دراسات وأبحاث

التـوبـة هو أن تنسى ذنبك...

دة. ربيعة سحنون                           

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

    التوبة هي الرجوع عن معصية الله تعالى إلى طاعته، وهي واجبة على كل مؤمن لقوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾[1]، لأنها من أسباب الفلاح والفوز، لقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون)[2]، ويغفر الله جل وعلا بها الذنوب مهما عظمت وكثرت: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾[3].

    وباب التوبة مفتوح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لقول سيد الخلق عليه الصلاة والسلام: (إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)[4].

    ولِتنال توبة العبد القبول من الحق تبارك وتعالى، لا بد لها من شروط يجب الأخذ بها، والعمل على تحقيقها، لتكون توبة نصوحا خالصة للمولى جل وعلا:

• أن تكون خالصة لله عز وجل، بأن يكون الباعث لها حب الله وتعظيمه ورجاء ثوابه والخوف من عقابه، فلا يريد بها شيئا من الدنيا ولا تزلفا عند مخلوق، فإن أراد هذا لم تقبل توبته، لأنه لم يتب إلى الله وإنما تاب إلى الغرض الذي قصده.

• أن يكون نادما حزنا على ما سلف من ذنبه.

• أن يقلع عن المعصية فورا، وإذا كانت المعصية فيما يتعلق بحقوق الخلق، لم تصح التوبة منه حتى يتخلص من تلك الحقوق برد المظالم إلى أهلها.

• أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى المعصية، لأن هذه هي ثمرة التوبة، ودليل على صدق صاحبها.

• أن لا تكون بعد انتهاء وقت قبول التوبة، فإن كانت بعد انتهاء وقت القبول لم تقبل، إما بحضور الأجل أو بطلوع الشمس من مغربها، قال تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار﴾[5].

    وأجمل الجنيد رحمه الله تعالى هذه الشروط في قوله: "التوبة على ثلاث معان: أولها الندم، والثاني: العزم على ترك المعاودة إلى ما نهى الله عنه، والثالث: السعي في أداء المظالم"[6].

    ويهتم الصوفية كثيرا بهذا المقام، ويعطونه أهمية كبيرة في سلوك العبد لطريق الله عز وجل، فهو عندهم "أول المقامات، وأول خطى الطريق، وبداية السلوك والعمل...، فمن لم يكن منهم منيبا إلى الله لا يصح أن يكون سالكا للطريق"[7].

    ويؤكد هذا المعنى الغزالي رحمه الله بقوله: "فإن التوبة عن الذنوب بالرجوع إلى ستار العيوب وعلام الغيوب مبدأ طريق السالكين، ورأس مال الفائزين، وأول أقدام المريدين، ومفتاح استقامة المائلين، ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقربين"[8].

    وعلى هذا كانت التوبة غاية المؤمنين الصادقين المخلصين في عبادتهم لله عز وجل، وفاتحة طريق الوصول إلى المولى جل وعلا، وهي اختبار لإيمان العبد ومحبته لربه وانكساره بين يديه، لأن "المقصود من التوبة تقوى الله، وهو خوفه وخشيته، والقيام بأمره واجتناب نهيه، فيعمل بطاعة الله على نور من الله، يرجو ثواب الله، ويترك معصية الله على نور من الله، يخاف عقاب الله، لا يريد بذلك عز الطاعة، فإن للطاعة وللتوبة عزا ظاهرا وباطنا"[9].

    وتجمع التوبة – بهذا المعنى- حقائق الإيمان، وشرائع الإسلام، من تقوى الله عز وجل وخوفه وخشيته تعالى، وطاعته في الأوامر والنواهي، وترك معصيته والخوف من عقابه، وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾[10].

    والحق تبارك وتعالى يفرح بتوبة عبده السالك لطريقه، وهذا الفرح هو "السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، بل شهدته قلوب خواص العباد. فازدادت به معرفة لربها ومحبة له، وطمأنينة به وشوقا إليه ولهجا بذكره، وشهودا لبره، ولطفه وكرمه وإحسانه، ومطالعة لسر العبودية، وإشرافا على حقيقة الإلهية. وهو مثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لله أفرح بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلة بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيِس منها، فأتى بشجرة فاضطجع في ظلها، قد أيِس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)[11]"[12].

    فإذا كانت التوبة النصوح لا تقبل من صاحبها إلا إذا توفرت فيها الشروط الخمس السالفة الذكر، فإن توبة الصوفية اختصت وتميزت بالانكسار الدائم والتام للقلب بين يديه تبارك وتعالى، والخشوع والتذلل لجنابه الكريم، والإخبات والاستسلام له، "كحال عبد جان آبق من سيده، فأُخذ فأُحضر بين يديه، ولم يجد من ينجيه من سطوته، ولم يجد منه بُداً ولا عنه غناء، ولا منه مهربا، وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه...، وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده، وذله وعز سيده"[13].

    ولن يتحقق للتائب هذا العز إلا بالجلوس على أعتاب خالقه وسيده، طالبا الرحمة والصفح والعفو، مداوما على ذكره بالقلب واللسان، لاهجا بأسمائه وصفاته، وآخذا بجميع الأسباب التي تقربه إلى حضرته العلية، فيفرح مولاه بلجوء عبده إليه، وبوقوفه على بابه يرجو رحمته التي وسعت كل شيء، وتزكى وتطهر منها كل شيء.

 

[1] سورة التحريم، الآية 8.

[2] سورة النور، الآية 31.

[3] سورة الزمر، الآية 53.

[4] النووي: شرح صحيح مسلم،  كتاب التوبة،  باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، رقم 2759.

[5] سورة النساء، الآية 18.

[6] سعاد الحكيم: تاج العارفين، ص: 96.

[7] مجدي إبراهيم: التصوف السني، حال الفناء بين الجنيد والغزالي، تصدير: عاطف العراقي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط2، 1427هـ/2006م، ص: 79.

[8] الغزالي: الإحياء، 4/3.

[9] ابن قيم الجوزية:  مدارج السالكين، 168/1.

[10] سورة البقرة، الآية 222.

[11] النووي:  شرح صحيح مسلم ، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها ، رقم  2747.

[12] ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين، 174/1.

[13] المصدر السابق، 156/1.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

قبسات من درر العارفين (7)

آثار ابــن زكــري

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

 

 

 

 









العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله وجهوده لإثراء الحركة العلمية

    إنه لمن دواعي افتخاري -بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة أحد فحول علماء سوس- أن أسهم في تسليط بعض الضوء على علَم العلماء بحاضرة سوس العالمة، والذي ستظل حياته العلمية والعملية صفحة من صفحات السجل الذهبي الذي يفتخر به المغرب على شاكلة العلماء المغاربة رحمهم الله، الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة أبواب من الثقافة المغربية، وظل وسيظل نجما ساطعا في سمائها.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

    هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان». وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش...