دراسات وأبحاث

التراث الصوفي المخطوط بتافيلالت الكبرى خزانة الزاوية الحَمْزِية نموذجا (9)

د.محمد الهاطي

باحث بمركز الإمام الجنيد

   يرتفع نسب الأسرة الحَمْزِية العياشية[1] إلى الشيخ سيدي محمد بن أبي بكر العياشي مؤسس الزاوية العياشية، الواقعة قرب جبل "العياشي" جنوب مدينة ميدلت بإقليم الرَّشيدية بتافيلالت الكبرى. ويُرْجِع العلامة سيدي محمد المنوني -رحمه الله- الفضل في انتعاش هذه الزاوية وخزائنها إلى ثلاثة من الشيوخ، وهم على التوالي: حمزة بن أبي سالم بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي، وقد كانت وفاة حمزة عام (1130هـ)، ووفاة أبي سالم سنة 1090هـ، ووفاة محمد بن أبي بكر سنة (1067هـ)[2].

   كما أورد الأستاذ محمد المنوني مجموعة من الوقفيات المسجلة ببعض الكتب المخطوطة بالخزانات العياشية، التي تشهد على تحبيس علماء هذه الأسرة مكتباتهم خدمة للعلم وطلابه؛ فهذا أبو سالم العياشي في إحدى وقفياته الواردة في المجلد الثاني من كتاب "تقريب التهذيب" لابن حجر العسقلاني يقول: "الحمد لله، ينتفع بهذا الكتاب، من فيه أهلية من سكان زاوية سيدي محمد بن أبي بكر العياشي من غير ملك له"[3]، وهذا سيدي حمزة بن عبد الله العياشي الذي كان يقتني كتب الفقه والتصوف من المشرق ومن فاس وغيرها من الحواضر، ويحبسها على أقاربه.

   وممن أسهم كذلك في تنمية رصيد هذه الخزانة من أبناء الأسرة العياشية، عبد الله بن أبي سالم العياشي المتوفى سنة 1235هـ، والذي حبس المجلد الأول من "شرح المختصر الخليلي" لأبي علي بن الرحال.

   وتزخر الخزانة العياشية بالنفائس من كتب التصوف، حيث يبلغ العدد الإجمالي من مصنفات التصوف والأخلاق والمواعظ المخطوطة بالخزانة ما يقرب من 239 عنوانا، وهي بذلك تحتل المراتب الأولى من حيث العدد بالخزانة إلى جانب كتب الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية، كما أن ما يميز هذه المصنفات الصوفية، كون جلها ينتمي من حيث المحتوى إلى المنحى الصوفي الجامع بين الشريعة والحقيقة، أو ما يسمى بتصوف السلوك؛ فنجد بها مثلا نسخا مخطوطة من كتاب الإحياء، ونسخا أخرى من كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي، وعددا من شروح الحكم العطائية، وما يتعلق بها من تعليقات. 

   كما تحتوي خزانة الزاوية العياشية على عدد لا بأس به من مصنفات صوفية لعلماء الزاوية العياشية من قبيل: كتاب "نظم أصول الشيخ زروق" لأبي سالم العياشي (ت1090هـ)، وكتاب "المصباح على حزب الفلاح" لعبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر العياشي. كما تشتمل الخزانة على تراث صوفي ألفه بعض علماء وفقهاء منطقة تافيلالت؛ كالرسالة التي صنفها إبراهيم بن هلال السجلماسي (ت913ﮬ)، وهي جواب عن حكم السماع والوجد، أضف إلى ذلك كتب باقي صوفية المغرب ككتاب "الإشارات السنية في بعض المباحث الأصلية لمحمد بن الشطيبي" (ت963ﮬ)، و"الأنوار اللامعات في الكلام على دلائل الخيرات" لأبي عبد الرحمن بن محمد التمنارتي (ت1060ﮬ).    

   هذه بعض النماذج من عناوين المخطوطات الصوفية التي خلفتها الأسرة العلمية العياشية التي يرتفع نسبها -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- إلى الشيخ سيدي محمد بن أبي بكر العياشي مؤسس الزاوية العياشية، وقد سلف لهذه الزاوية وخزانتها ماض علمي مشرق، شع في الربع الأخير من القرن الحادي عشر الهجري، وامتد نحو قرن من الزمن، ولا تزال بقايا من هذا العصر الذهبي تلمع في بقعة مدفونة وسط الزاوية الحمزية العياشية[4].

   وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الأوقاف قد قامت في السنوات الأخيرة ببناء مقر جديد لهذه الخزائن، مجهز بوسائل الحفاظ على المخطوطات وصيانتها، كما أصدرت الوزارة سنة 2009 فهرسا وصفيا للمخطوطات الموجودة بمكتبة الزاوية الحمزية العياشية.

الهوامش

 

 

[1] للمزيد من التفاصيل عن أعلام هذه الأسرة العلمية، ينظر كتاب: "الإحياء والانتعاش في تراجم سادات زاوية آيت عياش".

[2] مقدمة العلامة محمد المنوني بالفهرس الوصفي لمخطوطات خزانة الزاوية الحمزية العياشية بإقليم الرشيدية، إشراف: حميد الحمر، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مطبعة الأمنية، الرباط، 2009م، ص: 8.

[3] المصدر السابق، ص: 9.

[4] نفسه، ص: 8.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي

نفحات روحية من السيرة النبوية (5)

قبسات من درر العارفين (7)

آثار ابــن زكــري

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

 

 

 

 









العلامة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي رحمه الله وجهوده لإثراء الحركة العلمية

    إنه لمن دواعي افتخاري -بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة أحد فحول علماء سوس- أن أسهم في تسليط بعض الضوء على علَم العلماء بحاضرة سوس العالمة، والذي ستظل حياته العلمية والعملية صفحة من صفحات السجل الذهبي الذي يفتخر به المغرب على شاكلة العلماء المغاربة رحمهم الله، الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة أبواب من الثقافة المغربية، وظل وسيظل نجما ساطعا في سمائها.

شذرات من سير رجالات مراكش السبعة أبو العباس السبتي، أو حين ينفعل الوجود بالجود

    هو أحمد بن جعفر الخزرجي، أتى إلى مراكش قادما إليها من سبتة طالبا للعلم وهو ابن ستّ عشـرة سنة، تتلمذ بمسقط رأسه على يد الشيخ أبي عبد الله الفخار الذي قضى معه فترة من شبابه، وكان قد تنبأ له بمستقبل ذي شأن، «فروي أن الشيخ (أي الفخار) أحس ببركة زادت عليه من ساعته [...] فقال له يا بني: بارك الله فيك، إن عشت سيكون لك شأن عظيم، قال له: يا سيدي، ذلك بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء [...] وزادت من بركاته الخيرات وفاض الإحسان». وبعد فترة انقطاعه بجبل "جليز" بأحواز مراكش...