دراسات وأبحاث

بماذا عرّف أرباب السلوك الصوم؟

دة. ربيعة سحنون                  

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

   فرض الله تبارك وتعالى الصيام على عباده جميعا، وحثهم عليه، ورغبهم في آدابه، وعدّد لهم أجْره وثوابه، كي يغنموا ويربحوا من خلال هذه العبادة الكونية، والرياضة السنوية، التي خصهم بها سبحانه، تهذيبا لسلوكهم، وتزكية لنفوسهم، ورقيا لأخلاقهم، غير أن الصوفية نظروا للصيام نظرتهم الخاصة، وعرّفوه تعريفات تختلف من صوفي لآخر، كلٌّ على حسب مقامه وحاله ودرجته في السلوك، غير أنهم يتفقون على أن شهر الصيام رمضان هو شهر مفاتحة الخطاب، شهر إنزال الكتاب، شهر حصول الثواب، شهر التقريب والإيجاب، شهر تخفيف الكلفة، شهر تحقيق الزلفة، شهر نزول الرحمة، شهر وفور النعمة، شهر النجاة، شهر المناجاة...

   وهذه بعض تعريفاتهم للصوم، وإن كانت كلها مردها إلى التخلق بأخلاق الله تعالى، والطمع في نيل أعلى الدرجات، وبلوغ أقصى الغايات:

● قال الشيخ أبو طالب المكي: "الصوم هو مفتاح الزهد في الدنيا، وباب العبادة للمولى، لأنه منع النفس عن ملاذها وشهواتها من الطعام والشراب، كما منعها الزاهد العابد بدخوله في الزهد وشغله بالعبادة"[1].

● وعنه يقول السراج الطوسي: "الصوم هو التخلق بالصمدية"[2].

● أما عبد الكريم الجيلي، فجعل الصوم "إشارة إلى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية، ليتصف بصفات الصمدية، فعلى قدر ما يمتنع، أي يصوم عن مقتضيات البشرية تظهر آثار الحق فيه..."[3].

● والصوم عند الإمام الشعراني صفة صمدانية مطهرة من الشوائب النفسانية والشيطانية[4].

● ويقول الحكيم الترمذي: "الصوم، ثمرته تطهر النفس"[5].

● وفرّق الإمام القشيري بين الصوم لله والصوم بالله فقال: "من شهد الشهر صام لله، ومن شهد خالق الشهر صام بالله. فالصوم لله يوجب المثوبة، والصوم بالله يوجب القربة. الصوم لله تحقيق العبادة، والصوم بالله تصحيح الإرادة. الصوم لله صفة كل عابد، والصوم بالله نعت كل قاصد. الصوم لله قيام بالظواهر، والصوم بالله قيام بالضمائر. الصوم لله إمساك من حيث عبادات الشريعة، والصوم بالله إمساك بإشارات الحقيقة"[6].

● والصوم عند الإمام الجنيد  هو نصف الطريقة[7].

● والصائم عند أبي عبد الرحمن السلمي هو الممسك عن كل ما لا يرضاه الله تعالى[8].

● قال الإمام القشيري: الصوم على ضربين: صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوبا بالنية، وصوم باطن وهو صون القلب عن الآفات، ثم صوم الروح عن المساكنات، ثم صون السر عن الملاحظات.

● ويقول رحمه الله عن صوم العابدين: هو صوْن اللسان عن الغيبة، وصون الطرف عن النظر بالريبة[9].

إذن فالصوم عند أرباب السلوك صوم شريعة وحقيقة، صوم تزكية وترقية، صوم تهذيب وتقريب، صوم صيانة وحماية، صوم رياضة ومجاهدة، صوم قلب وجوارح، هو صوم أهل الطريق المحمدي، وأهل الحق والتحقيق...

 


[1] قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، أبو طالب المكي، 218/1.

[2] موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان، 469/13.  

[3] الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، عبد الكريم الجيلي، 204/2.

[4] موسوعة الكسنزان، 470/13.

[5] المصدر السابق، 472/13.

[6] تفسير القشيري المسمى لطائف الإشارات، 138/1.

[7] تاج العارفين، سعاد الحكيم، ص: 151.

[8] موسوعة الكسنزان، 479/13.

[9] لطائف الإشارات، 137/1.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التراث الصوفي المخطوط بخزانة الزاوية الناصرية– تامكروت بزاكورة (5)

     تُعد الزاوية الناصري من أهم المراكز العلمية المرموقة والينابيع الصوفية الصافية والمنارات الدينية الشامخة التي يؤمها الطلاب والمريدون من كل حدب وصوب. أسهمت منذ تأسيسها على يد حفص عمرو بن أحمد الأنصاري في تعميق ممارسة دينية مبنية على وحدة المذهب والعقيدة والسلوك، كما حرص جل شيوخها الذين تُجمع المصادر على علو همتهم في العلم والتربية على إشاعة العلم النافع الموصل إلى العمل الصالح؛ وعن أحد أعلامها (وهو الشيخ أحمد بن إبراهيم التكروتي) يقول الحضيكي في طبقاته:" العارف الأكبر، وبحر الشريعة والحقيقة، كان -رضي الله عنه- من أكابر العارفين والقائمين بالحق، والحافظين لحدود الله، والمحافظين على السنة وإخماد البدعة... وكان -رضي الله عنه- بديع زمانه وأعجوبة أوانه، لا ينظر في الإنسان النظرة الأولى إلا عرف قصده وما في ضميره"

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

   ليس غريبا أن نجد الأستاذ علال الفاسي -وهو سليل أسرة أنجبت فطاحل مشايخ الصوفية- يهتم بعلائق التراث الصوفي ونفائسه، فبعد أن توسعت مدارك الرجل ونضج فكره وانفتحت آفاقه، رجع ليعترف ويقر بالقيمة الفكرية التي يحتلها علم التصوف في تاريخ الإسلام، بل سنجده مدافعا عن المنهج الصوفي الأصيل، منتقدا كل من حاول اختزال التصوف في بعض الممارسات الشاذة التي ألصقت بصوفية المغرب وهم منها براء؛ وفي هذا الصدد يقول: «إذا كانت ثمة منكرات أُدخلت على القوم، أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس، فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون، أم أي عقيدة... 

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (7)

بعد أن حاولنا في المقال السابق إبراز جهود العلامة علال الفاسي في خدمة التراث الصوفي ببلادنا، وبعد أن عرضنا بعض مواقفه المتبصرة التي استطاع من خلالها أن يمزج بحكمة فطنة بين فكر صوفي صافي متجذر، ومشروع إصلاحي ناهض ومتجدد، سَاعِيا في كل ذلك إلى تحقيق نوع من التوفيق والتكامل بين ضغوط الإصلاح وحتمية حضور المكون الصوفي في مشروعه الإصلاحي، سنعمل في هذه الحلقة -من سلسلة المقالات التي خصصنها لرصد التراث الصوفي المخطوط بالخزائن العلمية بالمغرب- تقديم نبذة موجزة عن خزانة مؤسسة علال الفاسي التي تٌعد من أغنى الخزائن العلمية الخاصة بالمغرب، والتي تزخر بنفائس ونوادر من المخطوطات في شتى أصناف العلوم والمعارف ومنها التصوف، مع محاولة تسليط الضوء على بعض النماذج من المخطوطات الصوفية التي تحتوي عليها الخزانة.