دراسات وأبحاث

نفحات روحية من السيرة النبوية(7) مولد سيد السادات صلى الله عليه وسلم

د. مصطفى بوزغيبة

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

    كانت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم يوم الاثنين، ربيع الأول من عام الفيل، وفي مولده صلى الله عليه وسلم مجموعة من القضايا والمواقف الربانية العظيمة، نذكر منها:

مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف 

    ولادة النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة، هي نعمة وهي حدث عظيم، يجب على المسلمين اليوم الاحتفال بها، وإعطائها ما تستحقها من تعظيم وإجلال، فإذا كان الناس اليوم يحتفلون بمجموعة من المناسبات والذكريات المستحدثة، فكيف بهم لا يحتفلون بمولده صلى الله عليه وسلم؟!

    وتجدر الإشارة إلى أن بعض المتشددين في الدين، كلما وصلوا إلى حدث مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وبدّعوا وكفروا كل من احتفل بمولده صلى الله عليه وسلم وشنعوا عليه فعله، ورموه بكل وصف قبيح، ودليلهم في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفل به ولا السلف الصالح، وهو ضرب من التشبه بالنصارى...، لكن للأسف غاب عنهم منطق آخر، وهو جنوح كثير من الناس إلى الاحتفال بمجموعة من المناسبات وفتورهم عن دينهم وعن نبيهم وحبيبهم صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة، الذي جاءه الخطاب من الله تعالى بالعفو والرحمة والأخذ بأيدي الناس بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾.[آل عمران/159]، وهناك قاعدة هامة: تحدث للناس مرغّبات بقدر ما أحدثوا من الفتور، فإذا جنح الناس إلى ترك دراسة السيرة النبوية العطرة، وتناسوا من كان سببا في هدايتهم، ومن بمحبته والتعلق بجنابه الشريف ينال كل مطلوب ومرغوب، بل ومن كان سببا في نجاة جميع الإنسانية ونيلهم للرحمة العظيمة، فلا بد من ابتكار طريقة ووسيلة تذكرهم بما نسوا من الرحمة والخير والفضل، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الـمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات/55]، وتُرغبهم بالنهوض، ورفع هممهم نحو التعلق بالجناب المحمدي الذي هو سبب في كل خير، من أجل ذلك تم سن سنة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

    سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الاثنين، فقال: (ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بعثتُ أو أُنزل عليّ فيه)([1])، فالنبي صلى الله عليه وسلم احتفل بطريقته الخاصة بيوم مولده، شكرا لله وفرحا بنعمة الله تعالى عليه، إن الفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب بأمر القرآن وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾. [يونس/ 58]. فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم رحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء/107]، فالفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب في كل وقت وفي كل نعمة، وعند كل فضل، ولكنه يتأكد في كل يوم اثنين، وفي كل عام في شهر ربيع الأول لقوة المناسبة وملاحظة الوقت، ومعلوم أنه لا يغفل عن المناسبة ويعرض عنها في وقتها إلا من لا بصيرة له.

ثم إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد انتفع به الكافر، فكيف لا ينتفع به من هو مسلم؟!

    أخرج البخاري في صحيحه: "أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ: أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي، قُلْتُ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: بِنْتَ أُمِّ سَلَمَة؟َ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ). قَالَ عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَب،ٍ كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ"([2]).

    قال الحافظ ابن حجر: "وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ العَبَّاسَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي بَعْدَ حَوْلٍ فِي شَرِّ حَالٍ فَقَالَ: مَا لَقِيتُ بَعْدَكُمْ رَاحَةً، إِلَّا أَنَّ الْعَذَابَ يُخَفَّفُ عَنِّي كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ، قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ بَشَّرَتْ أَبَا لَهَبٍ بِمَوْلِدِهِ فَأَعْتَقَهَا"([3])، فأبو لهب انتفع بمجرد فرحه بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، على الرغم من موته كافرا وخلوده في النار، فكيف لا ينتفع المسلم الفرِح المحب للجناب الشريف صلى الله عليه وسلم؟

    قال العلامة الحافظ شمس الدين بن الجزري في كتابه: "عرف التعريف بالمولد الشريف" بعد ذكره قصة أبي لهب مع ثويبة :"إذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فما حال المسلم الموحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يُسَرُّ بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم"([4]). وعلق الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي على هذا الحديث، حيث قال: "ثويبة أول من أرضعته بعد أمه، وهي مولاة أبي لهب عمه، أعتقها سرورا بميلاد نبي الثقلين في مثل يوم الاثنين:

إذا كــــــــان هـــذا كافــر جاء ذمُّه    وتبَّت يداه في الجحيم مخلَّدا

أتى أنه في يوم الاثنين دائما     يُخفَّف عنه للسُّرور بأحمدا

فما الظن بالعبد الذي كان عُمْــرُهُ   بأحمـدَ مسـرورا وماتَ مُــوَحِّدا"[5]

    قال الإمام الحافظ العلامة جلال الدين السيوطي: وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر-العسقلاني- عن عمل المولد فأجاب بما نصه: "أصل عمل المولد بدعةلم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا، قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم؟ وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلق بأصل عمله.

    وأما ما يعمل فيه؛ فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة، وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك، فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحا، بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم، لا بأس بإلحاقه به، وما كان حراما أو مكروها فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى، انتهى.

    قلت: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو: ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيجعل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات"([6]).

    فهذه بعض الأدلة التي تدل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وإظهار المحبة والتقدير والتعظيم لهذا النبي العظيم الذي كان سببا في إنقاذ الإنسانية، ونشر النور في قلوب وصدور الناس، الرحمة المهداة للبشرية جمعاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام، فكيف لا نحتفل بمن له الفضل علينا حبيبنا وشفيعنا وقرة عيننا؟! ولم لا نفرح بمن كان سببا في سعادتنا في الدنيا، وأملا لنا يوم القيامة؟!

حَرَمُ النبيِّ احْلل به تجِدِ النِّعَم     فيه اللطائف والعوارف والكَرم

فيه السعادة والسيادة والعُلا     فيه المهابة والجلالة والعِظَمْ

فيه الجَناءُ مع العطا مع الرضى   فيه النجاة لكل عبد قد أَلَمْ[7]

الهوامش

 

[1] صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس، رقم الحديث: 1162.

[2] صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. 

[3] فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ)، عن الطبعة التي حقق أصلها: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ورقم كتبها وأبوابها وأحاديثها: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة، مصر، 1424هـ/2004م، 9 /166-167. المصنف، للإمام الحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني (ت211هـ)، وفي آخره كتاب الجامع، للإمام الحافظ معمر بن راشد الأزدي، رواية الإمام الحافظ عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: أيمن نصر الدين الأزهري، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1421هـ/2000م، 7 /328، رقم الحديث: 14032، كلاهما من حديث أم حبيبة موصولا، أما قصة الإعتاق فهي من قول عروة بن الزبير رضي الله عنه معلقا، ووصل ابن سعد في طبقاته الإرسال إلى عروة، ينظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد، تقديم: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، لبنان، ط2، 1418هـ/1998م، 1 /108.

[4] عرف التعريف بالمولد الشريف، للإمام الحافظ المقرئ أبي الخير محمد بن محمد ابن الجزري (ت833هـ)، عناية: محمد أبي الخير الملقي، دار الحديث الكتابية، 1431هـ، ص: 22.

[5] مورد الصادي في مولد الهادي صلى الله عليه وسلم، للإمام الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الشهير بابن ناصر الدين الدمشقي (ت842هـ)، تحقيق: إبراهيم بن الشيخ راشد المريخي، جمعية الإمام مالك بن أنس، مملكة البحرين، ط1، 1429هـ/2008م، ص ص: 25-26.

[6] الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو والإعراب وسائر الفنون، للإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911هـ)، ضبطه وصححه: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1421هـ/2000م، 1 /188.

[7] مورد الصادي في مولد الهادي صلى الله عليه وسلم، 24.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الملتقى العالمي الثالث عشر للتصوف

قبسات من درر العارفين (13)

أبو العباس السبتي ومذهبه في الإحسان (2)

نفحات روحية من السيرة النبوية (9)

قبسات من درر العارفين (12)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









قبسات من درر العارفين (13)

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

أبو العباس السبتي ومذهبه في الإحسان (2)

     - أبو يعقوب يوسف بن الحسن الأنصاري المعروف بابن الحكيم (ت606هـ)، قيل إنه كان كثير التأسف والتلهف على شيخه حتى مات بحبه...