دراسات وأبحاث

التربية الصوفية وأثرها في تزكية النفوس(3)

ذ. عزيز بوزغيبة

باحث بالرابطة المحمدية للعلماء 

    ولما كان المعنى الحقيقي للتصوف الإسلامي هو تزكية النفوس وتحليتها بالصفات الحميدة، ﻭﺇﺭﺷﺎﺩﻫا ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﻤﺤﻤﻮﺩﺓ، وتعمير الظاهر والباطن بألوان مختلفة من الآداب المقتبسة من مشكاة النبوة، نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر المربي والمزكي الأول الذي مارس مهمة التربية الباطنية، وبث قيمها العليا في صفوف الصحابة رضوان الله عليهم، مصداقا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِم ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[1].

    كما لا يخفى على أصحاب البصيرة أن مسألة تزكية الباطن وتهذيب الأخلاق، وحسن الاقتداء الكامل بالشريعة الإسلامية هي غايات ذات أبعاد ومقاصد، تتخذ لأجلها وسائل متداولة بين أرباب القلوب، ولها طرق متعددة، ومن أجلها وأكملها صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذلك أن من مظاهر وتجليات وآثار صحبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك البعد التربوي الروحي الذي بفضله تشرب الصحابة أنوار الإيمان، وتحققوا بقيمه الروحية، ولم يصلوا إلى هذه الحقائق إلا بمجالستهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مختلف حلق العلم والذكر، حتى تشبعوا بأنوار الإيمان والصفاء الروحي.

     فقد أنجبت المدرسة النبوية رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ أمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم، ثم جاءت مدرسة الصحابة التي أنجبت أمثال: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وطاووس اليماني، وإبراهيم التيمي، وغيرهم كثير...، كان لهم الفضل في تثبيت دعائم الشريعة الإسلامية ظاهرا وباطنا، ومن خلال منهجهم الذي تلقوه كابرا عن كابر من المربي الأول الرسول صلى الله عليه وسلم تأثر الأئمة الكبار بهم؛ أمثال: الإمام مالك، والإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم رضي الله عنهم.

     وإذا تتبعنا المراحل التاريخية لنشأة العلوم الأخرى كعلم النحو والأصول والفقه والبلاغة...، فكلها علوم كانت متجذرة في البيئة الإسلامية أصالة ومضمونا، وكانت متداولة بالسليقة بين الصحابة رضوان الله عليهم، ولم تكن الحاجة ماسة عندهم للتأليف فيها بفضل احتكاكهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسعة اطلاعهم على مختلف العلوم، وسيلان أذهانهم في هذا المجال، فهذه كلها عوامل جعلتهم في غنى عن إظهار هذه العلوم وإفرادها بالتصنيف.

     لذلك نجد أن أغلب الانتقادات التي وجهت للتصوف الإسلامي تتمحور حول مسألة مهمة. وهي لماذا لم تنتشر الدعوة إلى التصوف في صدر الإسلام؟ وعدم ظهور هذه الدعوة إلا بعد عهد الصحابة والتابعين؟ "والجواب عن هذه التساؤلات هو أنه لم تكن الحاجة ماسة إلى تدوين علم التصوف وجعله علما مستقلا بذاته في العصر الأول، لأن أهل هذا العصر كانوا أهل تقوى وورع وأرباب مجاهدة، وإقبال على العبادة بطبيعتهم، وبحكم قرب اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يتسابقون ويبادرون في الاقتداء والالتزام بالمنهج الإسلامي وبتعاليمه ظاهرا وباطنا، ولم يكن هناك ما يدعو إلى تلقيهم علما يرشدهم إلى أمر هم قائمون به فعلا، وإنما مثلهم في ذلك كله كمثل العربي القح يعرف اللغة العربية بالتوارث كابرا عن كابر، حتى إنه ليقرض الشعر البليغ بالسليقة والفطرة، دون أن يعرف شيئا من قواعد اللغة والإعراب والنظم، فمثل هذا لا يلزمه أن يتعلم علم النحو ودروس البلاغة، ولكن علم النحو وقواعد اللغة والشعر تصبح لازمة وضرورية عند تفشي اللحن وضعف التعبير"[2].

    ولما تقدم ركب الأمة الإسلامية قاطبة في تاريخها العريق، أصبحت الحظيرة الإسلامية مركزا متداولا للتلاقح الحضاري بين مختلف الأمم والشعوب، فقام كل فريق مشمرا على ساعده، عاملا على تدوين العلم الذي برع فيه خوفا عليه من الضياع، واختلاطه مع العلوم الأخرى، لذلك ثم تدوين مجموعة من العلوم؛ كعلم النحو والأصول والفقه والبلاغة...، وغيرها.

     ولقد كان من بين ما دون من العلوم علم التصوف أو علم التزكية والتربية الباطنية، الذي كان يهتم بالجانب الروحي والانقطاع إلى عبادة الله عز وجل ظاهرا وباطنا، بعد أن أقبل الناس على الدنيا في القرن الثاني للهجرة، وضعف الجانب الروحي، وتضاءلت القيم الأخلاقية. يقول الإمام الشاطبي في هذا السياق، وقد ساق ما ذهب إليه القشيري صاحب الرسالة في علم التصوف، وهو يتحدث عن سبب اختصاص المتصوفة باسم التصوف، "وقد ذكر أنهم إنما اختصوا باسم التصوف انفرادا به عن أهل البدع، فذكر أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم باسم علم سوى الصحبة، إذ لا فضيلة فوقها، ثم سمي من يليهم التابعين، ورأوا هذا الاسم أشرف الأسماء، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن له شدة عناية بأمر الدين الزهاد والعباد. قال: ثم ظهرت البدع، وادعى كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف، ويضيف الإمام الشاطبي: هذا معنى كلامه، فقد عدّ هذا اللقب مخصوصا باتباع السنة ومباينة البدعة، وفي ذلك ما يدل على خلاف ما يعتقده الجهال، ومن لا عبرة به من المدعين للعلم"[3].

     ويؤكد الإمام الشعراني "أن علماء التصوف في بداية الأمر لم يضعوا في أمراض القلوب كتبا، لأنه لم تكن هذه الأمراض ظاهرة على أهل زمانهم، ولو أنها ظهرت في زمانهم لتأكد عليهم بيان طريق علاجها برسائل مستقلة. كما فعل من بعدهم من أئمة طريق أهل الله تعالى لأنها من الكبائر، بخلاف الزمن الذي بعدهم ظهر فيه الرياء والحسد والكبر والغل والحقد فلذلك دون الناس فيه الرسائل المستقلة"[4]. وهذا ما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته المشهورة حيث ذكر أن: "التصوف صار في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة أي طريقة التصوف عبادة فقط، وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك"[5]. مضيفا أنه: "لما كُتبت العلوم ودُوِّنت، وألف الفقهاء في الفقه وأصوله، والكلام والتفسير وغير ذلك، كتب رجال من أهل هذه الطريقة- يقصد طريقة الصوفية- في طريقهم، فمنهم من كتب في الورع، ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك، كما فعله المحاسبي في كتاب "الرعاية"، ومنهم من كتب في آداب الطريقة وأذواق أهلها ومواجيدهم كما فعل القشيري في "الرسالة"...، وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط"[6].

     انطلاقا من هذه الأقوال يظهر بجلاء أن التصوف الإسلامي ولد مع الإسلام، وهو جزء منه بل الغاية منه، لكونه هو التطبيق العملي للشريعة الإسلامية ظاهرا وباطنا، وهو الجانب الذي يهتم بطهارة الباطن وإخلاص العبادة لله وحده جلت قدرته.

الهوامش

 

[1] سورة الجمعة، الآية 2.

[2] حقائق عن التصوف للشيخ عبد القادر عيسى، ص: 19.

[3] كتاب الاعتصام، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي الغرناطي، دار المعرفة، لبنان، بيروت، د.ت، 1 /90.

[4] اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، عبد الوهاب الشعراني، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط2، د.ت، 1/ 16.

[5] مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، دراسة وتحقيق: علي عبد الواحد وافي، نهضة مصر للطباعة والنشر، ط4، 2006م، 3/ 991.

[6] المصدر السابق، 3/ 991.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الملتقى العالمي الثالث عشر للتصوف

قبسات من درر العارفين (13)

أبو العباس السبتي ومذهبه في الإحسان (2)

نفحات روحية من السيرة النبوية (9)

قبسات من درر العارفين (12)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









قبسات من درر العارفين (13)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

أبو العباس السبتي ومذهبه في الإحسان (2)

     - أبو يعقوب يوسف بن الحسن الأنصاري المعروف بابن الحكيم (ت606هـ)، قيل إنه كان كثير التأسف والتلهف على شيخه حتى مات بحبه...