دراسات وأبحاث

قبسات من درر العارفين (11)

دة. ربيعة سحنون  

باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة 

    صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

    كانت أحوالهم وأقوالهم وكراماتهم ومقاماتهم دررا ولآلئ ونجوما يهتدي السائرون إلى طريق الحق بنورها، تكلموا في آداب السلوك، وبينوا كيفية الدخول إلى حضرة ملك الملوك، جلّ في علاه، غاصوا في خبايا النفس البشرية، فخبروا داءها ودواءها، عالجوها بالفكر وبالذكر، فترقّتِ الأرواح وارْتقت، متخلقة بالأخلاق المحمدية، ومتأسية بأحسن الفضائل وأرقاها وأحبّها إلى الباري جلت قدرته.

    ولضرورة الاقتداء والاهتداء بسِيرَ الصالحين وأقوالهم، ستضم هذه السلسلة قبسات من درر العارفين، والأولياء والصالحين، حتى نقف على كلامهم، ونُحَصِّل الإفادة المرجوة من سَيْرِهم وبلوغهم أرقى المقامات وأسماها.

11) الصّوفي الباهر، نجم العرفان الزاهر: عبد العزيز الدباغ (1095-1131)

من أقواله رحمة الله عليه:

- إنه لا يفتح على العبد إلا إذا كان على عقيدة أهل السنة والجماعة، وليس لله وليّ على عقيدة غيرهم، ولو كان عليها قبل الفتح لوجب أن يتوب بعد الفتح، ويرجع إلى عقيدة أهل السنة...، ما آمنا إلا بما رأينا، أيؤمن أحد بما لا يرى؟ فإن الوسواس لا ينقطع إلا بالرؤية[1].

-  الوسواس لا يكون إلا مع الجهل بالطريق، فمن قصد مدينة وهو جاهل بطريقها، فإن الخواطر تختلف عليه، فيقول له خاطره: الطريق هكذا فيتبعه، ثم يقول له آخر: بل الطريق من ها هنا، فيبقى حيران ولا يدري أين يذهب، والعارف بالطريق يسير وقلبه سالم من ذلك، وطريق الدنيا والآخرة هو الله تعالى، فمن عرف هذا ربح خَيْرَي الدنيا والآخرة وأحياه الله حياة طيبة، ومن جهل هذا كان على الضد[2].

- إذا ذهب خاطر العبد مع غير الله فقد انقطع عن الله عز وجل، ثم من الناس من يرجع إلى الله عز وجل عن ساعة، ومنهم من يرجع عن ساعتين، ومنهم من يرجع عن أقل، ومنهم من يرجع عن أكثر، فلينظر العبد كيف قلبه مع الله عز وجل[3].

- إن السراج إذا تغذى قوي نوره، وإذا ترك بقي على حالته، وكذا حال العارفين إذا سمعوا كلامه صلى الله عليه وآله وسلم، تقوى أنوارهم، وتزداد معارفهم، وإذا سمعوا كلام غيره بقوا على حالتهم[4].

- من أجزاء النبوة الصبر، وهو نور في الذات ينتفي به عنها الإحساس بالألم والمصائب التي تلحقها في ذات الله عز وجل، وذلك هو الصبر الحقيقي الذي يكون بلا كلفة لاتساع عقل صاحبه بسعة فكره، لكون الذات مفتوحا عليها، فعقلها سارح في كمالاته تعالى التي لا نهاية لها، فإذا وقع للذات شيء من الألم شغلت عنه بالأمور التي الفكر فيها مشغول[5].

- ثم إن نور الإيمان يزيد بزيادة نور الأجور، وذلك لأن للأعمال أجورا، وللأجور أنوارا، وأنوار تلك الأجور تنعكس إلى الذوات، فيحصل للذوات بها نفع في الدنيا بالحسنى، بأن تعظم بها أنوار إيمانهم، ونفع في الآخرة ظاهري، بأن تصير تلك الأجور نعما في الجنة يتنعم بها العاملون...، ولو فرضنا رجلين استويا في نور الإيمان وعمل أحدهما حسنات في نهاره دون الآخر ثم ناما معا بالليل، فإن نور إيمان الذي عمل يبيت ساطعا منيرا لامعا في زيادة، بخلاف الذي لم يعمل[6].

- الصدق مع كل أحد في الأقوال والأفعال، بأن تكون الأفعال والأقوال على وفق الرضا والمحبة من الله عز وجل، لأن الخلق أمروا بالاقتداء بالرسل عليهم الصلاة والسلام، فيجب أن يكونوا على الحالة التي وصفنا، فهم لا يقولون إلا الحق، ولا ينطقون إلا بالصدق، ولا يمازحون إلا بالجد...، وإن دل ظاهر من الظواهر على خلاف شيء من ذلك فهو مؤول بالتأويل الصحيح والحق الصريح...[7]

- فإن العبد بعد أن يوفقه الله تعالى للاجتماع مع وليّ كامل قد يكون غرضه من ذلك الوليّ عكس المطلوب من الوليّ، فإن المطلوب منه أن يعرِّف العبد بربه، ويحذّره من القواطع التي من أعظمها حب الدنيا والميل إلى زخارفها، فإذا جعل العبد يطلب منه قضاء الحوائج والأوطار، اليوم على اليوم، والسنة على السنة، ولا يسأله عن ربه، ولا كيف يعرفه، مقته الوليّ وأبغضه، فهو السالم إن نجا من مصيبة تنزل به، وذلك لأمور:

أحدها: أن محبته للوليّ ليست لله عز وجل، وإنما هي على حرف، والمحبة على حرف خسران مبين، تكون معها الوساوس، وتحضرها الشياطين، ولا ينزل عليها نور الحق أبدا.

ثانيها: أن الولي يراه في تعلقه بالدنيا في عين القطيعة، وهو يريد أن ينقذه منها، والعبد يطلب أن يزيده منها.

ثالثها: أن الولي إذا ساعفه في قضاء بعض الأوطار، وقابله ببعض الكشوفات، وقع للعبد المسكين غلط، فيظن أن هذا هو الذي ينبغي أن يقصد من الولي، وكل ذلك ضلال ووبال[8].

- إن الفتح الأول وإن اشترك فيه أهل الظلام وأهل الحق، لكن المقصود به مختلف، فإن القصد به لأهل الظلام طردهم عن بابه تعالى، وصدهم عن سبيله، لأنه تعالى أبغضهم، وقطعهم عنه، وعلق قلوبهم بغيره، وأمدهم بهذه الخوارق إملاء واستدراجا ليحسبوا أنهم على شيء، وأما القصد به إلى أهل الحق فليزدادوا فيه محبة، وليرقيهم من درجة إلى درجة، وذلك أنه تعالى فتح لهم الباب، وأزال عنهم الحجاب، وعلق قلوبهم به فأمدهم بتلك الخوارق، لتقوى بصيرتهم وتتأكد معرفتهم، كما قال تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾. [سورة التوبة، الآيتين 124-125].[9].

- نور الإيمان هو جنة من الجنان، بل هو سبب كل نعيم في الجنان، بل وسبب في الجنان أنفسها، فهو سبب كل خير وسعادة، وإذا كانت التوبة بابا له، كانت بهذا الاعتبار بابا من أبواب الجنان، وأيضا فداخل الجنان انتقل من حالة سفلى إلى حالة عليا، وهي ما كانت عليه ذاته من الوسخ والخبث، وداخل التوبة كذلك انتقل من حالة سفلى وهي ظلام المعاصي إلى حالة عليا، وهي نور التوبة والطاعة، فالتوبة باب من أبواب الجنة بهذا الاعتبار[10].

- لا شك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الأعمال، وهي ذكر الملائكة الذين هم على أطراف الجنة. ومن بركة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم كلما ذكروها زادت الجنة في الاتساع، فهم لا يفترون عن ذكرها، والجنة لا تفتر عن الاتساع، فهم يجرون والجنة تجري خلفهم، ولا تقف الجنة عن الاتساع حتى ينتقل الملائكة المذكورون إلى التسبيح، ولا ينتقلون إليه حتى يتجلى الحق سبحانه لأهل الجنة في الجنة، فإذا تجلى لهم  وشاهده الملائكة المذكورون أخذوا في التسبيح، فإذا أخذوا فيه وقفت الجنة واستقرت المنازل بأهلها، ولو كانوا عندما خلقوا أخذوا في التسبيح لم تزد الجنة شيئا، فهذا من بركة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن القبول لا يقطع به إلا للذات الطاهرة والقلب الطاهر؛ لأنها إذا خرجت من الذات الطاهرة خرجت سالمة من جميع العلل مثل الرياء والعجب والعلل كثيرة جدا، ولا يكون شيء منها في الذات الطاهرة والقلب الطاهر[11].

الهوامش


[1] الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدباغ، أحمد بن المبارك السجلماسي المالكي (1090-1156ﮬ)، تحقيق: عبد العظيم فتحي خليل، تصحيح ومراجعة: طه عبد الرؤوف سعد، دار جوامع الكلم، القاهرة، د.ط، د.ت، ص: 30.

[2] المصدر السابق، ص: 38.

[3] نفسه، ص: 39.

[4] نفسه، ص: 68.

[5] نفسه، ص: 89.

[6] نفسه، ص: 106.

[7] نفسه، ص ص: 107-108.

[8] نفسه، ص: 594.

[9] نفسه، ص ص: 595-596. 

[10] نفسه، ص: 638.

[11] نفسه، ص ص: 639-640.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

قبسات من درر العارفين (14)

أدب الأذكار: روايات دلائل الخيرات للجزولي(1)

القاضي عياض الذي بشفائه تُشفى الصدور

تقرير حول الملتقى العالمي للتصوف: الدورة الثالثة عشرة

الملتقى العالمي الثالث عشر للتصوف

قبسات من درر العارفين (13)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









القاضي عياض الذي بشفائه تُشفى الصدور

    لله درُّ الشاعر عبد الله بن يوسف النجاري المالقي (تـــ 784هـ) لما أنشد أبياتا جميلة في حق القاضي عياض وكتابه الشفا يقول فيها:

وعياض الأعلى قداحا في العلى     منهم وحوله الفخار الأظهر

بشفائــه تشفــى الصــــدور وإنــه     لرشاد نــــار بالشِّهـــاب الـنَيِّر

قبسات من درر العارفين (14)

   صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.