دراسات وأبحاث

منزلة الصلاة عند الصوفية

دة. ربيعة سحنون

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة وجدة 

الصلاة عماد الدين وركنه المتين، ومنزلتها من الدين معلومة، لا تصل إليها أية عبادة أخرى، ويدل على ذلك ما قاله الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)[1].

تأتي منزلتها -بين أركان الإسلام– بعد الشهادتين لتكون دليلا على صحة الاعتقاد وسلامته، وبرهانا على صدق ما وقر في القلب وتصديقا له.

ولها مكانة خاصة بين سائر العبادات لمكان فرضيتها، فلم ينزل بها ملك إلى الأرض، ولكن شاء الله تبارك وتعالى أن ينعم على رسوله صلى الله عليه وسلم بالعروج إلى السماء، وخاطبه ربه بفرضيتها مباشرة، وهذا شيء اختصت به الصلاة من بين سائر شعائر الإسلام.

أما الصوفية فقد اختصت صلاتهم بأمور ميزتهم عن غيرهم، وتقربوا بها إلى الحق تبارك وتعالى: بحضور القلب والابتعاد عن الوساوس والغفلة، واستحضار مراقبة الله عز وجل، مع الخشوع والهيبة والتعظيم له جل وعلا، فهي عندهم: "عماد الدين، وقرة عين العارفين، وزينة الصديقين، وتاج المقربين، ومقام الصلاة مقام الوصلة، والدنو، والهيبة، والخشوع، والخشية، والتعظيم، والوقار، والمشاهدة، والمراقبة والأسرار، والمناجاة مع الله  تعالى، والوقوف بين يدي الله تعالى، والإقبال على الله تعالى، والإعراض عما سوى الله تعالى".[2] 

والصلاة التي يحبها الله عز وجل ويكافئ صاحبها بأعلى الدرجات والرتب، ليست مجرد أقوال يلوكها اللسان، وحركات تؤديها الجوارح بلا تدبر من عقل ولا خشوع من قلب، بل هي التي تحقّق فيها سيد الخاشعين صلى الله عليه وسلم بأكمل الأحوال، إذ كان عليه السلام يُصلِّي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء والخشوع لله عز وجل، وبكى فبلّ حِجره ولحيته والأرض تحته.[3] 

قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون﴾.[4]

قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسير هذه الآية: "... والخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره، ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع، وإذا تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم، وإنما المراد بقوله: وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ثوابا ولا في تركها عقابا، فيصعب عليه فعلها".[5] 

فهي صعبة وشاقة لأنها مقابلة لله عز وجل، ومدخل عليه سبحانه، وسبيل لمعرفته والقرب منه جل وعلا، لهذا كانت مشروطة بالتعظيم لله تعالى، ومحبته والذل له والانكسار بين يديه، فإنه كلما كان القلب أشد استحضارا لعظمة ربه وجلاله كان أشد خشوعا.

وقد سئل الإمام الجنيد رحمه الله عن الخشوع، فقال: "الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب".[6] 

ويتفاوت تذلل القلوب وخشوعها لله عز وجل بحسب تفاوت معرفتها لربها، وبحسب مشاهدة القلوب لصفات علام الغيوب، فمن علم قرب الله منه واطلاعه على سره وضميره ومراقبته لحركاته وسكناته، استحيا من الله حق الحياء، ومن اطلع قلبه على جلال الله وعظمته وكماله، زادت محبته لربه، وعظم شوقه للقائه، ومن عرف بطش الله وانتقامه وغيرته على حرماته، خاف منه وانكسر قلبه بين يديه جل وعلا.

فالخشوع المطلوب في الصلاة هو خشوع القلب لله سبحانه وتعالى، باستحضار عظمته وجلاله، وهيبته وسلطانه، وبأنه تعالى يحب الخاشعين له والمتذللين لجنابه، والخاضعين لحكمه وتقديره، الموقنين بما عند ربهم ومولاهم.

فهو روح العبادة، يزيد المؤمن حبا واشتياقا لفعل الطاعات، ويزيل الهم عن القلب ويشرح الصدر، ويهذب النفس ويطهرها من سوء الخلق، ويورثها التواضع للحق والخلق، ويلين القلب ويورث الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ويبعث في القلب محبة الخير والرغبة فيه، وكراهية الشر والنفور منه، ويطهر النفس من هواها، ويحملها على الإخلاص في العبادة لله تعالى.

عبر الجنيد عن هذا المعنى بقوله: "لا يكون همك في صلاتك إقامتها، دون الفرح والسرور بالاتصال بمن لا وسيلة إليه إلا به".[7]

فالعبد في صلاته إنما يناجي ربه ويخاطبه، وهو يشعر بوجوده سبحانه وتعالى وجودا حقيقيا، وأنه قريب منه يسمع دعاءه ويلبي نداءه، ويستجيب له، وهذا من شأنه أن يضفي على النفس السكينة والرضا، ويجعلها تشعر بفيض من السعادة، فتتجدد قواها، ويحفزها ذلك إلى العمل الجاد والأمل في وجه الله الكريم.

وقد حكي عن الجنيد رحمه الله أنه قال: "لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى. والمعنى في ذلك أن التكبيرة الأولى هي مقرونة بالنية التي لا تجوز الصلاة إلا بها، وهو عقدك بأن صلاتك لله عز وجل، فإذا صح العقد، فما دخل بعد ذلك في صلاتك من الآفات الباطنة لم يفسد الصلاة، بل ينقص من فضلها، ويبقى للمصلي عقدها ونيتها.

وقيل لبعض العارفين: كيف تكبر التكبيرة الأولى؟ فقال: ينبغي إذا قلت: الله أكبر، أن يكون مصحوب قولك: الله، التعظيم مع الألف، والهيبة مع اللام، والقرب مع الهاء. وقال آخر: إذا كبرت التكبيرة الأولى فاعلم أنه ناظر إلى شخصك، وعالم بما في ضميرك، ومثِّل في صلاتك الجنة عن يمينك، والنار عن شمالك".[8]

إذن فمدار الأمر عند الصوفية في صلاتهم هو المراقبة وحضور القلب، والفرح والغبطة بالدخول على باب الله الكريم، مع الخشوع والإتيان بالأركان كما شرعها الشارع الحكيم، مع الهيبة والتعظيم.

وسئل الجنيد: "ما فريضة الصلاة؟ قال: قطع العلائق، وجمع الهم، والحضور بين يدي الله تعالى".[9]

لأن في حضور القلب والعقل بين يدي الله تعالى ثواب كبير وأجر عظيم بيّنه صاحب اللمع في قوله: "للصلاة أربع شعب: حضور القلب في المحراب، وشهود العقل عند الوهاب، وخشوع القلب بلا ارتياب، وخضوع الأركان بلا ارتقاب، لأن عند رفع القلب رفع الحجاب، وعند شهود العقل رفع العتاب، وعند خشوع القلب فتح الأبواب، وعند خضوع الأركان وجود الثواب، فمن أتى بالصلاة بلا حضور القلب فهو مصل لاه، ومن أتاها بلا شهود العقل فهو مصل ساه، ومن أتاها بلا خشوع القلب فهو مصل خاطئ، ومن أتاها بلا خضوع الأركان، فهو مصل جاف، ومن أتمها فهو مصل واف".[10]

وماذا يتمنى الصوفي العابد من مولاه عز وجل أكثر من رفع الحجاب، ورفع العتاب، وفتح الأبواب، ووجود الثواب...!

الهوامش:

 

[1] جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، القاهرة، د.ط، 1424هـ/2004 م، 350

[2] اللمع للطوسي، تحقيق: عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، د.ط، 1423هـ/2002م، 203

[3] سنن النسائي بشرح الإمامين السيوطي والسندي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار الخراساني النسائي (215-303هـ)، تحقيق: السيد محمد سيد، وعلي محمد علي، وسيد عمران، ضبط أصوله: مصطفى محمد حسين الذهبي، دار الحديث، القاهرة، د.ط، 1420هـ/1999م،  كتاب السهو، باب البكاء في الصلاة، رقم 1213

[4] سورة البقرة، آية 45-46

[5] التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الرازي الشافعي(544-604هـ) قدَم له: هاني الحاج، حقَقه وعلَق عليه وخرَج أحاديثه: عماد زكي البارودي، المكتبة التوفيقية، القاهرة، مصر، د.ط، د.ت، 3/50

[6] تاج العارفين، سعاد الحكيم، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط 3، 2007م، ص: 111

[7] تاج العارفين، سعاد الحكيم، 147

[8] اللمع للطوسي، 204-206

[9] تاج العارفين، سعاد الحكيم، 147

[10] اللمع للطوسي، 209



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التصوف والدبلوماسية الروحية: الأبعاد الثقافية والتنموية والحضارية

سيرا على النهج السديد الذي اختاره المغاربة منذ القديم في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وجريا على السنة الحميدة التي دأبت عليها مؤسسة المتلقي العالمي للتصوف والطريقة القادرية البودشيشية كل سنة، ستنظم المؤسسة بشراكة مع المركز الأورو-متوسطي لدراسة الإسلام اليوم (CEMEIA) الدورة الثانية عشرة...

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

قبسات من درر العارفين (2)

محق التقوّل في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري

الملتقى العالمي الثاني عشر للتصوف: التصوف والدبلوماسية الروحية

نفحات روحية من خلال السيرة النبوية (1)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء رمضان لسيدي محمد بن عباد الرندي
التصوف عند علماء القرويين، المفهوم، التأصيل، التنزيل
السياسة الأخلاقية: مفهوم الحرية نموذجا

 

 

 

 

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

   ليس غريبا أن نجد الأستاذ علال الفاسي -وهو سليل أسرة أنجبت فطاحل مشايخ الصوفية- يهتم بعلائق التراث الصوفي ونفائسه، فبعد أن توسعت مدارك الرجل ونضج فكره وانفتحت آفاقه، رجع ليعترف ويقر بالقيمة الفكرية التي يحتلها علم التصوف في تاريخ الإسلام، بل سنجده مدافعا عن المنهج الصوفي الأصيل، منتقدا كل من حاول اختزال التصوف في بعض الممارسات الشاذة التي ألصقت بصوفية المغرب وهم منها براء؛ وفي هذا الصدد يقول: «إذا كانت ثمة منكرات أُدخلت على القوم، أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس، فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون، أم أي عقيدة...