دراسات وأبحاث

محق التقوّل في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري

د.  طارق العلمي  

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه أجمعين. أما بعد:

     فإنا نرى طائفة من الحشوية يحاولون إكفار الأمة جمعاء بين حين وآخر بسبب أنهم يزورون القبور ويتوسلون الله تعالى بالأخيار . فكأنهم بذلك أصبحوا عباد الأوثان فحاشاهم من ذلك، فأحببت ذكر آراء أئمة أصول الدين في مسألة التوسل لأنهم أصحاب الشأن في تبيين وجود الفرق بين التوحيد والإشراك وعبادة الأوثان ، مع سرد مافي الكتاب والسنة من وجوه الدلالة على ذلك عند اهل العلم ردا للحق إلى نصابه، وردعاً للجهل واصحابه ، والله سبحانه ولي التسديد والتوفيق.  

الفصل الأول

     فأقول مستعيناً بالله جل جلاله : إني أرى أن أتحدث هنا عن مسألة التوسل التي هي وسيلة دعاتهم إلى رميهم الأمة المحمدية بالإشراك وكنت لا أحب طرق هذا البحث لكثرة ما أثاروا حوله من جدل عقيم مع ظهور الحجة واستبانة المحجة، وليس قصد أول من أثار هذه الفتنة سوى استباحة أموال المسلمين ليؤسس حكمه بأموالهم على دمائهم باسم أنهم مشركون وأنّى يكون للحشوية صدق الدعوة إلى التوحيد !. وهم في إنكارهم التوسل محجوجون بالكتاب ، والسنة والعمل المتوارث والمعقول .أما الكتاب فمنه قوله تعالى ( وابتغوا إليه الوسيلة ) بعمومها تشمل التوسل بالأشخاص ، والتوسل بالأعمال بل المتبادر من التوسل في الشرع هو هذا وذاك ، رغم تقول كل مفتر أفاك، والفرق بين الحي والميت في ذلك لا يصدر إلا عمن ينطوي على اعتقاد فناء الأرواح ، المؤدي إلى إنكار البعث وعلى ادعاء انتفاء الإدراكات الجزئية من النفس بعد مفارقتها البدن ، المستلزم لإنكار الأدلة الشرعية في ذلك.

     أما شمول الوسيلة في الآية المذكورة للتوسل بالأشخاص فليس برأي مجرد ، ولا هو بمأخوذ من العموم اللغوي فحسب، بل هو المأثور عن عمر الفاروق رضي الله عنه حيث قال بعد أن توسل بالعباس رضي الله عنه في الاستسقاء (هذا ولله الوسيلة إلى الله عز جل ) كما في الاستيعاب لابن عبد البر. وأما السنة فمنها حديث عثمان بن حنيف – بالتصغير – رضي الله عنه وفيه: "يا محمد إني توجهت بك إلى ربي "وهكذا علّم الرسول صلى الله عليه و سلم الضرير الدعاء، وفيه التوسل بالشخص وصرفه عن ظاهره تحريف للكلم عن مواضعه بهوى. وأما كون استجابة دعاء الضرير بدعاء الرسول صلوات الله عليه – وهو غير مذكور في الرواية – أو بدعاء الضرير ، فلا شأن لنا بذلك ، بل الحجة هي نص الدعاء المأثور عن الرسول عليه الصلاة والسلام .

     وقد نص على صحة هذا الحديث جماعة من الحفاظ كما سيأتي وقد ورد أيضاً في حديث فاطمة بنت أسد رضي الله عنها " بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي". ورجال هذا الحديث ثقات سوى روح بن صلاح . وعنه يقول الحاكم : ثقة مأمون وذكره ابن حبان في الثقات. وهو نص على أنه لا فرق بين الأحياء والأموات في باب التوسل، وهذا توسل بجاه الأنبياء صريح . وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ". وهذا توسل بالمسلمين عامة أحياء وأمواتا . وابن الموفق في سنده لم ينفرد عن مرزوق وابن مرزوق من رجال مسلم وعطية حسّن له الترمذي عدة أحاديث ، كما سيأتي . وعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا جرت الأمة طبقة فطبقة. وقول عمر رضي الله عنه في الاستسقاء : " إنا نتوسل إليك بعم نبينا " نص في توسل الصحابة بالصحابة ، وفيه إنشاء التوسل بشخص العباس رضي الله عنه، وليس في هذه الجملة فائدة الخبر،  لأن الله تعالى يعلم أيضاً علم المتوسلين بتوسلهم ، فتمحضت الجملة لإنشاء التوسل بالشخص، وقوله ( كنا نتوسل ) فيه أيضاً ما في الجملة الأولى ، وعلى أن قول الصحابي : كنا نفعل كذا ينصب على ما قبل القول فيكون المعنى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتوسلون به صلى الله عليه و سلم في حياته ، وبعد لحوقه بالرفيق الأعلى إلى عام الرمادة، وقصر ذلك على ما قبل وفاته عليه السلام تقصير عن هوى وتحريف لنص الحديث ، وتأويل بدون دليل.

     ومن حاول إنكار جواز التوسل بالأنبياء بعد موتهم بعدول عمر إلى العباس في الإستسقاء قد حاول المحال ، ونسب إلى عمر ما لم يخطر له على بال ، فضلاً عن أن ينطق به ، فلا يكون هذا إلا محاولة إبطال السنة الصريحة بالرأي، وفعل عمر إنما يدل على أن التوسل بقرابة الرسولﷺ الأحياء جائز كجوازه بالنبي عليه الصلاة والسلام ليس غير ، بل في استيعاب ابن عبد البر بيان سبب استسقاء عمر بالعباس حيث يقول فيه ( إن الأرض أجدبت إجداباً شديداً على عهد عمر زمن الرمادة وذلك سنة سبع عشرة فقال كعب يا أمير المؤمنين : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استقوا بعصبة الأنبياء ، فقال عمر : هذا عم رسول الله صلى الله عليه و سلم وصنو أبيه وسيد بني هاشم فمشي إليه عمر , وشكا إليه). فهل استبان أن استسقاء عمر بالعباس لم يكن من جهة أن الرسول ميت لا يسمع نداء ، ولا جاه له عند الله تعالى : حاش لله، ما هذا إلا إفك مفترى.

     وحديث مالك الدار في مجيء بلال بن الحارث الصحابي إلى قبر النبي صلى الله عليه و سلم أيام القحط في عهد عمر ، وقوله: ( يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام فقال : " ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون) نص في توسل الصحابة به عليه السلام بعد وفاته من غير نكير. والحديث مما أخرج ابن أبي شيبه بسند صحيح، كما في "فتح الباري"، وهذا قامع لمن لا يجيز التوسل به صلوات الله عليه بعد لحوقه بالرفيق الأعلى وكذلك حديث عثمان بن حنيف في تعليمه دعاء الحاجة السابق ذكره لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان رضي الله عنه وفيه التوسل بالنبيﷺ بعد وفاته، من غير أن ينكر عليه أحد. والحديث صححه الطبراني ، وأقره أبو الحسن الهيثمي في "مجمع الزوائد" كما سيأتي . وقد جمع المحدث الكبير محمد عابد السندي ، في جزء خاص الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب فشفى وكفى .

     وعمل الأمة المتوارث طبقة فطبقة في ذلك مما يصعب استقصاؤه وفي ذلك كتب خاصة.

     وفي مناسك الإمام أحمد رواية أبي بكر المروزي التوسل إلى الله تعالى بالنبي rوالصيغة التي ذكرها أبو الوفاء بن عقيل كبير الحنابلة في " تذكرته " في التوسل به عليه السلام ، على مذهب الحنابلة فيها طول ، ذكرنا نصها في تكملتنا " للسيف الصقيل " وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل " تاريخ الخطيب " بسند صحيح، وتمسح الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي بقبر أحمد للاستشفاء لدمامل أعيا الأطباءً مذكور في " الحكايات المنثورة " للحافظ الضياء المقدسي سماعاً من شيخه المذكور، والكتاب محفوظ بظاهرية دمشق ، وهو بخط المؤلف،  فهل هؤلاء عباد القبور؟!. وأما من جهة المعقول فإن أمثال الإمام فخر الدين الرازي والعلامة سعد الدين التفتا زاني والعلامة السيد الشريف الجرجاني وغيرهم من كبار أئمة أصول الدين الذين يفزع إليهم في حل المشكلات في أصول الديانة : قد صرحوا بجواز التوسل بالأنبياء والصالحين أحياءا وأمواتاً ، وأي ضعيف يستطيع أن يرميهم بعبادة القبور ، والدعوة إلى الإشراك بالله ، وإليهم تفزع الأمة في معرفة الإيمان والكفر، والتوحيد والإشراك، والدين الخالص.والمدد كله عند الجميع من مسبب الأسباب جل جلاله، فدونك نصوصاً من كلام هؤلاء الأئمة في هذه المسألة. قال الرازي في تفسيره : " إن الأرواح البشرية الخالية من العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال بالعالم العلوي بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ومنازل القدس, ويظهر منها آثار في أحوال هذا العالم ، فهي المدبرات أمرا أليس الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مسألة فيرشده إليها .

     وقال الرازي في " المطالب العالية " وهو من أمتع كتبه في أصول الدين : في الفصل العاشر من المقالة الثالثة من الكتاب السابع منه : إن الإنسان قد يرى أباه وأمه في المنام ويسألهما عن أشياء وهما يذكران أجوبة صحيحة ، وربما أرشداه إلى دفين في موضع لا يعلمه أحد ، ثم قال أنا كنت صبياً في أول التعلم ، وكنت أقرأ " حوادث لا أول لها "فرأيت في المنام أبي فقال لي : أجود الدلائل أن يقال الحركة انتقال من حالة إلى حالة فهي تقتضي بحسب ماهيتها مسبوقيتها بالغير ، والأزل ينافي مسبوقاً بالغير ، فوجب أن يكون الجمع بينهما محالاً ثم قال المنصف والظاهر أن هذا الوجه أحسن من كل ما قيل في هذه المسألة.

     وأيضاً سمعت أن الفردوسي الشاعر لمّا صنف كتابة المسمى " بشاهنامه " على اسم السلطان محمود بن سبكتكين ولم يقض حقه كما يجب ، وما راعاه كما يليق بذلك الكتاب ، ضاق قلب الفردوسي ، فرأي في المنام "رستم" فقال له : قد مدحتني في هذا الكتاب ، كثيراً وأنا في زمرة الأموات فلا أقدر على قضاء حقك ، ولكن إذهب إلى الموضع الفلاني واحفره فإنك تجد فيه دفيناً فخذه. فكان الفردوسي يقول : أن رستم بعد موته أكثر كرماً من محمود حال حياته . وقال أيضاً في الفصل الثامن عشر من تلك المقالة – والفصل الثامن عشر في بيان كيفية الانتفاع بزيارة الموتى والقبور - : " ثم قال سألني بعض أكابر الملوك عن المسألة ، وهو الملك محمد بن سالم بن الحسين الغوري – وكان رجلاً حسن السيرة مرضي الطريقة ، شديد الميل إلى العلماء ، قوي الرغبة في مجالسة أهل الدين والعقل – فكتبت فيها رسالة وأنا أذكر هنا ملخص ذلك فأقول للكلام فيه مقدمات . المقدمة الأولى : أنّا قد دللنا على أن النفوس البشرية باقية بعد موت الأبدان ، وتلك النفوس التي فارقت أبدانها أقوى من هذه النفوس المتعلقة بالأبدان من بعض الوجوه . أما أن النفوس المفارقة أقوى من هذه النفوس من بعض الوجوه ، فهو أن تلك النفوس لما فارقت أبدانها فقد زال الغطاء ، وانكشف لها عالم الغيب ، وأسرار منازل الآخرة ، وصارت العلوم التي كانت برهانية عند التعلق بالأبدان ضرورية بعد مفارقة الأبدان ، لأن النفوس في الأبدان كانت في عناء وغطاء ، ولمّا زال البدن أشرفت تلك النفوس وتجلت وتلألأت ، فحصل للنفوس المفارقة عن الأبدان بهذا الطريق نوع من الكمال . وأما أن النفوس المتعلقة بالأبدان أقوى من تلك النفوس المفارقة من وجه أخر فلأن آلات الكسب والطلب باقية لهذه النفوس بواسطة الأفكار المتلاحقة ، والأنظار المتتالية تستفيد كل يوم علماً جديداً، وهذه الحالة غير حاصلة للنفوس المفارقة. 

     والمقدمة الثانية أن تعلق النفوس بأبدانها تعلق يشبه العشق الشديد ، والحب التام ، ولهذا السبب كان كل شيء تطلب تحصيله في الدنيا فإنما تطلبه لتتوصل به إلى إيصال الخير والراحة إلى هذا البدن . فإذا مات الإنسان وفارقت النفس هذا البدن ، فذلك الميل يبقى ، وذلك العشق لا يزول وتبقى تلك النفوس عظيمة الميل إلى ذلك البدن,عظيمة الانجذاب ، على هذا المذهب الذي نصرناه من أن النفوس الناطقة مدركة للجزئيات ، وأنها تبقى موصوفة بهذا الإدراك بعد موتها ، إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس ، كامل الجوهر شديد التأثير ، ووقف هناك ساعة ، وتأثرت نفسه من تلك التربة – وقد عرفت أن لنفس ذلك الميت تعلقاً بتلك التربة أيضاً- فحينئذ يحصل لهذا الزائر الحي ، ولنفس ذلك الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة ، فصارت هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى أخرى .

     فكل ما حصل في نفس هذا الزائر الحي من المعارف البرهانية ، والعلوم الكسبية ، والأخلاق الفاضلة من الخضوع له ، والرضا بقضاء الله ينعكس منه نور إلى روح ذلك الميت ، وكل ما حصل ذلك الإنسان الميت من العلوم المشرقة الكاملة فإنه ينعكس منه نور إلى روح هذا الزائر الحي. وبهذا الطريق تكون تلك الزيارة سبباً لحصول المنفعة الكبرى ، والبهجة العظمى لروح الزائر ، ولروح المزور ، وهذا هو السبب الأصلي في شرع الزيارة ، ولا يبعد أن تحصل فيها أسرار أخرى أدق وأغمض مما ذكرنا . وتمام العلم بحقائق الأشياء ليس إلا عند الله اهـ . وها أنت رأيت ما يراه الإمام فخر الدين الرازي في الزيارة من الأخذ والعطاء ، والاستفاضة والإفاضة على نسبة منزلتي المزور والزائر. وقال العلامة المحقق السعد التفتازاني في " شرح المقاصد " وهو من أمهات كتب أصول الدين – في الصفحة 32 من الجزء الثاني منه في الردة على الفلاسفة، لما كان إدراك الجزئيات مشروطاً عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات ، فعند مفارقة النفس وبطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات ضرورة انتفاء الشروط بانتفاء الشرط . وعندنا لما لم تكن الآلات شرطاً في إدراك الجزئيات ، إما أنه ليس بحصول الصورة لا في النفس ولا في الحس, وإما لأنه لا يتمنع ارتسام صورة الجزئي في النفس بل الظاهر من قواعد الإسلام أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات جزئية ، وإطلاع على بعض جزئيات أحوال الأحياء ، سيما الذين بينهم وبين الميت تعارف في الدنيا ، ولذا ينتفع بزيارة القبور أوالإستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات واستدفاع الملمات ، فإن للنفس بعد المفارقة تعلقاً ما بالبدن وبالتربة التي دفن فيها . فإذا زار الحي تلك التربة ، توجهت نفسه تلقاء نفس الميت حصل بين النفسين ملاقاة وإفاضات . ا هـ .هذا هو تحقيق هذا الإمام الجليل في المسألة ، فهذا أيضاً ممن لا يميز بين التوحيد والإشراك ؟ قف لرأس يتخيل ذلك ! . وقال التفتازاني أيضاًَ في الصفحة ( 150 ) من الجزء المذكور : وبالجملة ظهور كرامات الأولياء يكاد يلحق بظهور معجزات الأنبياء ، وإنكارها ليس بعجب من أهل البدع والأهواء إذ لم يشاهدوا ذلك من أنفسهم قط ولم يسمعوا به من رؤسائهم الذين يزعمون انهم على شئ مع اجتهادهم في أمور العبادات واجتناب السيئات فوقعوا في أولياء الله تعالى أصحاب الكرامات ، يمزقون أديمهم ويمضغون لحومهم ، لا يسمّونهم إلا باسم الجهلة المتصوفة, ولا يعدونهم إلا عداد آحاد المبتدعة قاعدين تحت المثل السائر ( أو سعتهم سبا وأودوا بالإبل ) ولم يعرفوا أن مبنى هذا الأمر على صفاء القصيدة ونقاء السريرة ، واقتفاء الطريقة واصطفاء الحقيقة . اهـ وهذا هو قول هذا الإمام الجليل في أولياء الله أصحاب الكرامات مع انه لا صلة له بالتصوف ، وفي تلك عبرة لمن تعود أن يلغ في دماء أصفياء الأمة . وقال العلامة السيد الشريف الجرجاني في أوائل حاشية على (المطالع ) عند بيان الشارح وجه الصلاة على النبي وآله عليه وعليهم الصلاة والسلام في أوائل الكتب ، ووجه الحاجة إلى التوسل بهم في الاستفاضة : " فإن قيل هذا التوسل إنما يتصور إذا كانوا متعلقين بالأبدان ، وأما إذا تجردوا عنها فلا ، إذ لا وجهة مقتضية للمناسبة . قلنا يكفيه أنهم كانوا متعلقين بها متوجهين إلى تكميل النفوس الناقصة بهمة عالية ، فإن أثر ذلك باق فيهم، وكذلك كانت زيارة مراقدهم معدة لفيضان أنوار كثيرة منهم على الزائرين كما يشاهده ، أصحاب البصائر " ا هـ .فتطابق الكتاب والسنة ، وعمل الأمة المتوارثة ، وكلام أئمة أصول الدين في المسألة كما رأيت ومن عاند بعد ذلك فهو زائغ عن السبيل .

الفصــل الثـاني

     وأتحدث الآن بإذن الله تعالى عن الأحاديث ، والآثار المروية في هذا الباب تفصيلاً لما أجملناه، هناك بعد الإشارة إلى الآيات في ذلك . فأقول سبق أن تلونا قوله تعالى : ( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) احتجاجاً به على أن التوسل بالذوات والأعمال مطلوب شرعاً ، لشمول إبتغاء الوسيلة لهذا وذاك ، لا بمجرد الرأي فقط ، ولا بالعموم اللغوي فحسب ، بل بما رواه ابن عبد البر في( الاستيعاب ) عن عمر رضى الله عنه أنه قال بعد أن استسقى بالعباس رضي الله عنه وسقوا " هذا – والله – الوسيلة إلى الله عز وجل والمكان منه " وزد على ذلك قول عمر أيضاً في ( أنساب الزبير بن بكار ) على ما في فتح الباري : " واتخذوه – يعني العباس – وسيلة إلى الله " ولا يتصور أن يكون هذا بمعنى : اطلبوا الدعاء منه لأن عمر طلب منه الدعاء ، وتقدم هو للدعاء ، وبعد طلب أمير المؤمنين منه وتقدمه للدعاء إجابة لطلب عمر لا يكون قول عمر هذا إلا بمعنى : " توسلوا به إلى الله " كما فعل عمر نفسه ، لكن الهوى يعمي ويعم . وفي فتح الباري ( 2- 337) وليس في قول عمر أنهم كانوا يتوسلون به دلالة على أنهم سألوه أن يستسقي لهم إذ يحتمل أن يكونوا في الحالتين طلبوا السقيا من الله مستشفعين به صلى الله عليه و سلم. وقال ابن رشد أراد بالترجمة ( باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء ) الاستدلال بالطريق الأولى لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال اهـ . وكلام الحافظين يقضي على وهم من يهم قائلاً أن التوسل به r هو طلب الدعاء منه ، وأين التوسل من الدعاء ؟ نعم قد يدعوا المتوسل به للمتوسل ، ولكن ليس هذا مدلولاً لغوياً ولا شرعياً للتوسل ، ويستأنس في التوسل به r بما ذكره البغوي وغيره من أهل التفسير بالرواية في قوله تعالى : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به ) من أن اليهود كانوا إذا حزبهم أمر وداهمهم عدو يقولون : " اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في أخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون " واستقصاء الروايات في ذلك في " الدر المنثور " . وتخصيص قوله تعالى : (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ) . بما قبل الموت تخصيص بدون حجة عن هوى وترك المطلق على إطلاقة مما اتفق عليه أهل الحق ، والتقييد لا يكون إلا بحجة,ولا حجة هنا تقيد الآية ، بل فقهاء المذاهب حتى الحنابلة على شمول الآية لما بعد الموت والأنبياء أحياء في قبورهم ".

     وقد ذكرنا صيغة التوسل به صلى الله عليه و سلم عند الحنابلة وقت زيارة قبره نقلاً عن كتاب  (التذكرة) لأبي الوفاء بن عقيل من قدماء الحنابلة في أواخر تكملتنا للرد على نونية ابن القيم ، وفيها التوسل، وتلاوة تلك الآية وليس خبر العتبي مما يرد بجرة قلم . ولنعد إلى الكلام في بعض الأحاديث والآثار الواردة في التوسل تفصيلاً لما أجملناه فيما سبق. أولا: فمنها ما أخرجه البخاري في (الاستسقاء) حيث قال في صحيحه ، حدثني الحسن بن محمد ، قال : حدثنا محمد الأنصاري قال : حدثني أبي عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس, عن انس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقوا بالعباس بن عبد المطلب فقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون) وفيه التوسل بالذات وادعاء أن هناك مضافاً محذوف، أي بدعاء عم نبينا تقوّل محض بدون أي حجة ، كما أن فرض العدول – لوفاة النبي صلى الله عليه و سلم- إلى العباس تقويل لعمر ما لم يخطر له على بال,بل فيه جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ، بل التوسل بلفظ " عم نبينا " توسل بقرابة العباس منه عليه الصلاة والسلام وبمنزلته لديه ، فيكون هذا التوسل توسلاً به صلى الله عليه و سلم وأيضاً ولفظ "كنا " غير خاص بعهد النبي صلى الله عليه و سلم بل يشمله وما بعده إلى عام الرمادة ، والتقييد تقييد بدون مقيّد . وكان ابن عمر رضي الله عنهما يتمثل بشعر أبي طالب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه . كما في البخاري بل وروى استنشاد الرسول rذلك الشعر كما في فتح الباري . وفي شعر حسان رضي الله عنه : فسقى الغمام بغرة العباس . كما في الاستيعاب وفي كل ذلك طلب السقيا من الله بذات العباس وجاهه عند الله تعالى.

     ثانيا: ومنها ما أخرجه البيهقي ، وبطريقه أخرجه التقي السبكي في " شفاء السقام " وغيره ، من حديث مالك الدار في استسقاء بلال بن الحارث المزني رضى الله عنه في عهد عمر بالنبي صلى الله عليه و سلم ومالك الدار بالإضافة هو مالك بن عياض مولى عمر ، وكان خازنه ، وقد ولاه وكلة عيال عمر ثم ولاه عثمان رضى الله عنه القسم فسمي مالك الدار كما في طبقات ابن سعد والإصابة . وفي " معارف " ابن قتيبة : ومن موالي عمر بن الخطاب مالك الدار ، وكان عمر ولاه داراً وكان يقسم بين الناس فيها شيئاً اهـ . ونص الحديث "أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب رضى عنه ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام فقال : " ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون " الحديث . ومحل الاستشهاد وطلب الاستسقاء منه صلى الله عليه و سلم في البرزخ ، ودعاؤه لربه ، وعلمه بسؤال من يسأل لمن ينكر صنيعه هذا أحد من الصحابة .وقد أخرج هذا الحديث البخاري في تاريخه بطريق ابي صالح ذكوان مختصراً . وأخرجه ابن أبي خيثمة من هذا الوجه مطولاً ، كما في الإصابة وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ، كما نص عليه ابن حجر ، في الفتح / 2 – 338 / من رواية أبي صالح السمان ، عن مالك الدار – والداري باليا سهو من الطابع – ابن حجر : أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة ، كما روى سيف في الفتوح . ا هـ .

     وهذا نص على عمل الصحابة في الاستسقاء به صلى الله عليه و سلم بعد وفاته حيث لم ينكر عليه أحد منهم مع بلوغ الخبر إليهم ، وما يرفع إلى أمير المؤمنين يذيع ويشيع . فهذا يقطع ألسنة المتقولين.

     ثالثا: ومنها حديث عثمان بن حنيف رضى الله عنه في دعاء عن النبي صلى الله عليه و سلم وفيه " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي " الحديث . وفيه التوسل بذات النبي صلى الله عليه و سلم وبجاهه ، ونداء له في غيبته.

     وهذا أيضاً مما يقطع ألسنة المتقولين . وهذا الحديث أخرجه البخاري في تاريخه الكبير والترمذي في أواخر الدعوات من " جامعه " وابن ماجه في " صلاة الحاجة من سننه " وفيه نص على صحته . والنسائي في " عمل اليوم والليلة " وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " والبيهقي في " دلائل النبوة " وغيرهم على اختلاف يسير في غير موضع الاستشهاد ، وصححه جماعة من الحفاظ يقارب عددهم خمسة عشر حافظاً .فمنهم سوى المتأخرين : الترمذي وابن حبان ، والحاكم والطبراني ، وأبو نعيم ، والبيهقي والمنذري أ وسند الترمذي :حدثنا محمود بن غيلان نا عثمان بن عمر ، نا شعبة ، عن أبي جعفر عن عمارة – بالضم – ابن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف ، ثم ساق الحديث ، وقال هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر – وهو الخطمي " . وفي بعض النسخ المطبوعة " وهو غير الخطمي " وفي بعضها " وليس هو الخطمي " .وهذا وذاك من تصرفات الناسخين ، وليس من عادة الترمذي أن يقول هو غير فلان ، ويتركه من غير بيان .

     على أن ابا جعفر الراوي عن عمارة بين شيوخ شعبه إنما هو عمير بن يزيد الخطمي المدني الأصل ثم البصري ، كما يظهر من كتاب الرجال المعروفة من مطبوع ومخطوط . وأبو جعفر الرازي المتوفي 160 من شيوخ شعبه لم يدرك عمارة المتوفى 105 أصلا ، لأن رحلته إلى الحجاز بعد وفاة عمارة بنحو تسع سنين ، وشعبة شعبة في التثبيت فيما يروي . على أن طرقاً أخرى للحديث عند الطبراني وغيره تنص في صلب السند على أنه الخطمي الثقة باتفاق ، وسند الطبراني في الحديث مسوق في " شفاء السقام " للتقي السبكي . ورجال سند الترمذي كلهم ثقات ، وإنما سماه غريباً لانفراد عثمان بن عمر ، عن شعبة ، وانفراد أبي جعفر عن عمارة ، وهما ثقتان باتفاق ، وكم من حديث صحيح ينفرد به أحد الرواة كحديث " إنما الأعمال بالنيات " وسماه حسناًَ لتعدد طرقه بعد أبي جعفر ، وعثمان بن عمر . وتسميته صحيحاً باعتبار تكامل أوصاف الصحة في رواته .

     رابعا:  ومنها حديث عثمان بن حنيف أيضا في تعليم دعاء صلاة الحاجة المذكور لرجل كانت له حاجة عند عثمان بن عفان رضى الله عنه فدعا به فقضيت حاجته . وموضع الاستشهاد أن الصحابي المذكور فهم من حديث دعاء الحاجة أنه لا يختص بزمنه صلى الله عليه و سلم وهذا توسل به ، ونداء بعد وفاته صلى الله عليه و سلم وعمل متوارث بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وقد أخرج هذا الحديث الطبراني في الكبير وصححه بعد سوقه من طرق ، كما ذكره أبو الحسن الهيثمي في " مجمع الزوائد " وأقره عليه ، كما أقر المنذري قبله في " الترغيب والترهيب " وقبله أبو الحسن المقدسي ، وأخرجه أيضاً ابو نعيم في " المعرفة " والبيهقي من طريقين ، وإسنادهما صحيح أيضاً .

     خامسا: ومنها حديث فاطمة بنت أسد رضي الله عنها ، وفيه من لفظ رسول الله صلى الله عليه و سلم" بحق نبيك والأنبياء من قبلي " وصححه ابن حبان والحاكم ، وأخرجه الطبراني في الكبير ، والأوسط بسند فيه روح بن صلاح وثقه ابن حبا ن ، والحاكم ، وبقية رجاله رجال الصحيح ، كما قال الهيثمي في " المجمع " . وفيه توسل بذوات الأنبياء الذين انتقلوا إلى دار الآخرة .

     سادسا: ومنها حديث عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم " لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد ألا غفرت لي " أخرجه الحاكم في المستدرك ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ، وهو أول حديث ذكرته . لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . اهـ وساق سنده التقى السبكي في ( شفاء السقام ) وأخرجه الطبراني في الأوسط والصغير ، وفي سندهما بعض من لا يعرفه الهيثمي . وأما عبد الرحمن بن زيد فقد ضعفه مالك ، وتبعه آخرون ، إلا أنه لم يتهم بالكذب بل بالوهم . ومثله ينتقى بعض أحاديثه . وهذا هو الذي فعله الحاكم حيث رأى ان الخبر مما قبله مالك فيما روى ابن حميد عنه حيث قال لأبي جعفر المنصور : "..... وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام " . وبعد أن أقر الإمام مالك رضي الله عنه بصحة الخبر واحتج به زالت تهمة الوهم وقلة الضبط عن عبد الرحمن الذي إنما يقتدي من رماه بذلك بمالك ، وعبد الرحمن بن زيد ليس ممن يرد خبره مطلقاً . وهذا هو الإمام الشافعي يستدل في دين الله ببعض أحاديثه في " الأم " وفي " مسنده " فلا لوم على الحاكم في عده هذا الحديث صحيحاً ، بل هو الصحيح ، إلا عند من يضيق صدره عند سماع فضائل المصطفىﷺ وأما قول مالك لأبي جعفر المذكور فهو ما أخرجه القاضي عياض في " الشفاء بتعريف حقوق المصطفى " بسند جيد وابن حميد في السند هو محمد بن حميد الرازي في الراجح، على خلاف ما ظنه التقي السبكي لكن الرازي هذا ليس حاله كما يريد ان يصوره الشمس بن عبد الهادي حيث حشر قول جميع من تكلم فيه وأهمل كلام من أثنى عليه ، وهو أحد الثلاثة الذين اتصلوا بابن تيمية ، وهم شباب ، فانخدعوا به ، وزاغوا يذكر الجرح ويغفل عن التعديل في الأدلة التي تساق ضد شذوذ شيخه . ومحمد بن حميد هذا روى عن أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين . قال ابن ابي خيثمة : سئل عن أبي معين فقال : ثقة لا بأس به رازي كيّس ، وقال أحمد : لا يزال بالرد علم مادام محمد بن حميد ، وممن أثنى عليه الصاغاني والذهلي . وقال الخليلي في " الإرشاد " كان حافظاً عالماً بهذا الشأن رضيه أحمد ويحي وقال البخاري : فيه نظر ، وليس مثله يتهم في هذا الخبر ، وقد مات سنة 248 عن سن عالية وكان عمره عند وفاة مالك لا يقل عن نحو خمس عشر سنة ، وهم يقبلون رواية ابن خمس في مسند إمامهم ويعقوب بن إسحاق ، لا بأس به كما ذكره الخطيب في تاريخه . وأبو الحسن عبد الله بن محمد بن المنتاب، من أجلّ أصحاب إسماعيل القاضي ، ولاه المقتدر قضاء المدينة المنورة حوالي سنة ثلاثمائة ولم يكن غير الثقات الأفذاذ من أهل العلم ليولّى قضاء المدينة المنورة في ذلك العهد . واسم المنتاب يهم فيه كثير ، وصاحبه محمد بن احمد بن الفرج وثقه السمعاني في " الأنساب " عند ذكر الجزائري ، وأقره ابن الأثير في " اللباب " وأبو الحسن الفهري من الثقات الأثبات مترجم في " العبر " للذهبي .  وابن دلهات من ثقاة شيوخ ابن عبد البر مترجم في " صلة " ابن بشكوال ، وهي مطبوعة بمدريد . وابن عبد الهادي يابى قبول هذا الخبر ، لأنه يمس شذوذ شيخه ليس إلا ، أراد ابن المنتاب بسوق هذا الخبر الرد على ما في " مبسوط " شيخه إسماعيل القاضي المالكي المخالف لما رواه ابن وهب ، عن مالك ، وإسماعيل من أهل العراق ، وأهل مصر والمدينة المنورة أعلم بمسائل مالك منهم . على أن إسماعيل لم يسند ما ذكره إلى مالك بل ارسله إرسالاً ، لكنه حيث يوافق هوى إبن عبد الهادي يقبله بدون سؤال عن سنده بخلاف ما هنا ويطريه إطراء يغنيه عن ذكر السند في نظره ، فكأنه لم ير قول داود الأصفهاني فيه ، ولله في خلقه شؤون ، على أنه قد وردت أخبار أخرى في توسل ادم يعضد بعضها بعضاً ، استغنينا عن ذكرها ، اكتفاء بما سطرناه ، لأن الأحاديث السابقة فيها كفاية لغير المتعنت .
     سابعا- ومنها حديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنه في سنن ابن ماجه في " باب المشي إلى الصلاة ": " من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك " الحديث .قال الشهاب البوصيري في " مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه " هذا إسناد مسلسل بالضعفاء. عطيه هو العوفي ، وفضيل بن مرزوق ، والفضل بن الموفق ،( هو ابن خال ابن عيينة ، قال أبو حاتم صالح ضعيف الحديث ولم يضعفه سواه وجرحه غير مفسر بل وثقه اليسني ) كلهم ضعفاء ,لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق فضيل بن مرزوق ، فهو صحيح عنده. وذكر رزين، ورواه أحمد بن منيع في  مسنده ثنا يزيد ، ثنا فضيل بن مرزوق ، فذكره بإسناده ومتنه وقال علاء الدين مفلطاي في (الأعلام شرح سنن ابن ماجه) ذكر أبو نعيم الفضل "وهو ابن دكين" في كتاب "الصلاة " عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري موقوفاً اهـ.

     ولم ينفرد عطية عن الخدري ، بل تابعه أبو الصديق عنه في رواية عبد الحكم بن ذكوان . وهو ثقة عند ابن حبان، وإن أعله أبو الفرج في ( علله ) . وأخرج ابن اليسني في ( علم اليوم والليلة ) بسند فيه الوازع، عن بلال، وليس فيه عطيه ولا مرزوق ولا ابن الموفق " اللهم بحق السائلين عليك " تظهرانه لم ينفرد عطية ، ولا ابن مرزوق ،ولا ابن الموفق ,بالنظر إلى هذه الطرق على فرض ضعف الثلاثة .مع أن يزيد بن هارون شيخ أحمد بن منيع شارك ابن الموفق في روايته، عن ابن مرزوق وكذا الفضل بن دكين وابن فضيل وسليمان بن حبان وغيرهم. وعطية جرح بالتشيع لكن حسن له الترمذي عدة أحاديث ، وعن ابن معين أنه صالح ، وعن ابن سعد: ثقة إن شاء الله، وعن ابن عدي: له أحاديث صالحه .وبعد التصريح بالخدري لا يبقى احتمال التدليس، ولا سيما مع المتابعة وابن مرزوق ترجح توثيقه عند مسلم فروى عنه في " صحيحه ". على أن الحديث مروي بطريق بلال ، رضي الله عنه فلا تنزل درجة الحديث مهما نزلت عن درجة الاحتجاج به ، بل يدور أمره بين الصحة والحسن لكثرة المتابعات الشواهد كما أشرنا إليها. وقول من يقول: إن الجرح مقدم على التعديل على ضعفه فيما إذا تعارضا بتكافئهما في الميزان، دون إثبات ذلك مفاوز فلا يتمكن المبتدعة من اتخاذ ذلك تكأة لرد الأحاديث الثابتة برجال وثقهم أهل الشأن بترجح ذلك عندهم . وقدحسن هذا الحديث الحافظان : العراقي في " تخريج أحاديث الإحياء " وابن حجر في " أمالي " الأذكار " وفي الحديث التوسل بعامة المسلمين وخاصتهم، وإدخال الباء في أحد مفعولي السؤال إنما هو في السؤال الاستعلامي كقوله تعالى " فسئل به خبيراً " و" وسأل سائل بعذاب واقع " وأما السؤال ألاستعطائي فلا تدخل الباء فيه أصلاً إلا على المتوسل به فدونك الأدعية المأثورة فتصوّر إدخالها هنا في المفعول الثاني إخراج للكلام عن سننه بهوى ، وصيحة باطل تمجها الأسماع . وليس معنى الحق الإجابة ، بل ما يستحقه السائلون المتضرعون فضلاً من الله سبحانه . فيكون عد " بحق السائلين " سؤالاً لهذا الداعي هذياناً محضاً ، ولا سيما عند ملاحظة ما عطف عليه في الحديث ، وأما زعم أنه ليس في سياق الحديث ما يصلح أن يكون سؤالاً غير ذلك فمما يثير الضحك الشديد والهزئ المديد ، فأين ذهب من هذا الزاعم " أن تعيذني من النار" وكم يكرر الفعل للتوكيد : فالسؤال في الفعل الأخر هو السؤال في الفعلين المتقدمين ، بل لو لم تكن تلك الأفعال من باب التوكيد لدخلت في باب التنازع ، فيكون هذا القيد معتبراً في الجميع على كل تقدير وأما من يحاول رد التوسل بتصور دخوله في الحلف بغير الله ، فإنما حاول الرد على المصطفى صلوات الله عليه لأنه هو الذي علم صيغ التوسل ، وفيها التوسل بالأشخاص ، وأين التوسل من الحلف ؟

الفصـل الثالث

     ولا بأس أن نزيد هنا كلمة في الاستغاثة والاستعانة ،والكل من واد واحد ففي حديث الشفاعة عند البخاري " بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه و سلم" وهذا يدل على جواز استعمال الاستغاثة في صدد التوسل . وأما حديث " لا يستغاث بي " عند الطبراني ، ففي سنده لهيعة وقد شرحنا حاله في (الإشفاق) فلا يناهض الحديث الصحيح. وأما حديث " وإذا استعنت فاستعن بالله" فمعناه : عند استعانتك بأي مستعان فاستعن بالله – على لين في طرقها كلها – حملاً على الحقيقة فالمسلم لا ينسى مسبب الأسباب عندما يستعين بسبب من الأسباب وها هو عمر رضي الله عنه حينما أستسقى بالعباس رضي الله عنه لم ينس أن يقول آن الاستسقاء ((اللهم فاسقنا))..وهذا هو الأدب الإسلامي . ولو لم نحمل الحديث على هذا المعنى لتكلفنا المجاز ، ولعارضته عدة آيات وأحاديث في سردها طول. على أن لفظ "إذا" في الحديث بعيد عن إفادة معنى "كلما" بل هو من صيغ الإهمال عند المناطقة ، فلا يكون للخصم مجال أن يتمسك به أصلا. وزد على ذلك إفراد الضمير, والخاصة – ومنهم ابن عباس رضي الله عنهما – يحسن بهم أن تكون استعانتهم بمسبب الأسباب . وأما قوله تعالى : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ففي العبادة والهداية بقرينة السباق والسياق كما هو الجدير بحال المناجاة ، فلا يكون فيه تعطيل الأسباب العادية الدنيوية . وقد أحسن صديقنا العلامة المحض صاحب المؤلفات الممتعة الأستاذ الكبير الشيخ محمد حسنين العدوي المالكي حيث ألف عدة كتب في دفع شبه يصطنعها التيميون حول التوسل فأزاح ظلما تهم ببيانه العذب وتحقيقه الرائع ، ومقامة في العلم فوق منازل شيوخ مشايخ هؤلاء بدرجات اتفاقاً بين أهل العلم . وأما سماع أصحاب القبور وإدراكهم فمن أوسع من سرد أدله ذلك المحدث عبد الحي اللكنوي في (تذكرة الراشد) وأما قوله تعالى : (وما أنت بمسمع من في القبور) ففي حق المشركين عند المحققين . وهناك تحقيق ذلك فلا تلتفت إلى مغالطات المغالطين

الخاتمــة

     وبتلك الأحاديث والآثار يظهر أن من ينكر التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين أحياء وأمواتاً ليس عنده أدنى حجة ، وإن رمي المسلمين بالإشراك بسبب التوسل ما هو إلا تهور يرجع ضرره إلى الرامي ، نسأل الله العافية . وأما إن كان بين العامة من يخطئ في مراعاة أدب الزيارة والتوسل فمن واجب أهل العلم إرشادهم إلى الصواب برفق. وقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أن أبتدع إنكار ذلك الحراني ، فرد أهل العلم كيده في نحره ، ودامت فتنته عند جاهلي بلاياه وقد غلط الآلوسي وابنه المتصرف في تفسيره بعض غلط ترده عليهما تلك الأدلة ، وكانا مضطر بين في مسائل من عدوى جيرانهما ، وبعض شيوخهما ، وليس هذا بموضع بسط لذكر ذلك. ومن أراد ان يعرف عمل الأمة في التوسل بخير الخلق فليراجع ( مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام) للإمام القدوة أبي عبدالله النعمان بن محمد موسى التلمساني المالكي المتوفي سنة 683، وهو من محفوظات الدار المصرية وفي ذلك كفاية لغير المتعنتين ، ومن الله الهداية والتوفيق.

 

 

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التصوف والدبلوماسية الروحية: الأبعاد الثقافية والتنموية والحضارية

سيرا على النهج السديد الذي اختاره المغاربة منذ القديم في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وجريا على السنة الحميدة التي دأبت عليها مؤسسة المتلقي العالمي للتصوف والطريقة القادرية البودشيشية كل سنة، ستنظم المؤسسة بشراكة مع المركز الأورو-متوسطي لدراسة الإسلام اليوم (CEMEIA) الدورة الثانية عشرة...

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

قبسات من درر العارفين (2)

محق التقوّل في مسألة التوسل للإمام العلامة الفقيه محمد زاهد الكوثري

الملتقى العالمي الثاني عشر للتصوف: التصوف والدبلوماسية الروحية

نفحات روحية من خلال السيرة النبوية (1)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دعاء رمضان لسيدي محمد بن عباد الرندي
التصوف عند علماء القرويين، المفهوم، التأصيل، التنزيل
السياسة الأخلاقية: مفهوم الحرية نموذجا

 

 

 

 

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

   ليس غريبا أن نجد الأستاذ علال الفاسي -وهو سليل أسرة أنجبت فطاحل مشايخ الصوفية- يهتم بعلائق التراث الصوفي ونفائسه، فبعد أن توسعت مدارك الرجل ونضج فكره وانفتحت آفاقه، رجع ليعترف ويقر بالقيمة الفكرية التي يحتلها علم التصوف في تاريخ الإسلام، بل سنجده مدافعا عن المنهج الصوفي الأصيل، منتقدا كل من حاول اختزال التصوف في بعض الممارسات الشاذة التي ألصقت بصوفية المغرب وهم منها براء؛ وفي هذا الصدد يقول: «إذا كانت ثمة منكرات أُدخلت على القوم، أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس، فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون، أم أي عقيدة...