قضايا صوفية

خصائص العمل لتزكوي

خصائص العمل لتزكوي[1] 

د.  طارق العلمي

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة.

    ليس العمل الديني رتبة واحدة، وإنما رتب متعددة، أولاها التسليم بأركانه مع عقد النية على القيام بأدائها على مقتضاها، يليه الإيمان بأصوله الغيبية، ثم الاجتهاد في التعبد لله، قلبا وقالبا، وهذا الاجتهاد هو ذاته درجات يرتقي فيها الإنسان بحسب تخلصه من الأمراض الخفية التي تعتري نفسه، ونخص هذه الرتبة من العمل الديني باسم «العمل التزكوي» كما نخص المتدين الذي ينزل في هذه الرتبة باسم «المتزكي»ن فلنوضح من خواص هذا العمل الأرقى ما يغني عن ذكر الباقي.

    من البين أن العمل هو فعل يتوصل به إلى تحقيق هدف مخصوص، ويتوسط في ذلك بوسيلة مخصوصة، ونعلم أن الذي يضفي على العمل صفة العقلانية أمران اثنان، أحدهما طبيعة الهدف المحدد، إذ تجعلنا ندرك السبب الذي من أجله يحصل هذا الفعل، والثاني، مناسبة الوسيلة المستعملة للوصول إلة هذا الهدف، وإذا نحن تأملنا العمل التزكوي من جهة استيفاء هذه العقلانية العملية، ألفينا أنه لا يخرج عن هذه القاعدة، فله من العقلانية ما لغيره من الأعمال، هذا إن لم تكن العقلانية التزكوية أعقل عقلانية يمكن تصورها، متى راعينا أن الهدف الذي يتوخى العمل التزكوي تحقيقه هو تحرير الإنسان على الوجه الأتم، وأن الوسيلة التي يستعملها لبلوغ هذا الهدف هي أزكى الوسائل، وهي بذل أقصى الجهد في الامتثال للإرادة الإلهية، وإذا اتضح هذا، أمكن أن نصوغ التعريف التالي للعمل التزكوي:

● العمل التزكوي هو الاجتهاد في التعبد لله بالقدر الذي يتوصل به إلى تخليص الإنسان من مختلف أشكال الاستعباد

    بناء على هذا التعريف يتبين أن المقصد-أي تخليص الإنسان من الاستعباد- قد يخرج من العمل التزكوي نوعين من العمل التعبدي؛ أحدهما، العمل التعبدي الذي يؤثر صاحبه الصبر على الاستعباد، مع وجود القدرة على دفعه، جاعلا من هذا الصبر قربة يتوصل بها إلى مرضاة الله كالعمل التعبدي الذي عرف به بعض المسيحيين في القرون الأولى، والثاني، العمل التعبدي الذي يجعل العبد يرضى عن حال الاستعباد، وذلك بقمع رغباته التي لا يملك أن يلبيها، مكتفيا بأن قلبه الشعور بالحرية حتى ولو كانت أطرافه مقيدة بالأصفاد كما نجد ذلك عند بعض الرواقيين، وهكذا، فالتعبد الذي يأخذ به المتزكي ليس استسلاما للاستعباد طمعا في ثواب الآخرة، بل هو التعبد الحي، الذي يحرر الإنسان من نير العبودية ويرد إليه كرامته، لأنه مقيد في ذلك بمقتضيات شرع الله.

خصائص العمل التزكوي؛ انطلاقا من هذا التعريف، يمكن أن نحصي الخصائص التالية:

   الخاصية النموذجية؛ يكن القول بأن العمل التزكوي لا يضاهى في استيفاء شرائط العمل، حتى إنه يستحق أن يشكل نموذجا لأي عمل آخر، لأنه المتزكي يأتي به، أصلا بنية القربة إلى الله، متحريا فيه من مقتضيات الشرع كل ما يحقق له هذا التقرب، فهو لا يطلب العلم الشرعي لذاته بقدر ما يطلب طريقة العمل به، ولا تستقيم له هذه الطريقة، حتى يتحقق بالإخلاص فيه، وعلى قدر إخلاصه، يورثه عمله علما لم يكن يعلمه، ويصير بهذا العلم الموروث أقدر على تحصيل ما ابتدأ بالتعلم من أجله، فضلا عن تصحيح العلم الذي توسل به إليه، وكلما ازداد إخلاصا، استقل عمله، متبرئا منه، وشاهدا نسبته إلى الحق، فرأى نفسه لا عاملا، وإنما محل عمل، وحينئذ، لا عجب أن تكون فعالية العمل التزكوي أعظم من فعالية غيره، فعلاوة على كونه موصولا بعلم مكسوب تولى المتزكي نفسه فيه، فإنه لا يلبث أن يردف بوجود الإخلاص فيه، بعلم موهوب يتولاه الحق فيه، فتتضاعف قوة تأثيره ويتسع مجال نفعه، فلا يلحقه في رتبته غيره إلا أن يكون من جنسه وبقدره.

    الخاصية التحويلية؛ لا يقتصر العمل التزكوي على إصلاح ظاهر السلوك الفردي والجماعي، وإنما هو عمل يدور في أعماق الإنسان، نافذا إلى الجذور المعلولة في نفسه، فيجثثها من أصلها، مستبدلا مكانها بذورا روحية لا تفتأ بعد حسن الرعاية، أن تنشئ فضاء معرفيا في باطنه –أو قل قلبه- تتحول معه مدارك الإنسان رأسا على عقب، بدءا بعقله وانتهاء بحسه، فعقله ليس كعقل غيره، إذ يتجاوز فهم الأشياء بأسبابها الموضوعية، ولا حتى في ارتباطها النظري بخالقها وخالق كل شيء، إلى أن يفهم عن خالق هذه الأشياء معانيها وأسرارها، وحسه هو أيضا ليس كحس غيره، إذ يتعدى إدراك الأشياء بمظاهرها الخارجية، ولا حتى في ارتباطها بالخلق كله، إلى أن يشهد الحق فيها، أو قل، بإيجاز، إن العمل التزكوي لا ينفك يحول الإنسان، باطنا وظاهرا، حتى يقوى على حمل الأمانة الإلهية.

    الخاصية التكاملية؛ قد يظن الظان أن العمل التزكوي يتعلق بجزء محدود من المجود الإنساني، ألا وهو حياته الداخلية، لا سيما وأنه تغلغل في العبادة واستغراق في الذكر وانشغال بإصلاح الباطن، وليس الأمر كذلك، وبيان ذلك من الوجوه التالية:

    أولها: فكما أن الحاكم على أفعال الإنسان هو عمل العقل، وهو عمل باطني صريح، فكذلك عمل القلب حاكم على عمل الجوارح؛ ولا أحد يزعم أن النشاط العقلي محصور في الحياة الداخلية، فيلزم أن النشاط القلبي، هو الآخر، ليس مقصورا على الحياة الداخلية. والثاني: أن العمل التزكوي لا يقيم حدودا بين دوائر الحياة المختلفة، بل إن الحياة عنده عالم جامع تترابط فيه الموجودات بعضها مع بعض، إذ ترتبط الذات بنفسها وارتباطها بالله عز وجل أقوى من ارتباطها بنفسها، كما ترتبط بالآخرين وبالكائنات الأخرى، طبيعة كانت أو روحية، لأن سر الوجود يشملها مجتمعة، ولا عمل تعبدي حقيقي بغير الاتصال بسر الوجود، وكذلك تتداخل في هذا العالم مختلف المجالات الحياتية، نفسانية كانت أو اجتماعية، أو دينية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها، لأن حسن التقويم يكمن في ائتلاف أجزائها وانتظام بنيتها؛ ولا عمل تعبدي حقيقي بغير مشاهدة هذا التقويم، كما أم الإنسان في العمل التزكوي عبارة عن ذات جامعة لا يستقل فيه جانب عن آخر، حسا كان أو عقلا أو إرادة أو وجدانا أو خيالا، لأن نفخة الروح تسري في كليته؛ ولا عمل تعبدي حقيقي بغير استعمال كلية الذات.

    والثالث: أن العمل التزكوي يعامل الأشياء الزمنية والتاريخية على أنها موصولة على الدوام بأفق القدس والخلد، كأنما المتزكي يرتحل بقلبه إلى عوالم أخرى غير هذا العالم المرئي، ثم يعود إليه وقد حمل إليه الشيء الكثير من الآثار الروحية لرحلته؛ فهذا العالم بدأ من هناك، إذ كان فيه أمرا غيبيا، كما أن العوالم الأخرى تبدأ من هنا بعد ما أصبح خلقا مرئيا، إذ يقدر على أن يعرج إليها، ومعراجه عمله التعبدي الخالص.

    الخاصية الاستمرارية؛ ليس للعمل التزكوي فترة زمنية مخصوصة من ياة الإنسان، كتلكم الفترة التي يجرفه فيها تيار الحياة المادية أو تصيبه أزمات أو نكبات تقصم ظهره، فلا يجد مخرجا لها أو عونا على تحملها إلا في اللجوء إليه؛ وإنما الحقيقة أن هذا العمل يتعين على الإنسان مع حصول التكليف، نظرا لأن الإنسان لم يخلق إلا للتعبد لله على وجه الإخلاص، ثم إن هذا العمل ليست له نهاية يقف عندها ولو كانت له بداية معلومة، إلا أن يحل أجل المتزكي؛ ولذلك وصف الواصفون عمله ب «السير إلى الله» فهو السائر الذي وإن عرف إلى أين يسير، فإنه لا يعرف أين مستقره، ولا متى يستقر فيه، فلا يهتم إلا بمواصلة سيره –أو قل تعبده- منزعجا عن كل مقر، حالا أو مقاما، ومتحققا بأنه لا يسير، وغنما يُسيَّر، ولا يصل، وإنما يوصَّل، كما وصفوا مساره ب «الطريق»، لأنه يلتزم بمراسم التعبد المبثوثة في الأصلين: «الشريعة» و«السنة»، وكلاهما يفيد، لغة، الطريق المستقيم، فيدل بذلك على الاتصال والإيصال، فضلا عن الاستواء والاهتداء، فلا يسع المتزكي إلا أن يواصل هذا الالتزام من غير كسل ولا ملل، فانيا عن رؤية ما قطعه من هذا الطريق برؤية تفضل عليه بأن هداه إليه.

    الخاصية التصاعدية: لا يدوم العمل التزكوي على وتيرة واحدة، ولا يعرف رتابة العمل المعاشي، ولا بالأولى آلية العمل الصناعي، بل هو في تبدل متزايد، فلا يستقر هذا التبدل على حال واحدة، وإنما يتقلب في أحوال، والأصل فيها أن يكون لا حقها أفضل من سابقها؛ ويدخل هذا النوع من التبدل على العمل التزكوي من وجوه عدة؛

    أولها: أنه  ليس في الأعمال كالعمل التزكوي احتياجا إلى الخبرة التربوية والنفسية، وذلك لثبوت تعلقه، لا بظاهر السلوك فقط، فيكتفي المتزكي بالملاحظة والمحاكاة، وإنما يتعلق أساسا بداخل النفس وأمراضها الخفية، فلا يستغنى مطلقا عن إشراف الخبير بشؤونها، ومعلوم أن هذه التربية كغيرها، تقتضي التدرج والتوجيه على قدر استعدادات المتزكي في العمل، حتى إذا تأكد الخبير من تقدم استعداداته، ارتقى به إلى درجة أخرى في العمل ولو أنه لا ينفك يستفز هذه الاستعدادات، ويحمله على ما قد يشق عليه في الظاهر.

    والثاني: أن العمل التزكوي هو أصلا عمل مجاهدة، والمجاهدة لا تقوم إلا بمن يوطن نفسه على خير الأعمال، زاهدا فيما أتاه منها، وراغبا فيما زاد عليها، بل لا تقوم إلا بمن لا يركن إلى أي عمل، مهما أتاه على رسمه الخارجي، واجتهد في القيام بشرط حاله الداخلي، لأنهلا يأمن أن يمازج حقوق الله فيه حظ من حظوظ نفسه، هذا، بالإضافة إى يقينه بأن أي عمل من حيث نسبته إليه لا يستحق أن يوصله إلى مراده في القرب.

    والثالث: أن المتزكي كلما ارتقى في مراتب التعبد، محفوظا من آفات كل رتبة، أصبح التجدد قانون تعبده، فيأتي العبادة الواحدة برسمها الواحد مرات متعددة، فتكون بروحها في كل مرة غيرها في المرة التي سبقتها، حتى كأنها عبادات كثيرة، وليس ذلك لمجرد تجديد النيات فيها أو تكثيرها، وإنما لتراكم آثارها الروحية في قلبه بعضها فوق بعض، بحيث ترث العبادة الواحدة بعينها آثار سابق أداءاته لها، وتزيد على هذا الإرث إرثا من عندها.

    ومما سبق، يتضح أن العمل التزكوي يشكل نموذجا لغيره من الأعمال، إذ يتصف بالقدرة على تحويل القلوب والعقول، وأيضا بتكامل مجالات الحياة وجوانب الإنسان فيه، وكذلك باستمراره من غير انقطاع، وأخيرا بتصاعد وتيرة تجدده، كل ذلك لأنه قام على أصل الأصول، وهو التعبد لله في كل شيء على شرط الإخلاص.

الهوامش

[1] مقتبس من كتاب سؤال العمل بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم : الدكتور طه عبد الرحمان، المركز الثقافي العربي، ط.الأولى، 2012م، 159. 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد قضايا صوفية

جديد قضايا صوفية

اليـقيـن ارتفاع الريب في مشهد الغيب

الأوصاف النموذجية للشيخ المربي

لا تَسْكُنْ إلى نَفْسِك...

رسالة في التربية الصوفية للشيخ اليوسي 2

الفرح بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

 

           

    

اليـقيـن ارتفاع الريب في مشهد الغيب

     هو من الإيمان بمنـزلة الروح من الجسد. وبه تفاضل العارفون. وفيه تنافس المتنافسون. وإليه شمر العاملون. وعمل القوم إنما كان عليه. وإشاراتهم كلها إليه. وإذا تزوج الصبر باليقين: ولد بينهما حصول الإمامة في الدين. قال الله تعالى وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾

الأوصاف النموذجية للشيخ المربي *

 أول هذه الأوصاف: أنه مثال المراقبة:  فقد راقب النموذج بدون انقطاع، على خير الوجوه مراقبة مباشرة سلوك نموذج آخر أخذ بدوره عن غيره بنفس الطريق، وهكذا صُعُدا إلى رسول الله ﷺ، فتسلفه معاينة خاصة لأفعال السلف القريب، فالسلف البعيد، فالأبعد، فالأبعد منه، فالرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا، فلسلوك النموذج سند عملي متصل كما يكون للحديث سند قولي متصل.