دراسات وأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (6)

د.محمد الهاطي

أستاذ باحث بمركز الإمام الجنيد

   ليس غريبا أن نجد الأستاذ علال الفاسي -وهو سليل أسرة أنجبت فطاحل مشايخ الصوفية- يهتم بعلائق التراث الصوفي ونفائسه، فبعد أن توسعت مدارك الرجل ونضج فكره وانفتحت آفاقه، رجع ليعترف ويقر بالقيمة الفكرية التي يحتلها علم التصوف في تاريخ الإسلام، بل سنجده مدافعا عن المنهج الصوفي الأصيل، منتقدا كل من حاول اختزال التصوف في بعض الممارسات الشاذة التي ألصقت بصوفية المغرب وهم منها براء؛ وفي هذا الصدد يقول: «إذا كانت ثمة منكرات أُدخلت على القوم، أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس، فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون، أم أي عقيدة لم تلتصق بها طفيليات تحاول امتصاصها والقضاء عليها»[1]. وخلافا لما ذهب إليه بعض رواد الحركة الوطنية من اتهام الصوفية بمولاة الاستعمار الأجنبي سينبري علال إلى تبرأت ساحتهم من هذه التهمة، وسيُقر في بعض كتاباته اللاحقة بالأدوار الكبيرة التي اضطلاع بها الصوفية لتحرير المغرب من شتى أصناف الاحتلال، وفي هذا النطاق يقول: «إننا نجد في مواقف أوليائنا وصوفيتنا ما يدل على الدور التحريري الذي قام به التصوف الإسلامي في إنقاذ المغرب من الاحتلالات الأجنبية»[2]. كما سيحرص علال الفاسي على إبراز خصوصية التجربة الصوفية المغربية مؤكدا على «أن معظم رجال التصوف المغاربة ودعاته كانوا من أهل العلم بأصول الدين وفروعه[...] وأن التصوف المغربي كان له الأثر الفعال، إلى جانب الفقه المالكي، في توجيه كل الأفكار والسياسات التي جرت في بلاد المغرب، فالفقه والتصوف –في رأي علال الفاسي- عنصران أساسيان في تكييف المجتمع المغربي وتسييره»[3].

    بمثل هذا المواقف المتبصر استطاع علال الفاسي أن يمزج بحكمة فطنة بين فكر صوفي صافي متجذر، ومشروع إصلاحي ناهض ومتجدد، ساعيا إلى تحقيق نوع من التوفيق والتكامل بين ضغوط الإصلاح وحتمية حضور المكون الصوفي في مشروعه الإصلاحي.

  سنحاول في المقال القادم من هذه السلسة إبراز جهود العلامة علال الفاسي خدمة التراث الصوفية، مع تقديم نبذة موجزة عن خزانة مؤسسة علال الفاسي التي تٌعد من أغنى الخزائن العلمية الخاصة بالمغرب، لما تزخر به من نفائس ونوادر المخطوطات في شتى أصناف العلوم والمعارف ومنها التصوف، مع محاولة تسليط الضوء على بعض النماذج من المخطوطات الصوفية التي تحتوي عليها الخزانة .

 


[1] التصوف الإسلامي في المغرب، علال الفاسي، إعداد: عبد الرحمان بن العربي الحريشي، مطبعة الرسالة، د.ط، د.ت، ص: 10.

[2] التصوف الإسلامي في المغرب، مجلة الثقافة المغربية، العدد الأول، شوال- ذي القعدة 1389هـ/ يناير- فبراير 1970، الرباط  ص 47.

[3] نفس المصدر،ص 21.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التراث الصوفي المخطوط بخزانة الزاوية الناصرية– تامكروت بزاكورة (5)

     تُعد الزاوية الناصري من أهم المراكز العلمية المرموقة والينابيع الصوفية الصافية والمنارات الدينية الشامخة التي يؤمها الطلاب والمريدون من كل حدب وصوب. أسهمت منذ تأسيسها على يد حفص عمرو بن أحمد الأنصاري في تعميق ممارسة دينية مبنية على وحدة المذهب والعقيدة والسلوك، كما حرص جل شيوخها الذين تُجمع المصادر على علو همتهم في العلم والتربية على إشاعة العلم النافع الموصل إلى العمل الصالح؛ وعن أحد أعلامها (وهو الشيخ أحمد بن إبراهيم التكروتي) يقول الحضيكي في طبقاته:" العارف الأكبر، وبحر الشريعة والحقيقة، كان -رضي الله عنه- من أكابر العارفين والقائمين بالحق، والحافظين لحدود الله، والمحافظين على السنة وإخماد البدعة... وكان -رضي الله عنه- بديع زمانه وأعجوبة أوانه، لا ينظر في الإنسان النظرة الأولى إلا عرف قصده وما في ضميره"

التراث الصوفي المخطوط بخزانة مؤسسة علال الفاسي (7)

بعد أن حاولنا في المقال السابق إبراز جهود العلامة علال الفاسي في خدمة التراث الصوفي ببلادنا، وبعد أن عرضنا بعض مواقفه المتبصرة التي استطاع من خلالها أن يمزج بحكمة فطنة بين فكر صوفي صافي متجذر، ومشروع إصلاحي ناهض ومتجدد، سَاعِيا في كل ذلك إلى تحقيق نوع من التوفيق والتكامل بين ضغوط الإصلاح وحتمية حضور المكون الصوفي في مشروعه الإصلاحي، سنعمل في هذه الحلقة -من سلسلة المقالات التي خصصنها لرصد التراث الصوفي المخطوط بالخزائن العلمية بالمغرب- تقديم نبذة موجزة عن خزانة مؤسسة علال الفاسي التي تٌعد من أغنى الخزائن العلمية الخاصة بالمغرب، والتي تزخر بنفائس ونوادر من المخطوطات في شتى أصناف العلوم والمعارف ومنها التصوف، مع محاولة تسليط الضوء على بعض النماذج من المخطوطات الصوفية التي تحتوي عليها الخزانة.

التراث الصوفي المخطوط ببعض الخزائن العلمية بتافيلالت الكبرى (8)

    اشتهرت منطقة تافيلالت الكبرى كباقي مناطق المغرب ببروز بيوتات توارث أبناؤها العديد من التقاليد العلمية وخاصة خدمة المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، فخلفت هذه الأسر تركة غزيرة من التأليف والمصنفات في شتى العلوم الشرعية ومنها الصوفية، شكلت النواة الأولى لنشوء نشاط علمي وصوفي بهذه الربوع.