دراسات وأبحاث

حضور حلية الأولياء عند أصحاب الطبقات

د.مصطفى بوزغيبة 

   أولى العلماء لكتاب الحلية عناية خاصة، نظرا لأهميته وقيمته العلمية الكبيرة، واحتوائه على نفائس ودرر، أغرت العديد منهم على مدارسته وتدريسه، وكذا اختصاره، وتقويم ما فيه من زلل، والزيادة عليه.

1. صفة الصفوة: لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (ت597هـ)

   صفة الصفوة للإمام أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (ت597هـ) فقد كان الداعي إلى تأليفه لهذا الكتاب هو الاستجابة للطلب الملح حول تهذيب كتاب الحلية، والاستدراك على أبي نعيم في مسائل عديدة، واختصاره حتى يكون سهلا ميسرا، يقول ابن الجوزي: "أما بعد، فإنك أيها الطالب الصادق، والمريد المحقق لما نظرت في كتاب (حلية الأولياء) لأبي نعيم الأصبهاني أعجبك ذكر الصالحين والأخيار، ورأيته دواء لأدواء النفس، إلا أنك شكوت من إطالته بالأحاديث المسندة التي لا تليق به، وبكلام عن بعض المذكورين كثير قليل الفائدة، وسألتني أن أختصره لك وأنتقي محاسنه؛ فقد أعجبني منك أنك أصبت في نظرك، إلا أنه لم يكشف لك كل الأمر..."،[1] وبعد ذكر مجموعة من المؤاخذات عن كتاب الحلية، قال: "وقد حداني جدك، أيها المريد، في طلب أخبار الصالحين وأحوالهم أن أجمع لك كتابا يغنيك عنه، ويحصل لك المقصود منه، ويزيد عليه بذكر جماعة لم يذكرهم، وأخبار لم ينقلها، وجماعة ولدوا بعد وفاته، وينقص عنه بترك جماعة قد ذكرها، فبعضها لا ينبغي التشاغل به، وبعضها لا يليق بالكتاب على ما سبق بيانه".[2] وهذا شأن أي تأليف أولي في أي فن من الفنون، وتجدر الإشارة إلى أنه لابد من التماس العذر للمؤلف عما تخلل كتابه من أي مواخذة خصوصا إذا علمنا أهمية كتاب "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" الذي حشد فيه مؤلفه العالم الكبير سير وتراجم جمهرة كبيرة من رجالات المسلمين الأصفياء المنقطعين لله تعالى من أعيان القرون الهجرية الأربعة الأولى، وذكر في تراجمهم ما ورد في فضلهم من الأحاديث والآثار والأقوال، فجاء الكتاب كأحسن ما يكون التصنيف والتأليف على الرغم مما ورد فيه من الأحاديث والآثار الضعيفة، فعذره في ذلك إيراد تلك الأحاديث والآثار بالأسانيد الأمر الذي يتيح للباحث المختص بدراسة الأسانيد معرفة الصحيح من السقيم.

2. أحسن المحاسن: لأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الرَّقي الحنبلي (ت703 هـ)

   يعد كتاب (أحسن المحاسن) لأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الرَّقي الحنبلي (ت703 هـ) لب كتاب "صفة الصفوة" لابن الجوزي الذي اختصره بدوره من كتاب (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) لأبي نعيم الأصبهاني، فهو إذاً لب اللباب، وحين نظر "أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الرّقي الحنبلي المتوفى سنة 703 هـ) في كتاب "صفة الصفوة" رأى أنه فوق طاقة العامة من المسلمين لكبر حجمه وكثرة أسانيده، فعمد إلى اختصاره بذكر أحسن ما في كتاب "صفة الصفوة" لابن الجوزي، فجاء هذا الكتاب (أحاسن المحاسن) خيار من خيار من خيار، ففيه أحسن ما روي من محاسن الأولياء، لا يكاد يشبع من قراءته وسماعه من له معرفة بأحوال الأصفياء، فكان اختصاره لمختصر ابن الجوزي بحذف أسانيده، وحذف ما ليس بكثير الفائدة من مسانيده، وأبقى على ما يعود بالفائدة على القراء مما وقع عليه، ورتبه على أبواب وقسمه على أجزاء، وذكر فيه لب لباب (حلية الأولياء) مرتباً مادته على ذكر مشاهير العابدات من النساء، وقد طبع الكتاب في مصر أول مرة منذ سنوات عديدة، ثم صدرت أحدث طبعاته عن دار الوعي بحلب سنة (1420هـ = 1999م) بعناية الأستاذ الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي المتمرس بفنون البحث والتحقيق.

   اختصر الشيخ العلامة السيد محمد بن علوي المالكي رحمه الله هذا الكتاب أيضاً في كتاب سماه:  ( المختار من كلام الأخيار ) وقد حقق النسخة ولده السيد أحمد حفظه الله ، وقابلها على جميع الأصول ابتداء من (الحلية) إلى (أحسن المحاسن)، وأما كتاب: (أحسن المحاسن) فهو محقق له في رسالة ماجستير. 

3. مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب

   كتاب مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب ويعرف ب: (مناقب الأحباب ومراتب أولي الألباب ) و (مجمع الأخبار في مناقب الأخيار) لشمس الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن ابن عبد الله الواسطي الشافعي (ت 776 هـ).

قال حاجي خليفة: "سلك في اختصاره مسلكا وسطا مع زيادة تراجم أئمة".[3]

   فالمؤلف جمع ما قدِّر له أن يجمعه حتى زمانه في "مجمعه"، وهذا الكتاب يحوي سير وأخبار أقطاب الزهد والورع وآثارهم، ويحمل في طياته العلاج الناجع لداء القسوة والعُجْب والكبر، وغيرها من الأدواء؛ لأن رجال المجمع هم أطباء القلوب، بما آتاهم الله من العلم والحكمة. وكم كان المؤلف موفقاً.. حينما ختم كتابه بترجمة السلطان العادل نور الدين محمود، والسلطان صلاح الدين الأيوبي محرر المسجد الأقصى من الصليبيين.. رضي الله عنهما.ومن المهم هنا.. أن نذكر أن بعض تراجم هذا الكتاب موسعة.. بل وتصلح بعض التراجم أن تكون في كتب مستقلة.

طبع هذا الكتاب، سنة 2008م، دار المنهاج، بتحقيق مجموعة من المحققين.

 

هوامش

[1] صفة الصفوة، 9/1.

[2] صفة الصفوة، 12/1.

[3] كشف الظنون، 689/1، تاريخ الأدب العربي، 224/6.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التراث الصوفي المخطوط بخزانة الزاوية الناصرية– تامكروت بزاكورة (5)

     تُعد الزاوية الناصري من أهم المراكز العلمية المرموقة والينابيع الصوفية الصافية والمنارات الدينية الشامخة التي يؤمها الطلاب والمريدون من كل حدب وصوب. أسهمت منذ تأسيسها على يد حفص عمرو بن أحمد الأنصاري في تعميق ممارسة دينية مبنية على وحدة المذهب والعقيدة والسلوك، كما حرص جل شيوخها الذين تُجمع المصادر على علو همتهم في العلم والتربية على إشاعة العلم النافع الموصل إلى العمل الصالح؛ وعن أحد أعلامها (وهو الشيخ أحمد بن إبراهيم التكروتي) يقول الحضيكي في طبقاته:" العارف الأكبر، وبحر الشريعة والحقيقة، كان -رضي الله عنه- من أكابر العارفين والقائمين بالحق، والحافظين لحدود الله، والمحافظين على السنة وإخماد البدعة... وكان -رضي الله عنه- بديع زمانه وأعجوبة أوانه، لا ينظر في الإنسان النظرة الأولى إلا عرف قصده وما في ضميره"

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

   ليس غريبا أن نجد الأستاذ علال الفاسي -وهو سليل أسرة أنجبت فطاحل مشايخ الصوفية- يهتم بعلائق التراث الصوفي ونفائسه، فبعد أن توسعت مدارك الرجل ونضج فكره وانفتحت آفاقه، رجع ليعترف ويقر بالقيمة الفكرية التي يحتلها علم التصوف في تاريخ الإسلام، بل سنجده مدافعا عن المنهج الصوفي الأصيل، منتقدا كل من حاول اختزال التصوف في بعض الممارسات الشاذة التي ألصقت بصوفية المغرب وهم منها براء؛ وفي هذا الصدد يقول: «إذا كانت ثمة منكرات أُدخلت على القوم، أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس، فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون، أم أي عقيدة... 

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (7)

بعد أن حاولنا في المقال السابق إبراز جهود العلامة علال الفاسي في خدمة التراث الصوفي ببلادنا، وبعد أن عرضنا بعض مواقفه المتبصرة التي استطاع من خلالها أن يمزج بحكمة فطنة بين فكر صوفي صافي متجذر، ومشروع إصلاحي ناهض ومتجدد، سَاعِيا في كل ذلك إلى تحقيق نوع من التوفيق والتكامل بين ضغوط الإصلاح وحتمية حضور المكون الصوفي في مشروعه الإصلاحي، سنعمل في هذه الحلقة -من سلسلة المقالات التي خصصنها لرصد التراث الصوفي المخطوط بالخزائن العلمية بالمغرب- تقديم نبذة موجزة عن خزانة مؤسسة علال الفاسي التي تٌعد من أغنى الخزائن العلمية الخاصة بالمغرب، والتي تزخر بنفائس ونوادر من المخطوطات في شتى أصناف العلوم والمعارف ومنها التصوف، مع محاولة تسليط الضوء على بعض النماذج من المخطوطات الصوفية التي تحتوي عليها الخزانة.