دراسات وأبحاث

التعريف بكتاب: "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" لأبي نعيم الأصفهاني (ت 443هـ)

د.مصطفى بوزغيبة

يعد كتاب: "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" من أهم مؤلفات الحافظ أبي نعيم الأصفهاني (ت 443هـ)، وأحد أهم المؤلفات في مجال التراجم والطبقات، وكل من أتى بعده عيال على هذا الكتاب.

1- موضوع كتاب حلية الأولياء:

كتاب: "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" ومن خلاله عنوانه ومادته العلمية، يهتم بتراجم الأصفياء وعلى رأسهم الصحابة الكرام، والتابعين وتابع التابعين، وطبقات الأولياء من الصوفية والزهاد، وهم عند أبي نعيم من شيوخ الصوفية سواءً كانت تلك النسبة على الحقيقة أو ممن اشتهر بالزهد والورع، قال أبو نعيم في مقدمة كتابه: "فقد استعنت بالله عز وجل وأجبتك إلى ما ابتغيت من جمع كتاب يتضمن أسامي جماعة وبعض أحاديثهم وكلامهم من أعلام المتحققين من المتصوفة وأئمتهم وترتيب طبقاتهم من النساك ومحجتهم من قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم ممن عرف الأدلة والحقائق وباشر الأحوال والطرائق وساكن الرياض والحدائق وفارق العوارض والعلائق...".[1] 

2- قيمة الكتاب العلمية:

أقبل العلماء على كتاب الحلية لما فيه من نفائس وذخائر علمية جليلة، سواء في تراجم الرجال، وحفظ جانب من تاريخ الأمة وأمجاد رجالها من الصوفية والعلماء والأولياء والزهاد والعباد وغيرهم ممن عُرف بالتقوى والورع، وكذا احتواء الكتاب على ذخائر حديثية قدسية أو نبوية مرفوعة أو موقوفة أو مقطوعة مروية بأسانيده، من طرق تفرد بها أصحابها، والتي قلما توجد مسندة إلا في كتاب حلية الأولياء.

كما احتوى الكتاب على تراجم بعض رواة الحديث، وهي تراجم راعى فيها أبو نعيم عناصر الترجمة الشاملة والمفيدة لرجال الإسناد، من ذكر لنسب الراوي، حتى لا يختلط بغيره من الرواة ممن يتشابه في الاسم، وكذا ما يُعرف به الراوي من الصفات، وتزكية العلماء له؛ أي هل هو أهل للأخذ عنه، وهل تتوفر فيه شروط الرواية من العدالة والضبط، كما يذكر شيوخ الرواة وتلامذتهم.

كما أن هذه الموسوعة اشتملت على علل جملة من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، تساعد الدارس على معرفة درجة الأحاديث.

إن كتاب حلية الأولياء منجم خصب لاشتماله على الأحاديث تُقدرة بنحو أربعة آلاف وأربعمائة وثمانية أحاديث، مما جعل العلماء يفردون كتبا خاصة لجمعها وترتيبها، كما فعل ابن حجر الهيثمي (ت 807هـ)، لكن المنية أعجلته، والكتاب مسود، فبيضه وأتمه من بعده ابن حجر العسقلاني (ت856هـ) في كتاب تحت عنوان: "تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية". وهو كتاب مطبوع ومحقق.

نظرا لهذه الأهمية جعل العلماء يثنون على أبي نعيم، وعلى كتبه عامة، التي أصبحت نارا على علم،  وعلى كتابه الحلية خاصة.

 قال ابن نقطة: "رزق من علو الإسناد ما لم يجتمع عند غيره وصنف كتبا حسنة، وحديثه بالمشرق والمغرب وكان ثقة في الحديث عالما فهما".[2]

وقال ابن كثير: "هو الحافظ الكبير ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة منها: حلية الأولياء في مجلدات كثيرة دلت على اتساع روايته وكثرة مشايخه وقوة اطلاعه على مخارج الحديث وشعب طرقه".[3]

وقال ابن تيمية: "هو أكبر حفاظ الحديث، ومن أكثرهم تصنيفا، وممن انتفع الناس بتصانيفه، وهو أجل من أن يقال له: ثقة، فإن درجته فوق ذلك".[4]

أما ما يعكس القيمة العلمية الكبيرة لكتاب الحلية وتهافت الناس عليه، أن كتب له القبول منذ وقع الكتاب في أيدي الناس، إلى درجة أنه لما "حمل إلى نيسابور في حياته فاشتروه بأربعمائة دينار".[5]

وقال أبو طاهر السلفي: "لم يصنف مثله".[6]

وقال السبكي: "ومن مصنفاته (حلية الأولياء) وهو من أحسن الكتب، كان الشيخ الإمام الوالد رحمه الله كثير الثناء عليها، ويحب تسميعها".[7]

وقال حاجي خليفة: "وهو كتاب حسن معتبر".[8]

هذه الأقوال وغيرها تدل على أهمية الكتاب، وقيمته العلمية الكبيرة منذ عصر المؤلف إلى عصرنا الحالي، وأنه يعد مصدرا هاما يرجع إليه العلماء والدارسون على اختلاف مشاربهم وتخصصاتهم.

الهوامش


[1] حلية الأولياء، 34/1.

[2] التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، ص: 145.

[3] البداية والنهاية، 674/15.

[4] مجموع الفتاوى، 17/18.

[5] سير أعلام النبلاء، 459/17، طبقات الشافعية الكبرى، 19/4.

[6] تذكرة الحفاظ، 1094/3.

[7] طبقات الشافعية، 22/4.

[8] كشف الظنون، 689/1.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

قبسات من درر العارفين (7)

آثار ابــن زكــري

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

 

 

 

 









العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله وجهوده لإثراء الحركة العلمية

    إنه لمن دواعي افتخاري -بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة أحد فحول علماء سوس- أن أسهم في تسليط بعض الضوء على علَم العلماء بحاضرة سوس العالمة، والذي ستظل حياته العلمية والعملية صفحة من صفحات السجل الذهبي الذي يفتخر به المغرب على شاكلة العلماء المغاربة رحمهم الله، الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة أبواب من الثقافة المغربية، وظل وسيظل نجما ساطعا في سمائها.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

    هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان». وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش...