دراسات وأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بخزانة الزاوية الناصرية– تامكروت بزاكورة (5)

د. محمد الهاطي 

أستاذ باحث بمركز الإمام الجنيد 

     تُعد الزاوية الناصري من أهم المراكز العلمية المرموقة والينابيع الصوفية الصافية والمنارات الدينية الشامخة التي يؤمها الطلاب والمريدون من كل حدب وصوب. أسهمت منذ تأسيسها على يد حفص عمرو بن أحمد الأنصاري في تعميق ممارسة دينية مبنية على وحدة المذهب والعقيدة والسلوك، كما حرص جل شيوخها الذين تُجمع المصادر على علو همتهم في العلم والتربية على إشاعة العلم النافع الموصل إلى العمل الصالح؛ وعن أحد أعلامها (وهو الشيخ أحمد بن إبراهيم التكروتي) يقول الحضيكي في طبقاته:" العارف الأكبر، وبحر الشريعة والحقيقة، كان -رضي الله عنه- من أكابر العارفين والقائمين بالحق، والحافظين لحدود الله، والمحافظين على السنة وإخماد البدعة... وكان -رضي الله عنه- بديع زمانه وأعجوبة أوانه، لا ينظر في الإنسان النظرة الأولى إلا عرف قصده وما في ضميره"[1].

    ويُضف الحضيكي قائلا: "لقد أقام الزاوية لإقامة دين الله، وإطعام الطعام، وتزاحم عليه وفود العرب والعجم، ويأوي إليه المساكين والفقراء، وطلبة العلم والمجاورين المقيمين: من الفقهاء والمدرسيين والعباد بأهاليهم وأولادهم يأكلون ويشربون بفضل الله تعالى من لا يحصى عددا"[2]،  وعن الشيخ محمد بن ناصر يقول أبو سالم العياشي: "كان شديد الإتباع للسنة في سائر أحواله حتى في لباسه وأكله
في أنواع العبادات والعادات"[3].

   وإلى جانب نشاط الزاوية الديني والتربوي والاجتماعي، اضطلعت الزاوية الناصرية كذلك بأدوار علمية وتثقيفية وتعليمية كبيرة، تجلت في تأسيس خزانة الزاوية أيام الشيخ عبد الله بن ناصر الدرعي الذي بذل جهدا كبيرا في جمع نواتها الأولى من الكتب، إما بشرائها أو استنساخها بيده؛ ومما يدل على عناية هذا العالم الجليل بالكتب، أنه أهدي له حصير ليفرشه لنومه، فآثر وضعه تحت الكتب وقاية لها، واستمر ينام هو وأسرته على التراب[4]. وفي عهد الشيخ أحمد بن الناصر ستشهد الخزانة تحولات كبرى، بدءا بتشييد بناية جديدة للخزانة، ووصولا إلى جلب كم هائل من الكتب من بعض أنحاء المغرب وحتى من مشرق،  بل إن هذا الشيخ الناصري استلف بمصر آلافا من المثاقيل واشتراها كلها كتبا. مع توالي الأيام يزداد رصيد الخزانة من الكتب ويتكاثر إما بالشراء والاستنساخ، أو عن طريق الإهداء، أضف إلى ذلك أن كل من يموت من أعلام الزاوية ومريديها تضاف كتبه إلى المكتبة العامة، فضلا عن خزانات بعض الأعلام في جميع الآفاق يحجون إلى الزاوية فيبادروا إلى وقف خزاناتهم الخاصة على الخزانة العامة كما صنع كل من أحمد إبراهيم السباعي وأبي العباس أحوزي الهشتوكي[5] وأبي الحسن علي الدمناتي حيث لا تزال خزانة الزاوية الناصرية الأم  تحتفظ بخزاناتهم.

        هذه نبذة موجزة عن تاريخ خزانة الزاوية الناصرية التي تعد من أعرق الخزائن التراثية بالمغرب والعالم لما تحتويه من مخطوطات نفيسة ونادرة، وقد تمت فهرسة محتويات هذه الخزانة مرتين؛ المرة الأولى مع العلامة سيدي محمد المنوني رحمه الله، والثانية مع الأستاذ حميد لحمر.

   أما ما يتعلق بمحتويات الخزانة من المخطوطات والوثائق فيزيد عن 4777 ما بين مخطوطات مستقلة بعضها تعددت أجزاؤها، ومؤلفات أخرى ضمن المجاميع.

      وفيما يخص التراث الصوفي المخطوط بخزانة الزاوية الناصرية فيمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: المصادر الأصول التي قَصد بها مؤلفوها التعريف بالتصوف، أو ما يسمى بالأمهات المؤسسة للفكر الصوفي، ومنها رسالة في التصوف، لابن علون محمد بن علي الحموي (تـ951 هـ)...

- القسم الثاني: المصادر الفرعية التي قُصد بها شرح ما أشكل من كتب أعلام التصوف والتعقيب عليه، ومن هذه المصادر التي تتوفر خزانة الزاوية الناصرية على نسخ مخطوطة منها نذكر: شرح الصلاة المشيشية، لأبي الطيب الحسن بن يوسف الزياتي، وكتاب جبر جناح الصالحين، لأبي الحسن بن علي الدمناتي البوجمعاوي (تـ 1306 هـ)، وشرح حزب البحر للشيخ زروق...

- القسم الثالث: ما ألفه شيوخ الزاوية الناصرية عن طريقتهم ومنهجهم في التربية، أو ما ألفه التلاميذ والأتباع عن زاويتهم وشيوخها، ومن هذه المؤلفات نذكر كتاب: تنبيه الإخوان على ترك البدع والعصيان، لمحمد أكبيل الإندزالي الناصري السوسي (تـ 1162هـ)، وكتاب: مناقب الشيخ أحمد بن محمد بن ناصر لعلي بن أبي القاسم بن أحمد البوسعيدي...

  هذه نظرة سريعة على بعض المخطوطات الصوفية بخزانة الزاوية الناصرية– تامكروت بزاكورة، على أن نستكمل البحث ونعمقه في باقي الخزائن العلمية الأخرى بحول الله وقوته.

 ...يتبع

 


[1]"طبقات الحضيكي" لمحمد بن أحمد الحضيكي، تحقيق أحمد بومزكو، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء،  الطبعة 1، 2006 ج 1 ص 63-64 .

[2] نفسه ج 1 ص 79.

[3] دليل مخطوطات دار الكتب الناصرية ص 22.

[4] "الدرر المرصعة بأخبار أعيان درعة" لمحمد المكي بن موسى الناصري تقديم وتحقيق محمد الحبيب النوحي ، رسالة ديبلوم الدراسات العليا، كلية الرباط 1988 ص 311.

[5] ينظر كتاب: المزايا فيما أحدث من البدع في أم الزوايا - الزاوية الناصرية،  لمحمد بن عبد السلام الناصري، تحقيق عبد المجيد خيالي ، دار الكتب العلمية بيروت ، الطبعة الأولى 1424 هـ.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الإسهام المغربي في التراث الإسلامي إسهام أخلاقي عمل المغاربة الخُلُقي في مصر نموذجاً

قبسات من درر العارفين (1)

التراث الصوفي المخطوط بخزانة الزاوية الناصرية– تامكروت بزاكورة (5)

الإخلاص سرُّ بين العبد وربّه

أهل الباطن وإبطال دعوى الذاتية والغموض

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء رمضان لسيدي محمد بن عباد الرندي
التصوف عند علماء القرويين، المفهوم، التأصيل، التنزيل
السياسة الأخلاقية: مفهوم الحرية نموذجا

 

 

 

 

الإسهام المغربي في التراث الإسلامي إسهام أخلاقي عمل المغاربة الخُلُقي في مصر نموذجاً

    لقد عُرِف المغاربة في المشرق، منذ أن أخذوا يفدون عليه بعد الفتح الإسلامي، بالعكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، حتى فاقوا غيرهم عددا ومَدَدا في المجاورة بالحرمين الشريفين والحرم الأقصى، واشتهروا عند أهله بكونهم من أشد المسلمين تمسكا بالكتاب والسنة عند انتشار البدع وظهور الفساد، حتى وقر في القلوب أنهم هم المقصودون بالحديث الشريف: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة"؛ كما شَهِد رجال الأخلاق بالمشرق لنظرائهم من المغاربة برسوخ القدم في التربية الخلقية والتزكية الروحية، وقدَّموهم على أنفسهم في إرشاد من يقصدهم، طلبا للتخلق والتحقق بمكارم الأخلاق.

قبسات من درر العارفين (1)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبر كل على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.