دراسات وأبحاث

قبسات من درر العارفين (6)

دة. ربيعة سحنون        

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

     صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

     كانت أحوالهم وأقوالهم وكراماتهم ومقاماتهم دررا ولآلئ ونجوما يهتدي السائرون إلى طريق الحق بنورها، تكلموا في آداب السلوك، وبينوا كيفية الدخول إلى حضرة ملك الملوك، جلّ في علاه، غاصوا في خبايا النفس البشرية، فخبروا داءها ودواءها، عالجوها بالفكر وبالذكر، فترقّتِ الأرواح وارْتقت، متخلقة بالأخلاق المحمدية، ومتأسية بأحسن الفضائل وأرقاها وأحبّها إلى الباري جلت قدرته.

     ولضرورة الاقتداء والاهتداء بسِ يرَ الصالحين وأقوالهم، ستضم هذه السلسلة قبسات من درر العارفين، والأولياء والصالحين، حتى نقف على كلامهم، ونُحَصِّل الإفادة المرجوة من سَيْرِهم وبلوغهم أرقى المقامات وأسماها.

6- العارف المحقق: سيدي محمد المرون (1322-1416ﮬ)

     نذكر بعضا من درره التي جمعها ونشرها وأعدها تلميذه ومريده محمد بن محمد المهدي التمسماني، كنموذج للمريدين الذين ترجموا لشيوخهم، وجمعوا حكمهم وأقوالهم ومأثوراتهم، يقول رحمة الله عليه:

     - الظهور نقمة والنفس تهواه، والخمول نعمة والنفس تأباه. الولي المخفي تبقى مقاماته تامة كاملة. عبد الخفاء: بينه وبين الله. وعبد الظهور: فيما بينه وبين الله وبين العباد[1].

     - العبد الصالح عند الصلاة يتوجه إلى الله قلبا وقالبا، وينسلخ عن العوالم الحسية والمعنوية عند رفع اليدين لتكبيرة الإحرام، ويفرغ من قلبه ما سوى الله تعالى[2].

     - باطن الأشياء فيه سرّ الله تعالى، وظاهر الأشياء فيه نور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي كل شيء ترى الله تعالى، وترى النبي صلى الله عليه وسلم، أي في كل شيء ترى سرّ الله وترى النور المحمدي. قال تعالى: ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس﴾. [سورة الأنعام، الآية 122]، فأحييناه، أي بسر الله وجعلنا له نورا، أي من النور المحمدي[3].

     - شيخ الطريقة له حجج وله دلائل وله شروط وله آيات ظاهرة أو باطنة، فإذا اجتمعت فيه هذه الشروط يصح الاقتداء به في الدنيا والآخرة، وإذا عدم الشرط عدم المشروط. الشيخ وارث النور المحمدي، تتجلى فيه الصفات والذات والأقوال والأفعال والأحوال والأخلاق والسيرة، من اجتمعت فيه هذه الصفات فهو الشيخ الكامل، وإن عدمت فيه هذه الصفات فهو طفيلي على المشيخة، ومن تمسك به كمن تمسك بغريق[4].

     - حب الأولياء: زيارتهم وإكرامهم، وحب آل البيت: إكرامهم وقضاء حوائجهم، وحب المساكين: العطف عليهم ومواساتهم[5].

     - كيف تطلب من الله أن يخرق لك العوائد وأنت لم تخرقها في نفسك، وكيف تطلب من الله أن تستقيم لك الأشياء وأنت لم تستقم مع الله، أما علمت أن الجزاء من جنس العمل. لو استقمت مع الله لاستقام معك كل شيء، وطلبك كل شيء، واستغنيت عن كل شيء، ولم يفتك شيء، ولأحبك كل شيء، ولخدمك كل شيء، ولأطاعك كل شيء، ولسمعت ورأيت كل شيء، وأنت قريب من كل شيء، ولا يبعد عنك شيء، لأن الله غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته. الإنسان خلق لخدمة الله، والأشياء كلها تخدم الإنسان، فإن أعرض الإنسان عن خدمة الله أعرضت عنه الأشياء، فصار الإنسان يخدمها رغما على أنفه، مذؤوما مدحورا، وهو يتقلب يمينا وشمالا، ولم يجد ما يسره في ظاهره ولا في باطنه. استقامة يوم واحد أفضل من ألف كرامة[6].

     - علماء الأوراق حدهم لسانهم لا يتجاوز حناجرهم، وأما علماء الأذواق فمن تلاوة لسانهم، إلى قلوبهم، إلى جنانهم، إلى حضرة ربهم، لأن التالي أو الذاكر يناجي ربه. قال تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾. [سورة البقرة، الآية 152]. معناه: أيها الذاكر، ليس الذكر باللسان فقط، إنما الذكر بالقواعد والشروط، فإذا عدم الشرط عدم المشروط، لأجل هذا حرم خاصة الناس وعامتهم من ثمرات ذكرهم وعبادتهم، لأن عبادتهم وذكرهم مبنية بلا أساس: لا علم، لا معرفة، لا أدب، لا تقوى، لا يقين، لا خشوع، لا محبة، لا إخلاص، فهذا هو بيت القصيد من العبادات والتقربات، بهذا سعد من سعد، وبعدمه شقي من شقي. لا يعبد ربنا إلا بالعلم والمعرفة، قال سبحانه: ﴿نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم﴾. [سورة يوسف، الآية 76].[7].

     - من رجع إلى أصله يهيم بذكر الله طربا ووجدا وحبا وشوقا وعشقا وذوقا وغراما: هذه الصفات كلها من منح الله على من أحبه واختاره واصطفاه واجتباه وقربه إليه بأي وسيلة كانت، تفضلا منه على خواص أهل المحبة، أطلعهم الله على أسرار عظمة أفعاله وأسمائه وصفاته وذاته، وكشف لهم الحجب والأستار، وأشرقت عليهم الأنوار من حضرة الملك القهار، وأخذ بيدهم وأجلسهم على منصة الإجلال والوقار، وتوجهم بتيجان الوقار، وسقاهم ربهم شرابا طهورا رحيقا، فلما شربوا سكروا وغابوا، فلما غابوا عربدوا وتاهوا عن الوجود وما فيه موجود، كما عربد سيدنا إبراهيم، وكما عربد سيدنا موسى في الطور، وكما عربد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء، وكما عربد عبد القادر الجيلاني...، وكما عربد الجنيد وأمثاله. معنى تعربد: كشف عنهم الغطاء والحجب، فأراهم عظمته وكبرياءه، فتاهت عقولهم، ووجلت قلوبهم، وطاشت أرواحهم، ففروا من ذاتهم وأنفسهم وعلمهم وعملهم، ففروا هاربين من حولهم وقوتهم، كما قال سيدنا إبراهيم: ﴿وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾. [سورة الصافات، الآية 99].[8].

     - أول ما يتفرس الإنسان في العجائب والغرائب نفسه من أول مبدئها ووسطها وآخرها من صنع الله فيه، وإبداع خلقته. قال سبحانه: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾. [سورة التين، الآية 4]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عرف نفسه) وما فيها من خير وشر، (عرف ربه)، وقال جل جلاله: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم﴾.  [سورة الروم، الآية 8]، وقال: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾. [سورة فصلت، الآية 53]، ثم قال بعد ذلك: ﴿ويتفكرون في خلق السموات﴾. [سورة آل عمران، الآية 191]، وما خلق الله من عجائب المخلوقات العلوية والسفلية، فإذا عرفتهم وشاهدت من هو ممدهم ومحركهم ومسكنهم ومحييهم ومميتهم...إلخ، فصُلْ وجُلْ في معرفة المخلوقات والمصنوعات، ولا تجُل في ذات الله. البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فأرض ذات فجاج، وسماء ذات أبراج، بهذا تستدل على عظمة الله وصنعه في مخلوقاته[9].

- الصوفي من أوفى بالعهود، ووقف على الحدود، ورضي بالمفقود، واستعد ليوم الخلود، وغرق في مقام العيان والشهود.

الصوفي من بكت عيناه من خشية الله، ورقّ قلبه، ولان جلده، وأنفق ما عنده طالبا رضاء الله.

الصوفي من كان نظره عبرة، وصمته فكرا، وكلامه ذكرا، وأيامه خضرة، وأوقاته معمرة، ولياليه سهرا، ووجهه صفرا.

الصوفي من قتل نفسه، واتبع رضا مولاه، وطهر قلبه، وأحيى روحه وفكرته وعقله وهمته، وبات عند ربه[10].

الهوامش 

 

[1] سيدي محمد المرون قدس الله سره، (ترجمته، مؤلفاته، حكمه، أقواله، صلاته، كراماته، شعره، شروحه، رسائله)، إعداد وكتابة: محمد بن محمد المهدي التمسماني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1427ﮬ/2006م، ص: 34.

[2] المرجع السابق، ص: 99.

[3] نفسه، ص: 108.

[4] نفسه، ص: 112.

[5] نفسه، ص: 113.

[6] نفسه، ص ص: 124-125.

[7] نفسه، ص ص: 130-131.

[8] نفسه،  ص ص: 132-133.

[9] نفسه، ص: 137.

[10] نفسه، ص: 143.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

نيل السعادات بملازمة دلائل الخيرات

نفحات روحية من السيرة النبوية (4)

قبسات من درر العارفين (6)

الزاوية المغربية منتدى للفكر والإشعاع العلمي(2)

التراث الصوفي المخطوط بتافيلالت الكبرى خزانة الزاوية الحَمْزِية نموذجا (9)








التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

    ولما كان المعنى الحقيقي للتصوف الإسلامي هو تزكية النفوس وتحليتها بالصفات الحميدة، ﻭﺇﺭﺷﺎﺩﻫا ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﻤﺤﻤﻮﺩﺓ، وتعمير الظاهر والباطن بألوان مختلفة من الآداب المقتبسة من مشكاة النبوة، نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر المربي والمزكي الأول الذي مارس مهمة التربية الباطنية، وبث قيمها العليا في صفوف الصحابة رضوان الله عليهم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِم ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.

نيل السعادات بملازمة دلائل الخيرات

     يقول عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما﴾، فقد أمر الله عز وجل بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وحضَّ عليها، تشريفاً لنبيه وتكريماً له، وتفضيلاً لجلاله، ووعد مَن واظب عليها حُسن المآب، وجزيل الثواب، وبها يتوصل إلى رضا الرحمن، وتنال السعادة والرضوان، وتجاب الدعوات، ويُرتقى بها إلى أرفع الدرجات. وما ألطف وأجمع صياغة العارف بالله الشيخ عبد الرحيم محمد وقيع الله (البرعي)، الكارع من بحور المحبة...