دراسات وأبحاث

حَمَل المصحف… ولم يحمل السيف…

د.أحمد غاني.

متخصص في أصول الفقه ومقاصد الشريعة

   لم يكن الداعية يعلم أن دعوته ستثمر آلاف الصينيين المسلمين، بل لم يكتب له حتى أن يرى هؤلاء الذين قصدهم لدعوتهم للإسلام فأسلموا، ولم يكن يتخيل أن من سيتم المهمة هو راحلته التي يركبها، لقد كان يسير متوجها نحو الصين في أرض قاحلة مع القافلة، ولم يكن يشغل باله إلا هم تبليغ دعوة الإسلام التي أنارت جوانحه، وأخرجته من ضيق ظلمات نفسه إلى فضاء نور الله.لم يحمل معه هذا الداعية إلا المصحف، ولكنه كان يعلم أنه حمل معه كل شيء، فهو يحمل معه النور والكتاب المبين الذي يدعو إلى الإسلام والسلام،كتاب يدعو إلى المحبة والدفع بالتي هي أحسن. نعم لم يحمل معه السيف، فهو ليس بداعية إيديولوجي، ولا بداعية إلى العنف، وإنما هو يدعو إلى الحقيقة الربانية، وهذا المصحف يخاطبه ويخاطب غيره قائلا: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)[1].

    لم ترد الأقدار أن يصل الرجل إلى مبتغاه، ولكن إصراره أوصل المصحف إلى حيث يقصد، ووصلت معه الهداية للقلوب، ففي الطريق يدنو أجله فيكتب رسالة لأحد معارفه ويضعها مع المصحف في رحله، ومن المؤكد أنه أوصى القافلة براحلته خيرا كي تبلغ وجهتها، ثم أسلم الروح لباريها. 

    انتشر الإسلام في المقاطعة الصينية التي وصلتها الراحلة، مقاطعة تشينغهاي، والتي تقول عنها المصادر اليوم أن فيها مليون مسلم  و 1800 مسجد... وأن أشهر المساجد وأعرقها  "مسجد دونغ  قوان الكبير"  في مدينة شينينغ، يصلي فيه ما يزيد عن 50 ألف  مسلم أيام الجمع، ويصل عدد المصلين فيه الى 200 ألف مصلي في الأعياد.

    نعم كان هذا بفضل المصحف المحمول، هذا المصحف الذي خطابه خطاب للقلوب والعقول، خطاب أعلاه متثمر وأسفله مغذق، وبفضل هذا المصحف باشرت الهداية قلوب المسلمين الصينيين، وقد أرادوا صناعة شيء يخلد ذكرى إسلامهم ففكروا في صنع تمثال يخلد لهذا الإسلام الذي حمله المصحف ولم يحمله السيف، فصنعوا تمثالا لراحلة وقد نحت عليها المصحف، والتمثال لا يزال موجودا إلى الآن رمزا للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وما أعظم الحكمة التي يخاطب بها الله تعالى عباده، وقد ذكر أحد الباحثين المحققين جزاه الله خيرا أنه زار المتحف ورأى به المصحف، وهو مصحف مخطوط نادر مزين بالذهب والازورد...

    لم يكن هذا الداعية، الذي تتحدث الروايات بأنه كان بغداديا واسمه قهرمان، الداعية الوحيد الذي نشر الإسلام بالصين، فقد كان هنالك دعاة صوفيون آخرون حملوا الإسلام بوسيلة الحكمة والموعظة الحسنة، ودعوا الخلق بطريق اللطف لا بطريق العنف، فقد ذكر المستشرق الفرنسي فانسان مونتي[2] أنه وجد بالصين (في مدينة تشنغتشو بمقاطعة هينان) قبرا مكتوبا عليه اسم عبد الرزاق القادري، يرجع تاريخه إلى القرن الثالث عشر الميلادي، ويذهب مسلمو تلك المقاطعة الصينية إلى أن هذا الصوفي القادري هو الذي أدخل الإسلام إلى تلك المقاطعة.

   لقد اعترف كثير من الباحثين بالمنهج السلمي الذي سلكه الصوفية في نشر الإسلام عبر العالم، فهذا المستشرق شاتلييه يقول: "والخلاصة أن الإسلام مدين بكل فتوحاته السلمية وانتشاره في الأقطار لجماعة الصوفية، فمشايخهم هم في الحقيقة الذين يديرون حركة الإسلام الحية". ويقول جبراييل هانتوا أحد وزراء خارجية فرنسا سابقا: "إنه لا يوجد مكان على سطح المعمورة إلا اجتاز الإسلام فيه حدوده، منتشرا في الآفاق، فهو الدين الوحيد الذي تفوق نشوة الميل إليه والتدين به كل ميل إلى اعتناق دين سواه، ففي البقاع الإفريقية، نرى الدعاة من الطرق الصوفية، وقد أفرغوا على أبدانهم الحلل البيضاء يحملون إلى الوثنيين قواعد الحياة ومبادئ السلوك في هذه الدنيا،كما أن أمثالهم في القارة الأسيوية ينشرون بين الصفر الألوان قواعد الدين الإسلامي. ويقول المستشرق لويس ماسينيون : "ويلي... في العمل على التوحيد الروحي، الجهود التي بذلها دعاة الإسلام من أتباع الطرق الصوفية المخلصين في كل ناحية من النواحي، في المحافظة على الإيمان وإذكاء لهيبه في قلوب أفراد الناس... إن الطرق الصوفية في جملتها لعبت في البلاد النائية الأحدث عهدا بالإسلام دورا عظيما مثمرا في نشر العقائد والعبادات الإسلامية"[3]، ويقول المؤرخ الفرنسي دولانوس: "إن أبرز نشاط للطريقة القادرية كان في إفريقيا السوداء عندما تولت جماعات من القادرية العمل على نشر الإسلام في صفوف القبائل السود الوثنية في إفريقيا السوداء".

  ويقول المرحوم العلامة علال الفاسي إن الطريقة الفضلية التي أسسها الشيخ محمد فاضل والد الشيخ ماء العينين من فروع الطريقة القادرية هي التي كان لها دور في نشر الدعوة الإسلامية في إفريقيا السوداء خصوصا بعد أن تولاها الشيخ ماء العينين الذي عمل على توحيد مختلف الطرق وتوجيهها لمقاومة الأجنبي".

   لقد كان الشيخ ماء العينيين رحمه االله من أبرز من نشروا الثقافة الروحية بالصحراء المغربية (التي لا جدال في مغربيتها)، فقد قال عنه صاحب المعسول : "...شيخ من شيوخ الصوفية الذين لهم يد عليا في ذلك الفن علما وعملا، ولا أدل على ذلك من ذلك الجم الغفير الذين تتلمذوا له من فطاحل الصوفية والعلماء الكبار من الصحراويين، فقد بلغ أخيرا ممن حلقوا حوله في (السمارة) عشرة آلاف بين ذكور وإناث..."[4]. لقد كان للشيخ ماء العينيين دور كبير في تجديد ربط صلة البيعة بين سكان الصحراء المغربية وبين الملوك العلويين، وهو ما يؤكده العلامة المختار السوسي في كتاب المعسول قائلا عن الشيخ ماء العينين: "....إنه اتصل من قديم بملوك المغرب، فكان يفد عليهم بأصحابه من الصحراء، فقد وفد على مولاي عبد الرحمن... فمولاي محمد بن عبد الرحمن، فمولاي الحسن، فمولاي عبد العزيز، فمولاي عبد الحفيظ أخيرا ..."[5]. و بالإضافة إلى زاوية الشيخ ماء العينيين لا تزال الطرق الصوفية إلى الآن مثل القادرية البودشيشية والتجانية تقوم بهذا الدور الوطني بربط مواطني المملكة المغربية بوطنهم من طنجة إلى الكويرة، فهو أمر من مستلزمات الإيمان، فحب الأوطان من الإيمان، كما أنها لاتزال تقوم بدور المحافظة على الدعوة السلمية للإسلام بإفريقيا وبغيرها من بقاع العالم، فالأتباع يقدرون بالآلاف إن لم نقل بالملايين.

  لا يمكن أن يمحى التاريخ بأهواء الناس وظنونهم، فأوراقه تقرأ ولا تتلاشى، ومداده لا يختفي بريقه، والتصوف قد تشبع بمبادئ الإسلام الحقيقي فدعا إلى إسلام المحبة واللاعنف ونبذ التطرف والإرهاب، ومن أراد تشويه التصوف الإسلامي الحقيقي وإنكار أدواره التاريخية والتربوية، واكتفى بنقل تلك التهم المستهلكة من القول ببدعيتة وانحرافه، واتهام أصحابه بالسذاجة وخدمة أغراض أخرى غير أغراض الدعوة الإسلامية، فهو يتحدث عن تصوف لا نعرفه، وليس هو المقصود بحديثنا، ولا هو الموجود في تراثنا الصحيح غير المزور، بل هو مستورد من قراءات ملونة بقراءات إيديولوجية، ومن تيارات معادية للإسلام والتصوف، ومن بعض الدراسات والقراءات الاستشراقية المغرضة والتي من اقتفى أثرها فهو يخدم نفس الأغراض من حيث لا يشعر[6]، وكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع، وقد قال عليه الصلاة والسلام بأن المؤمن لا يكذب. 

 

الهوامش:

[1] سورة البقرة آية 256

[2] Vincent Monteil ذكرها المستشرق الفرنسي فانسان مونتاي، في محاضرته عن الإسلام بالصين التي ألقاها يوم الخميس 31 يناير 1957 بما كان يسمى بمعهد الدروس العليا المغربية بالرباط والذي أصبح بعد ذلك كلية الآداب والعلوم الإنسانية انظر دعوة الحق العدد 202

[3] أنظر الزاوية القادرية عبر العصور ص79

[4] المختار السوسي :المعسول ص83ج4

[5] المختار السوسي :المعسول ص84ج4

[6] للدكتور أحمد غاني ليرجع القارئ إلى كتاب (الشيخ في التراث الصوفي)



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

قبسات من درر العارفين (10)

قبسات من درر العارفين (9)

الطوائف الصوفية وأسانيدها

من شيوخ العلم والتصوف بالمغرب: العلامة امحمد الحضيكِي (1)

من شيوخ العلم والتصوف بالمغرب: العلامة امحمد الحضيكِي (2)

 

 

 

 

 

 

 

 









قبسات من درر العارفين (10)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة سيدي يوسف بن علي الصابر الذي نَصب نفسه غرضا لسهام القضاء

     هو يوسف بن علي الصنهاجي، ولد بمراكش وقضى بها معظم حياته، أصيب بالجذام حتى لقب بالمبتلى، وأصبح يضرب به المثل في الصبر، إلى حد تشبيهه بالنبي أيوب -عليه السلام-، حلاه العلامة سيدي الحسن اليوسي في القصيدة "العَيْنِية"، التي...