتمع.

   وهنا يطرح سؤال الإصلاح في نظام التربية والتعليم بدءاً برؤية الإصلاح الشاملة والمتوازنة التي يجب أن ينطلق منها هذا النظام، وانتهاء بآليات التنفيذ، وبينهما أسئلة كبيرة؛ من قبيل تحديد مواصفات المُتعلم عند نهاية مسار التكوين، والكفايات المعرفية والتواصلية والمنهجية والتكنولوجية التي يُتوقع أن يمتلكها، وهندسة نظام التكوين بمختلف مسالكه وشعبه، وموقع الوحدات الدراسية المكونة للمنهاج، ومحتويات هذه الوحدات، ومدى تناغم المفهومات والقيم بشكل أفقي فيها اعتباراً لوحدة الفئة المستهدفة، وطرق ووسائل التدريس، ومواصفات وخصوصيات المدرس ومحيط التعلم وغير ذلك.

   إن المتأمل في أغلب مشاريع إصلاح التربية والتعليم في المجال التداولي العربي والإسلامي يجدها  تركز الجهود علىإصلاح المنظومة التقنية، خاصة على مستوى التجهيزات والوسائل التعليمية، وتوفير الظروف الملائمة للدراسة والتكوين الفني والتربوي للمدرسين. في حينتغيب الرؤية الإصلاحية  الشاملة والمتوازنة والمتجددة خاصة على مستوى المناهج التعليمية التي تعتبر البوصلة المتحكمة في باقي عناصر المنظومة التربوية.

نحو ثورة تربويةمؤسسة على قيم روحية فطرية

إننا في حاجة اليوم إلى إعادة النظر في مناهج التربية والتعليم،وذلك عبر إحداث ثورة تربوية هادئة وعميقةتؤسس أنساقها علىالعطاء الروحيباعتبارها (أي الروح) طاقة راقدة في عمق الإنسان، وهذا لن يتأتى-حسب اعتقادنا المتواضع-  إلا من خلال ثلاثمقضيات كبرى:

1- العمل على ترسيخ مبدأ العلم النافع الباعث على العمل الصالح، فلا عمل صالح بغير علم نافع، والمقصود بالعلم في هذا السياق العلم المعمول به أو العلم المستعمل.

2- العملعلى تثبيت مبدأ النموذج الصادق والقدوة الصالحة، فحاجتنا اليوم أكثر إلى نماذج في السلوك يَحْتَذِي بها المتعلم، ولا يستحق المربي رتبة القدوة حتى يكون سلوكُه ثمرة ملاحظات مباشرة ودائمة لأفعال نموذج حي متصل السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يجعل القيم التربوية والأخلاقية تنعكس إيجابا في سلوكه بفضل هذا "النموذج" كما لو كانت هذه القيم عبارة عن طبائع جبلية لا انفكاك له عنها، ومتى تحقق المربي بهذا المعنى صار مقبولا ومحبوبا ومطلوبا عند المتعلمين.

3- العمل على إعادة ترتيب منظومة القيم لدى الأجيال المكونة للمجتمعات القادمة على أسس أخلاقية فطرية لا اصطناعية، كونية لا محلية، عميقة لا سطحية، حركية لا جمودية توظف كل وسائل العصر وتقنياته المادية والتربوية.

تلكهيالمقتضيات الثلاث الضرورية لتحقيق وعي تربوي جديد من شأنه العمل على تغيير ما ترسب في وعينا الجمعي من معلومات منقطعة عن القيم الأخلاقية الفطرية والمعاني الغيبية تحت تأثير النمط المعرفي الحديث. كما سيؤدي لا محالة إلى رتق ما فتق من علاقة بين المناهج التعليمية والقيم والأخلاقية وذلك من خلال تجديد نظم التعليم والتربية وإرجاعها إلى حضن القيم الفطرية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾[1].

 



[1] سورة الروم، الآية 29



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الملتقى العالمي الثالث عشر للتصوف

قبسات من درر العارفين (12)

سيدي عبد العزيز التباع.. الشيخ العالم العامل

أبو العباس السبتي ومذهبه في الإحسان

نفحات روحية من السيرة النبوية (8)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









قبسات من درر العارفين (12)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة: سيدي عبد العزيز التباع.. الشيخ العالم العامل

     هو أبو فارس عبد العزيز بن عبد الحق الحرار، والحرار نسبة إلى صناعة الحرير، إذ كانت حرفته في أول أمره. ولد بمراكش أواسط القرن التاسع الهجري، وهو العالم العامل والشيخ الكامل، بحر العرفان ومجمع المآثر الحسان، شيخ المشايخ، وأستاذ الأكابر وجبل الفضل الشامخ، تخرج عليه من أكابر المشايخ ما لا يكاد يحصيه عد أو يحصره حد. سافر إلى فاس ودرس بها، ولقي من أهلها مظاهر الحفاوة والإجلال، وكان مقيما بمدرسة العطارين بعدما كان شيخه الجزولي -من قبل- يقيم بمدرسة الصفارين، وبقي بها إلى أن لقي الشيخ علي بن محمد صالح الأندلسي فعاد إلى بلده مراكش.