دراسات وأبحاث

قبسات من درر العارفين (1)

دة. ربيعة سحنون      

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة. وجدة

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبر كل على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

    ولضرورة الاقتداء والاهتداء بسِيرَ الصالحين وأقوالهم، ستضم هذه السلسلة قبسات من درر العارفين، والأولياء والصالحين، حتى نقف على كلامهم، ونحصل الإفادة المرجوة من سَيْرِهم وبلوغهم أرقى المقامات وأسماها.    

1)  قطب العلم: الإمام الجنيد

    • كتب الجنيد إلى بعض إخوانه: "من أشار إلى الله وسكن إلى غيره ابتلاه الله، وحجب ذكره عن قلبه، وأجراه على لسانه، فإن انتبه وانقطع ممن سكن إليه ورجع إلى ما أشار إليه كشف الله ما به من المحن والبلوى، وإن دام على سكونه نزع الله عن قلوب الخلق الرحمة عليه، وألبسه لباس الطمع، فتزداد مطالبه منهم، مع فقدان الرحمة من قلوبهم، فتصير حياته عجزا، وموته كمدا، ومعاده أسفا، ونحن نعوذ بالله من السكون إلى غير الله.

    • يقول الجنيد رحمه الله: سألت عن المعرفة وأسبابها، فالمعرفة من الخاصة والعامة هي معرفة واحدة، لأن المعروف بها واحد، ولكن لها أول وأعلى، فالخاصة في أعلاها، وإن كان لا يبلغ منها غاية ولا نهاية، إذ لا غاية للمعروفين عند العارفين، وكيف تحيط المعرفة بمن لا تلحقه الفكرة، ولا تحيط به العقول، ولا تتوهمه الأذهان، ولا تكيفه الرؤية. وأعلم خلقه به أشدهم إقرارا بالعجز عن إدراك عظمته، أو تكشف ذاته لمعرفتهم بعجزهم عن إدراك من لا شيء مثله، إذ هو القديم وما سواه محدث، وإذ هو الأزلي وغيره المبدأ، وإذ هو الإله وما سواه مألوه، وإذ هو القوي من غير مقو، وكل قوي فبقوته قوي، وإذ هو العالم من غير معلم، ولا فائدة استفادها من غيره، وكل عالم فبعلمه علم. سبحانه الأول بغير بداية، والباقي إلى غير نهاية، ولا يستحق هذا الوصف غيره، ولا يليق بسواه، فأهل الخاصة من أوليائه في أعلى المعرفة من غير أن يبلغوا منها غاية ولا نهاية. والعامة من المؤمنين في أولها ولها شواهد ودلائل من العارفين على أعلاها، وعلى أدناها. فالشاهد على أدناها الإقرار بتوحيد الله، وخلع الأنداد من دونه، والتصديق به وبكتابه، وفرضه فيه ونهيه. والشاهد على أعلاها القيام فيه بحقه واتقاؤه في كل وقت، وإيثاره في جميع خلقه، واتباع معالي الأخلاق، واجتناب ما لا يقرب منه[1].

    • سئل الجنيد عما تنهى الحكمة، فقال: الحكمة تنهى عن كل ما يحتاج أن يعتذر منه، وعن كل ما إذا غاب علمه عن غيرك أحشمك ذكره في نفسك. فقال له السائل: فبم تأمر الحكمة؟ قال: تأمر الحكمة بكل ما يحمد في الباقي أثره، ويطيب عند جملة الناس خبره،  ويؤمن في العواقب ضرره. قال: فمن يستحق أن يوصف بالحكمة؟ قال: من إذا قال بلغ المدى والغاية فيما يتعرض لنعته بقليل القول، ويسير الإشارة، ومن لا يتعذر عليه من ذلك مما يريد، لأن ذلك عنده حاضر عتيد. قال: فبمن تأنس الحكمة وإلى من تستريح وتأوى؟ قال: إلى من انحسمت عن الكل مطامعه، وانقطعت من الفضل في الحاجات مطالبه، ومن اجتمعت همومه وحركاته في ذات ربه، ومن عادت منافعه على سائر أهل دهره[2].

    • سئل الجنيد عن قوله تعالى: ﴿لا أحب الآفلين﴾، قال: لا أحب من يغيب عن عياني وعن قلبي، وفي هذا دلالة أني إنما أحب من يدوم لي النظر إليه والعلم به، حتى يكون ذلك موجودا غير مفقود. وكذلك رأينا أن أشد الأشياء على المحبين أن يغيب عنهم من أحبوه وأن يفقدوا شاهدهم[3].

    • قال أبو جعفر الفرغاني: سمعت الجنيد يقول: أقلُّ ما في الكلام سقوط هيبة الربِّ جلّ جلاله من القلب، والقلب إذا عَرِيَ من الهيَبْة عري من الإيمان[4].

    • لما حضرت الجنيد بن محمد الوفاة أوصى بدفن جميع ما هو منسوب إليه من علمه، فقيل: ولم ذلك؟ فقال: أحببت أن لا يراني الله وقد تركت شيئا منسوبا إليّ، وعلم الرسول  صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم[5].

    • قال الجنيد رحمه الله تعالى: المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هيِّن على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الحق شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد، والصبر مع الله تعالى أشد[6].

    • وقال أيضا: أهل القلوب ابتلوا باللحظات، وأهل السر ابتلوا بالخطوات، وأهل الخفاء ابتلوا بالإشارات[7].

    • وقال رضي الله عنه: إن الله كشف لعباده معايبهم في ذكر الطين لهم، وعرفهم مقاديرهم بذكر النطفة، وأشهدهم على عجزهم في تقلبهم ليعرفوا فاقتهم إليه في كل حال[8].



[1] حلية الأولياء، 10/ 276-277.

[2] حلية الأولياء، 280/10.

[3] المصدر نفسه، 283/10.

[4] سير أعلام النبلاء، 68/14.

[5] تاريخ بغداد، 8/ 176-177.

[6] طبقات الشافعية الكبرى، 264/2.

[7] الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، 442/1.

[8] المصدر السابق، 457/1.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الإسهام المغربي في التراث الإسلامي إسهام أخلاقي عمل المغاربة الخُلُقي في مصر نموذجاً

قبسات من درر العارفين (1)

التراث الصوفي المخطوط بخزانة الزاوية الناصرية– تامكروت بزاكورة (5)

الإخلاص سرُّ بين العبد وربّه

أهل الباطن وإبطال دعوى الذاتية والغموض

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء رمضان لسيدي محمد بن عباد الرندي
التصوف عند علماء القرويين، المفهوم، التأصيل، التنزيل
السياسة الأخلاقية: مفهوم الحرية نموذجا

 

 

 

 

الإسهام المغربي في التراث الإسلامي إسهام أخلاقي عمل المغاربة الخُلُقي في مصر نموذجاً

    لقد عُرِف المغاربة في المشرق، منذ أن أخذوا يفدون عليه بعد الفتح الإسلامي، بالعكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، حتى فاقوا غيرهم عددا ومَدَدا في المجاورة بالحرمين الشريفين والحرم الأقصى، واشتهروا عند أهله بكونهم من أشد المسلمين تمسكا بالكتاب والسنة عند انتشار البدع وظهور الفساد، حتى وقر في القلوب أنهم هم المقصودون بالحديث الشريف: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة"؛ كما شَهِد رجال الأخلاق بالمشرق لنظرائهم من المغاربة برسوخ القدم في التربية الخلقية والتزكية الروحية، وقدَّموهم على أنفسهم في إرشاد من يقصدهم، طلبا للتخلق والتحقق بمكارم الأخلاق.

التراث الصوفي المخطوط بخزانة الزاوية الناصرية– تامكروت بزاكورة (5)

     تُعد الزاوية الناصري من أهم المراكز العلمية المرموقة والينابيع الصوفية الصافية والمنارات الدينية الشامخة التي يؤمها الطلاب والمريدون من كل حدب وصوب. أسهمت منذ تأسيسها على يد حفص عمرو بن أحمد الأنصاري في تعميق ممارسة دينية مبنية على وحدة المذهب والعقيدة والسلوك، كما حرص جل شيوخها الذين تُجمع المصادر على علو همتهم في العلم والتربية على إشاعة العلم النافع الموصل إلى العمل الصالح؛ وعن أحد أعلامها (وهو الشيخ أحمد بن إبراهيم التكروتي) يقول الحضيكي في طبقاته:" العارف الأكبر، وبحر الشريعة والحقيقة، كان -رضي الله عنه- من أكابر العارفين والقائمين بالحق، والحافظين لحدود الله، والمحافظين على السنة وإخماد البدعة... وكان -رضي الله عنه- بديع زمانه وأعجوبة أوانه، لا ينظر في الإنسان النظرة الأولى إلا عرف قصده وما في ضميره"