دراسات وأبحاث

التصوف: رؤية في المفهوم

ذ.  طارق العلمي 

عُرِّف التصوف تعاريف عدة، بفعل خصوصية التجربة التي يعيشها الصوفية أثناء ممارستهم التعبدية، لذلك فإن ما يعبرون عنه في كلامهم حول معنى التصوف يأخذ طابعا نسبيا، بحكم ما يتنزله كل واحد منهم في تجربته الخاصة، إلا أن هذا التنوع الذي تصطبغ به هذه التعاريف لا يمكن النظر إليها نظرة تجزيئية، بل أن تأخذ وفق نظرة تكاملية، تأخذ بعين الاعتبار مبادئ ثلاث:

1- مبدأ التنوع:   

أ- باعتبار أن موضوع التصوف هو الاشتغال بالكمالات الأخلاقية، ونشدان الحقائق الإيمانية، وإذا كان الأمر كذلك، فإن المعاني الواردة على قلب الصوفي تكون على قدر رسوخه المعرفي في مقامات القرب، الأمر الذي يجعل هذه التعاريف تصطبغ بأحوال العارف المُعرِّف وتعبِّر عن ذوقه.

ب- كما أن هذا التنوع مرتبط بمعطى آخر، وهو أن المعاني الصوفية متقيدة في توجهها بنوع المتلقي، آخذة بما يوافق سلوكه، ويتناسب مع أحواله.

2- مبدأ تراتبي:  حاصل هذا المعنى أن التبحر في مقامات الإحسان يكون على قدر همم السالكين، الشيء الذي يفرض القول بسُلَّمية المعرفة داخل الحقل الصوفي، بحيث إن التعريف الصوفي يعرف تشكلات تتمايز بفعل ما يتنزله الصوفي من مقامات.  

فإذا نحن أخذنا بهذه المبادئ الثلاث تيسر لنا فهم هذا التنوع، وأن مرده إلى أن موضوع التصوف مما لا يمكن الإحاطة به، ومجال المعرفة الإلهية ليس لها حد تقف عنده لارتباطها بالذات الإلهية، والله تعالى يقول: ﴿وأنى إلى ربك المنتهى﴾ [النجم،ـ 42] ، وهو ما أكد عليه الفقيه الصوفي الشيخ زروق: «وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ الألفين مرجعها كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه»[1]

3- مبدأ اعتباري: إذا كانت التعاريف على ما سبق ذكره تحمل في طياتها فاعلية نابعة من حركية الصوفي في مجال رقيه المعرفي، فإنها –التعاريف- مرتبطة أيضا بمشرب الصوفي، لذلك فإن هذه التعاريف تأخذ لون صاحبها ما بين تخليق وتحقيق، وهو الأمر الذي أشار إليه الطوسي بقوله: «ولبعض المشايخ في التصوف ثلاثة أجوبة: جواب بشرط العلم: وهو تصفية القلوب من الأكدار واستعمال الخلق مع الخليقة، واتباع الرسول في الشريعة، وجواب بلسان الحقيقة: وهو عدم الاملاك والخروج من رق الصفات والاستغناء بخالق السماوات، وجواب بلسان الحال: أصفاهم بالصفا عن صفائهم، وصفاهم من صفاتهم فسموا صوفية»[2]، ولذلك نجد المغاربة غلب عليهم المنحى التخليقي، حتى عُرف عند إمامهم بكونه: «اجتناب كل خلق دني واستعمال كل خلق سني، وأن تعمل لله ثم لا ترى أنك عملت».[3] 

4- مبدأ واقعي: من الحيثيات التي ينبغي اعتبارها في الخطاب الصوفي عموما، وفي جانب التعاريف على الخصوص، مسألة السياق الذي يتعامل في إطاره الصوفي، بحيث إن الصوفي ابن بيئته، مشغول بهواجس أهل زمانه، فخطابه يكون مراعيا لهذا السياق العام غير متجاهل له، متفاعل مع إشكالاته غير متحاش عنها، مؤثر في توجهاته غير ساكن لها، ما يبرز بأن للتصوف من الإمكانات في رسم معالم المجتمع الأخلاقية، واعتباره عامل توازن في الحفاظ على الكيان الوجداني داخل الأمة.

وعليه فمفهوم التصوف يمكن النظر إليه بهذه الاعتبارات السالفة الذكر، حتى يمكن إدراك أصول الاختلاف في التعريف الصوفي وفق منطق داخلي ينسجم مع مبادئه الأصلية.

هوامش 

[1] قواعد التصوف: أحمد زروق، تحقيق وتقديم الشيخ عثمان الحويمدي، دار وحي القلم، ط.الأولى: 1425هـ-2004م، ص 22.

[2] اللمع: الطوسي، تحقيق: عبد الحليم محمود، طه عبد الباقي سرور، مكتبة الثقافة الدينية، ط. 1423هـ/2002م، ص48.

[3] تاج العارفين: الجنيد البغدادي، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط3، 2007م. ص 181. 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

قبسات من درر العارفين (7)

آثار ابــن زكــري

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

 

 

 

 









العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله وجهوده لإثراء الحركة العلمية

    إنه لمن دواعي افتخاري -بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة أحد فحول علماء سوس- أن أسهم في تسليط بعض الضوء على علَم العلماء بحاضرة سوس العالمة، والذي ستظل حياته العلمية والعملية صفحة من صفحات السجل الذهبي الذي يفتخر به المغرب على شاكلة العلماء المغاربة رحمهم الله، الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة أبواب من الثقافة المغربية، وظل وسيظل نجما ساطعا في سمائها.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

    هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان». وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش...